عبدالله البندر
عبدالله البندر

@a_albander

42 تغريدة 16 قراءة May 16, 2023
"أنتم لستم ضیوف أي أحد فینا .. أنتم ضيوف الملك سلمان"
ھكذا كانت كلمة قائد السفينة للرعايا الأجانب حين صعدوا إلیھا من میناء بورتسودان؛ أجواء متوترة، ومصاعب، وانفلات أمني، وحرب دائرة في الارجاء.
* ھنا أوثق رحلتي الاستقصائیة كاملة والتي كنت فیھا وبكل فخر مرافقًا لھذه السفينة.
إنھا أیام العید، أیام الراحة والارتماء في أكناف العائلة والأصدقاء، أیام لطیفة مؤنسة، نتمنى لو أنھا تطول للأبد، وفي ذروة هذه الأجواء الهانئة، وفي ركن من لياليها الوادعة "تحديداً في حفر الباطن مسقط راسي ومخزن ذكریاتي" یدق جرس الھاتف!
الساعة الحادیة عشر مساءً، لابد وأنه اتصال مھم ..
"بحكم عملك الاستقصائي التوثيقي، إذا كان لك رغبة في مرافقة إحدى السفن العسكرية، التي ستجلي المواطنين السعوديين والرعايا الأجانب من السودان، فعلیك أن تستعد لذلك خلال اليومين القادمين على وجه السرعة!"
تم، كان ھذا ردي الفوري بدون تفكیر أو تردد.. مشاعر مختلطة، رھبة، وفخر، وحماسة؛ وصلت إلى الرياض كمحطة وسيطة، وأخذت قسطًا من الراحة، استعداد للانطلاق منھا نحو جدة.
في مطار الریاض وقبل صعودي للطائرة كان فيه بعض البشریات الجميلة، فبدون ترتیب ومن قبیل الصدفة التقیت بإمام الحرم الشیخ یاسر الدوسري؛ تفاجأت وكلي سرور أنه متابع جید لحساباتي وتقاريري المتواضعة.
أخبرته أني ذاهب إلى السودان لأغطي إجلاء الرعايا من هناك، فلم يكن منه إلا أن شملني وأخي فايز المالكي وفيصل العبدالكريم بالدعاء، وطيّب خاطري بكثير من كلماته المؤثرة التي زادت قلبي انشراحاً وسكینة.
* تصوير أخي فيصل العبدالكريم 📸❤️
في نهاية اليوم ومع وصولي إلى جدة، كان لابد لي أن أنام كي أستجمع تركيزي، وأستعد لرحلة الغد الاستثنائية، لكن كعادتي في مثل هذه التجارب يزاحمني التفكير ويطغى عليّ الأرق.
صبيحة الیوم التالي وصلت إلى قاعدة الملك فيصل البحرية عند موعدي المحدد؛ من بعيد تزاحمك هيئات السفن بأحجامها العملاقة، وتمتلأ نفسك معها بالفخر، وتردد بتلقائیة "والله ما مثلك بهالدنيا بلد".
رويدًا رويدًا تتكشف أمامك التفاصيل المنتظرة، لكن حين تلتقي قائد الأسطول الغربي اللواء يحيى عسيري، وتتأكد أنك واحد من ثلاثة مؤثرين بالإعلام فقط سيغطون رحلة الإجلاء، تستشعر عظم المسؤولية الملقاة على عاتقك، ويزداد تصميمك على تقدیم أفضل ما لدیك!
سفينة جلالة الملك "الجبيل" التي ستعبر بنا البحر الأحمر نحو ميناء بورتسودان في رحلة ستستغرق عشر ساعات.
هي الأحدث عالميًا في طرازها القتالي، وهي أولى سفن مشروع "السروات" وهو مشروع مشترك بين الشركة السعودية للصناعات العسكرية “SAMI” وشركة "نافانتيا" الإسبانية.
هدفه بناء خمس سفن لصالح القوات البحرية الملكية السعودية، تحقيقاً وتفعيلاً لرؤية المملكة؛ بغرض توطين ما نسبته 50% من الصناعات العسكریة بحلول عام 2030.
السفينة الجبيل استغرق بنائها أربع سنوات، ودخلت حيز الخدمة فقط في أغسطس الماضي، أبعادها جداً مهيبة، طولها 97 متراً ووزنها 2500 طن، وتمتلك قدرات قتالية استثنائية للتعامل مع جميع التهديدات، ومزودة بنظام إدارة معارك سعودي مائة بالمائة.
بالإضافة إلى ذلك هي سفينة متعددة المهام، فهي مصمّمة خصيصًا للمراقبة، والتحكم البحري، والبحث، والإنقاذ، وتقديم المساندة إلى السفن الأخرى، وبالتالي فمهمات إجلاء الرعایا لیست بعیداً عنها.
تلك هي المعلومات الفنية عن السفينة، لكن وأنت أمامها ومن ثم لاحقًا على ظهرها، الأمر مختلف ومهيب، أنت أمام صرح عظيم، وتجربة استثنائية تختلط فيها مشاعرك بين الرهبة وأنت تستمع لتعليمات السلامة وبين الحماسة لتحقيق الهدف المنشود من الرحلة وھو مساعدة العالقین وإنقاذ حیاتھم.
السفينة العسكرية ليست مصمّمة لتقدم لمستقليها الراحة، فكل شيء فيها عملي جدًا، ومتناسب مع وظیفتھا الأساسية؛ الممرات ضيقة جدًا والسلالم عمودية غير متدرجة، والغرف التي انتقلنا للراحة فيها صغيرة وباردة، والأسرة دورين، وهذه أمور لم أتفاجأ بها، فنحن في النهاية لسنا في نزھة.
انطلقت السفينة، ومع توغلها في البحر الأحمر انقطعت إشارات الهاتف والإنترنت، وأصبح البحر يحيط بك من كل مكان بزرقته وأجوائه الخرافية، تساؤلات داخلية، وتفكير كثير فيما نحن قادمون عليه، يا ترى ما الذي يخبئه لنا الجانب الآخر من البحر.
بعد ساعات وساعات، ووسط ليل دامس بلا قمر، بدأت من بعيد تتشكل أمامنا أضواء بورتسودان، لكن طبقًا لإجراءات بحرية معينة توقفت سفينتنا في عرض البحر، وانتقلنا لسفینة أخرى صغیرة يسمونها ( Tugboat ) مهمتها هي نقلنا للميناء.
بحر وليل دامس، وسفينة أخرى نستقلها تسير بسرعة كبيرة تُحبس لأجلها الأنفاس، نقترب معها من المیناء، یا لها من أجواء؛ أنا الآن على أرض سودانية، ضمن ميناء صغير بإنارة خافتة، وعالقين كثر ينظرون إلينا على أننا الأمل الوحید والأخیر لهم بعد الله.
حزن شديد اعتراني على ما وصل إليه السودان من وضع عصيب ومأساوي، لكن في نفس الوقت فخر كبیر بما يؤديه جنودنا البواسل من عمل إنساني ضخم ومنظم.
جنود سعوديون أبطال، رجال من ربعنا هنا في السودان، ينتشرون في المكان، يقيمون النظام، ويصنعون شيئًا عظيمًا، ييسرون الإجراءات وینقلون الرعايا ویمدون أیدیھم لكل من یستغیث بهم.
جنسيات عديدة، جاءت هنا إلى بورتسودان والأمل يحدوها أن تنقل بعيدًا عن تلك الأخطار، وقد تحقق لها ذلك عبر جهود أبطالنا في البحرية، وعبر جهود تنسيقية أخرى ودبلوماسية سابقة لوصول ذلك الفوج.
بدأت أمشي وسط الجموع، لكن لفت نظري فتاة بريئة صغيرة في مقتبل العمر تقف وحیدة، اقتربت منھا وسلمت عليها؛ وقلت لها وين أهلك؟ قالت لي أنا سودانية وأهلي مقيمين في السعودية، وخلصت ثانوية وجيت للخرطوم لأدرس في الجامعة، لكن حصلت الأحداث الأخیرة
ووجدت نفسي محاصرة بالموت من كل مكان، وما تعرف كيف فرحتي لما شوفت سفينتكم قادمة، وكأن عمرًا جديدًا انكتب لي.
على مقربة مني كانت هناك سيدة كبيرة جدًا في العمر يسندها أحد أبطالنا ويساعدها على إتمام الإجراءات، وكانت كلماتها المؤثرة والدموع في عيناها :
"أولادي وبناتي جميعهم ينتظروني في السعودية"
هي سعودية كانت في زيارة لأقارب لها قبل أن تعلق في الخرطوم بين الضرب والنيران، ولكي تصل إلى هنا قطعت مئات الكيلومترات، واستقلت كل وسائل المواصلات المتاحة من قطار وسيارة وباص، حتى وصلت أخيراً ليحملها أبطالنا على كفوف الراحة وكأنھا تماماً أماً لهم.
استقل الرعايا السفينة الصغيرة وانطلقت بهم نحو عرض البحر، حيث سفينة "الجبيل" التي أتينا فيها، وبجوارھا سفينة أخرى هي سفینة مكة.
كانت مرحلة الانتقال من السفينة الصغيرة للكبيرة غاية في الصعوبة والخطورة، فالبحر من تحتك، والأجواء عاصفة بعض الشيء، هنا تولدت مشاهد عظيمة جدًا قام بها أبطالنا في القوات البحرية السعودية الخاصة أو ما يعرفون "بالضفادع البشرية"
فالأطفال والمقعدين حملوا حملاً إلى ظهر السفينة من قبل أبطالنا المغاوير، في مهمة استغرقت دقائق بسيطة رغم صعوبة الأجواء ونقل المقعدين والنساء والكبار.
"أنتم لستم ضيوف أي أحد فينا، أنتم ضيوف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان" هكذا استقبل قائد السفينة جموع الرعايا الذين استقلوا السفينة، بث فيهم عبر كلمة موجزة كل ما یحتاجون إلية من طمأنینة وارتیاح.
عمل جبار آخر قام بها فريق السفينة، كل فرد هنا يعلم دوره بدقة، طاولة كبيرة تسجل الأسماء، يتلوها طعام وفواكه ومياه وواجب ضيافة، وفريق طبي على أعلى مستوى يطمئن على الجميع ويقدم الدعم العلاجي خاصة لأصحاب
الأمراض المزمنة.
انزاحت الغمة وسكن الجميع إلى مواضعهم الآمنة، وخلدوا إلى نوم عميق، هنا أدركت وسط الهدوء الذي عم السفينة أنني خلال هذه الرحلة بكامل فصولها، ومن فرط حماستي وشوقي للاستقصاء والتغطية لم أنم إلا ساعة واحدة، هنا ذهبت إلى سريري الذي يهتز مع أمواج البحر، واستسلمت أنا الآخر لنوم عمیق.
6 ساعات متواصلة نمتها، ثم صحوت مع أجواء الصباح الباكر وقد بقي لنا على الوصول إلى جدة حوالي أربع ساعات.
بعدما تناولت الفطور، شاهدت كيف يتبادل طاقم السفينة فترات عملهم بدأب ونشاط دون كلل أو ملل، وذهبت إليهم شاكراً جهودهم وما صنعوه من ملحمة إنسانية عظيمة ستبقى في ذاكرة التاريخ.
عن قرب جلست مع مساعد قائد السفينة وبدأت أتبادل معه أطراف الحديث، فسألته عن أول سفينة أبحرت لإجلاء الرعايا من السودان، ففاجئني بأنها سفينتنا، كان ذلك أول أیام العید.
يقول لي مساعد قائد السفينة :
في ليلة العيد وأنا أتقضى أشياء العيد مع أطفالي وأستعد لقضاء أول أیام العید معهم، وردني اتصال بالحضور فوراً من أجل مھمة ملحة.
على الفور ودون تردد أوصلت أسرتي إلى المنزل وسافرت من الجنوب إلى قاعدة الملك فيصل البحرية بجدة، هذا البطل لبى نداء الوطن، وترك خلفه كل شيء من أجل القيام بما أوكل له.
يقول: وصلت للسفينة ووجدت جميع طاقم السفينة متواجدين هنا، وكأننا نسابق بعضنا البعض، وجميعنا على نفس الحماس والروح العالية، حتى قبل أن ننطلق ونبحر لنبدأ مهمتنا، جاء إلینا أحد طاقم السفينة يركض للحاق بنا وبيده ثوب العید الذي كان سيرتديه؛ وكان يردد : "عشان أعيد فيه وسط البحر".
أمام هذه القصة والكلمات عرفت حقًا وعن قرب ما يقدمه هؤلاء الأبطال من تضحيات، عرفت معنى الواجب والقوة والعطاء والإنسانية التي يصدرها هؤلاء السعوديون لعموم العالم.
وصلنا أخيراً إلى جدة، وسط استقبال حافل بالورود من قيادات ومسؤولين عسكريين كبار، لدرجة أن أحد الرعايا قال: "المملكة استقبلتنا استقبال رئاسي" وشاهدت بعيني كيف عمت الفرحة الأرجاء، ورأيت الفتاة السودانية سابقة الذكر وقد استقرت في أحضان أسرتها هانئة سعيدة ومطمئنة.
بعد تمام الاستقبال وانتهاء الإجراءات عدت إلى الفندق، وأنا في غاية السعادة والغبطة بما أنجزت.
لكن بعد ثلاثة أیام من عودتي للریاض، جرس الھاتف یدق مرة أخرى، "نحن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ندعوك إذا كان لك الرغبة لمرافقتنا إلى عدن لافتتاح مشاريع تنموية كبيرة في عدن.
إجابتي على الفور كانت ( نعم ) فهذا واجبي وعملي نحو وطني، وهذه مجریات حیاتي ومهنتي التي أعتز بها.
قريباً أسرد لكم رحلتي إلى اليمن وتحديداً إلى عدن.

جاري تحميل الاقتراحات...