عبدالله كله؟
بوجهه البشوش؟ بابتسامته الدائمة؟ بنكتته الحاضرة؟ بروحه المرحة؟ بخلقه العالي؟ بتواضعه الجم؟ بخلاله وخصاله ومروءته التي يندر أن تجتمع في رجل بلغ أشده فضلا عن فتى لم يجاوز الحادية والعشرين!!
بوجهه البشوش؟ بابتسامته الدائمة؟ بنكتته الحاضرة؟ بروحه المرحة؟ بخلقه العالي؟ بتواضعه الجم؟ بخلاله وخصاله ومروءته التي يندر أن تجتمع في رجل بلغ أشده فضلا عن فتى لم يجاوز الحادية والعشرين!!
يا رب رحماك!
ألم نكن قبل يومين في عقد قرانه الذي تزيا بطلته البهية، وبلمعة الفرح في عينيه، وإقبالة البشر في وجهه، وعم الأنس وانهالت عليه التهاني والتبريكات؟
أحقا أمس آخر مكالمة؟ وأخر محادثة؟ وآخر لقاء؟ وآخر وآخر وآخر؟
ألم نكن قبل يومين في عقد قرانه الذي تزيا بطلته البهية، وبلمعة الفرح في عينيه، وإقبالة البشر في وجهه، وعم الأنس وانهالت عليه التهاني والتبريكات؟
أحقا أمس آخر مكالمة؟ وأخر محادثة؟ وآخر لقاء؟ وآخر وآخر وآخر؟
في أواخر رمضان أرسل لي صورة قديمة له حين كان عمره ست سنوات، واسترجعنا ذكريات طفولته في محادثة ضاحكة وكأنه يريد يوفر علي قريبا عبء استرجاع ذكريات الماضي!!
طفولته تلك التي لم تكن عادية، ولم يكن عاديا ذاك الطفل لاوالذي أشربنا حبه ثم اختاره إلى جواره..
طفولته تلك التي لم تكن عادية، ولم يكن عاديا ذاك الطفل لاوالذي أشربنا حبه ثم اختاره إلى جواره..
كان مختلفا في كل شيء..
أذكر حين كان عمره خمس سنوات أن عمه أحمد -رحمه الله- كان إذا زارنا في بيت والدي سلم على الجميع السلام المعتاد، فإذا وصل عبدالله جلس وقبل خديه واحتفى به، فإذا استفهمنا قال: هو أحسنكم.. وصدق.
أذكر حين كان عمره خمس سنوات أن عمه أحمد -رحمه الله- كان إذا زارنا في بيت والدي سلم على الجميع السلام المعتاد، فإذا وصل عبدالله جلس وقبل خديه واحتفى به، فإذا استفهمنا قال: هو أحسنكم.. وصدق.
كان ذلك الطفل الذي إن غاب فقد، وإن حضر أخذ المجلس طولا وعرضا.. إن غلبته الطفولة فسرعان ما يرجع من قريب، وإن غضب فكالرعد يهزم قليلا ثم تتلوه ديمة تنعش المكان وتكسوه خضرة.. طفل تهزمه ابتسامة، وتسكنه كلمة، ويعيد اتزانه حضن..
كنت أرى في عينيه عيني عظيم، وأتوسم فيه الخير، وألمح فيه النجابة منذ نعومة أظفاره..
فلما استوى شبابه واشتد عوده كانت قد أخذتني الدراسة إلى مكة، ثم ترامت بي ظروف العمل بين مدن المملكة ثم إلى غرب إفريقيا؛ لكن عبدالله كان دائم التواصل..
فلما استوى شبابه واشتد عوده كانت قد أخذتني الدراسة إلى مكة، ثم ترامت بي ظروف العمل بين مدن المملكة ثم إلى غرب إفريقيا؛ لكن عبدالله كان دائم التواصل..
لم ينقطع عني تواصله والله منذ أن امتلك هاتفا حتى الليلة التي كانت صبيحتها وفاته.. مطمئنا وسائلا عن أحوالي، أو مشاورا لي في أمر من أموره، أو مناقشا في مسألة، أو مستفهما عن أمر.. فإن لم يجد شاركني بعض الاهتمامات المشتركة بيني وبينه وما أكثرها!
فقد كان قارئا مطلعا، يحب الأدب والشعر، ويحتفي بالبيت، وتستوقفه النادرة.. كان بارعا في افتتاح الحديث، حاد الذهن، حاذق الفهم، سريع البديهة، رفيع الذوق، لا تمل محادثته ولا تستثقل مجالسته..
إذا كان للشباب اجتماع في استراحتنا بمزرعة الوالد -رحمه الله-، فعبدالله أول من يتصل بي ليدعوني، فإن صادف ذلك شغلا أو ارتباطا وحاولت الاعتذار، ألح وحاول وأغرى، وربما هددني ضاحكا بإرسال قوة من الشباب يختارهم بمعايير خاصة يأتون بي في شنطة السيارة..
كان بر عبدالله مختلفا؛ فلم يكن يبالغ في الاحتفاء إلى القدر الذي يجبرك على اتخاذ الوضع الرسمي للعم مع ابن أخيه.. ينتقي من الذكريات أجملها، ومن النكات أحسنها، ومن التعليقات ألطفها.. تشعرني مجالسته أني قرينه، وتنبئني عيناه وقسمات وجهه بما يكن صدره..
"خلطة بر حبيبة للقلب، قريبة للنفس، آخذة بمجامع الفؤاد لا يتقنها إلا عبدالله"!
إن غاب عبدالله عن استراحتنا فأول من يسأل عنه، وإن حضر كان ضابط إيقاع الجلسة ومهندس نجاح السهرة..
إن اقترح استحسنا.. وإن أبدى رأيا وافقه جلنا.. وإن تحدث أنصتنا.. وإن قيل من فتى؟ قال أنا..
إن غاب عبدالله عن استراحتنا فأول من يسأل عنه، وإن حضر كان ضابط إيقاع الجلسة ومهندس نجاح السهرة..
إن اقترح استحسنا.. وإن أبدى رأيا وافقه جلنا.. وإن تحدث أنصتنا.. وإن قيل من فتى؟ قال أنا..
إذا وعد لم يخلف، وإذا حدث كان كما قال والدي عنه وهو لم يبلغ الحلم بعد: "امش على كلامه بالليل المظلم"..
كنا نتخذ ملعبا رمضانيا للطائرة، وكان رمضان الماضي أول رمضان يغيب عبدالله بعض لياليه كونه العام الأول لمباشرة عمله في الحد الجنوبي..
كنا نتخذ ملعبا رمضانيا للطائرة، وكان رمضان الماضي أول رمضان يغيب عبدالله بعض لياليه كونه العام الأول لمباشرة عمله في الحد الجنوبي..
فكانت الليلة التي يغيبها عبدالله عن الملعب باهتة مملة، سرعان ما تنقضي وينفض الجمع، وحين يحضر يحضر التحدي وتكون ليلة صاخبة مرحة، يمر الوقت فيها ولا نشعر إلا بالسحور قد حان، وربما تسحرنا سويا..
كان الوحيد منا بين الحين والآخر ينسل إلى ملعب القرية ليشارك الأحبة هناك اللعب بعض الليل، ثم يعود ليكمل معنا، وكأنه يقسم بين محبيه ما بقي من أيامه.
بلا مبالغة؛ كل ما خُط في الذكاء الاجتماعي يمكنك أن تراه متمثلا في شخص عبدالله.
بلا مبالغة؛ كل ما خُط في الذكاء الاجتماعي يمكنك أن تراه متمثلا في شخص عبدالله.
في أواخر رمضان كانت الفرحه غامرة حين قرر عبدالله خطبة أخت زوجتي، وتمت الموافقة، وتم الاتفاق على أن يكون عقد القران بعد العيد.. وحان اليوم الموعود، يوم الخميس الرابع عشر من شوال.. كانت ليلة مليئة بالبهجة والسرور، ولحظات سعادة عمت الجميع.. كنت ثالث المهنئين بعد والد العروس ووالده..
لن أنسى إشراقة الفرح في وجهه، والبشاشة المعهودة، والبشر المعروف، وتلك الابتسامة..
وفي اليوم التالي -يوم الجمعة- التقينا في الاستراحة، وكنت أنا وعبدالله ومحمد أخوه أول الواصلين، كانت جلسة عصرية ماتعة كسائر الجلسات التي يحضرها عبدالله..
وفي اليوم التالي -يوم الجمعة- التقينا في الاستراحة، وكنت أنا وعبدالله ومحمد أخوه أول الواصلين، كانت جلسة عصرية ماتعة كسائر الجلسات التي يحضرها عبدالله..
ثم صلينا المغرب وبدأ توافد بني إخوتي وسمرنا إلى منتصف الليل، وانفض الجمع وقد اقترح عبدالله أن نلتقي غدا في ديوانية لمشاهدة نهائي دوري أبطال آسيا، وهو يعد بالمباركة إن فاز فريقنا، ويوعد بضدها إن خسر.
أيقظني عند الحادية عشرة وست وخمسين دقيقة اتصاله (ألو.. صح النوم.. المباراة بتبدأ)، جئت بعد انطلاق المباراة بدقائق وهو في الزاوية الخلفية للغرفة يضحك ويهدد بتصوير انفعالاتنا في المباراة..
حين انتهت المباراة كانت التعليقات منه أعذب من الماء الزلال، وأرق من النسيم في الليلة الماطرة.
حين انتهت المباراة كانت التعليقات منه أعذب من الماء الزلال، وأرق من النسيم في الليلة الماطرة.
سألته بعد أن تغدينا.. متى ستداوم؟
قال: (بكرة أو بعده) .. استفهمت فقال: (ممكن أوكل زميلي)، انتهى اجتماعنا قبيل العصر، وعند منتصف الليل شاركنا مقطعا صوره للأمطار في جازان .. علمت أنه ذهب لاستلامه فاستودعته الله.
قال: (بكرة أو بعده) .. استفهمت فقال: (ممكن أوكل زميلي)، انتهى اجتماعنا قبيل العصر، وعند منتصف الليل شاركنا مقطعا صوره للأمطار في جازان .. علمت أنه ذهب لاستلامه فاستودعته الله.
صليت الفجر ونمت؛ لأستيقظ على تلك الجملة بعد أن أرسلت إليه يد الغدر والخيانة رصاصة ارتقت بروحه الطاهرة إلى بارئها، شهيدا في ميدان العز والشرف، ذائدا عن حدود وطنه، مدافعا عن مقدساته.
وصدقت نبوءتي فيه.. وأي عظمة ومكانه أعلى من الشهادة في سبيل الله؟!
وصدقت نبوءتي فيه.. وأي عظمة ومكانه أعلى من الشهادة في سبيل الله؟!
رحل وورد هديته لم يذبل بعد، وهداياه لم تزل في مكانها..
بالأمس نترقب يوم زفافه، واليوم نحمل نعشه..
بالأمس ننتظر أحبته وأصدقاءه مهنئين، واليوم نستقبلهم معزين..
بالأمس يتلقى التهاني، واليوم نتلقى فيه التعازي..
كان أسبوعا متناقضا فيه كل شيء إلا حبنا لعبدالله ومكانته في نفوسنا..
بالأمس نترقب يوم زفافه، واليوم نحمل نعشه..
بالأمس ننتظر أحبته وأصدقاءه مهنئين، واليوم نستقبلهم معزين..
بالأمس يتلقى التهاني، واليوم نتلقى فيه التعازي..
كان أسبوعا متناقضا فيه كل شيء إلا حبنا لعبدالله ومكانته في نفوسنا..
اتصلت بوالده بعد أن استوعبت الخبر، فإذا بصوت علي الذي أعرفه يصبرني، وقد أنزل الله عليه صبرا وثباتا لا أزال أتعجب منه!
لا أنسى كلمة محافظ محايل عسير حين رآه يترجل من مركبة الإسعاف عند جامع الفلقي في ثبات حين قال: "حي والله الأب .. صابر".
لا أنسى كلمة محافظ محايل عسير حين رآه يترجل من مركبة الإسعاف عند جامع الفلقي في ثبات حين قال: "حي والله الأب .. صابر".
صلينا عليه عصر الأحد الماضي، السابع عشر من شوال، وانطلقنا بجثمانه الطاهر إلى حيث أوصى أن يدفن بقرية ذرا..
القرية التي كان يحبها حبا قل نظيره في حب الأوطان.. القرية التي خطَت قدماه سهولها وجبالها ووهادها وأوديتها طولا وعرضا خلف إبله التي كان يعشقها، ولا يدخر دونها جهدا ولا مالا.
القرية التي كان يحبها حبا قل نظيره في حب الأوطان.. القرية التي خطَت قدماه سهولها وجبالها ووهادها وأوديتها طولا وعرضا خلف إبله التي كان يعشقها، ولا يدخر دونها جهدا ولا مالا.
واريناه الثرى بجوار جده -رحمه الله-، لحق به ولم تزل صورة العرض في هاتفه صفحة سوداء كتب فيها: "يا قبر فيك إنسان بالقلب ما مات .. بين الحنايا حي لو كان مدفون"، وجاور ذلك القبر الذي كان يخاطبه منذ ست سنوات.
هذا بعض ما في القلب؛ مشاركتكم إياه متابعيّ تخليدا لتلك السيرة العطرة، واستمطارا لدعواتكم، واستجلابا لعذر من رأى من المعزين في العين دمعة حائرة، أو أحس عبرة في الصدر غائرة، أو ثالثة على الخد سكبت؛ فالرزية بعبدالله عظيمة والله، والمصاب جلل، والخطب جسيم؛
لكن عزاءنا ما نعلمه عنه من بر بوالديه، وحسن خلق شهد به كل من عرفه من صغير وكبير، وقرب من الله وورع وتقوى، وما نرجوه له من منازل الشهداء، وبشارتنا ما رأيناه في وجهه من ضياء ونور.
نسأل الله أن يربط على قلوبنا، ويقوي على الصبر عزائمنا، وأن يتقبل فقيدنا مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يجعل لقاءنا في دار كرامته لقاء لا فراق بعده.
جاري تحميل الاقتراحات...