1) يتواصل معي أحيانا بعض الفضلاء، بخصوص تناول بعض القضايا ذات العلاقة بالثقافة والسلوك الإنساني في البيئة المبنية، نظرا لكون هذا الموضوع تخصصي الدقيق، وخاصة موضوع الخصوصية في المباني السكنية، الذي كان موضوعا لبحثي في رسالة الدكتوراه التي ناقشتها عام 2000.
2) ولعل من القضايا التي صاحبها الكثير من الجدل واختلاف الآراء، موضوع الأسوار في الفلل السكنية، مما وصل إلى مرحلة احتد فيها النقاش، وقست فيها بعض العبارات بصورة لا تستحق كل هذا التعصب للآراء والتفضيلات، ولاسيما أن موضوعا مثل هذا ليس من القضايا القطعية المحسومة.
3) في البداية، تناول موضوع المقارنة بين بقاء الأسوار وإزالتها يتطلب رؤية شاملة للبيئة العمرانية، وعلاجا للعديد من مشكلاتها، حتى يمكن إجراء تغيير ملموس وجذري في عنصر معماري أصبح عبر عقود من الزمن جزء أساسيا من مكونات العمارة السكنية في مجتمعنا المعاصر.
4) يمكن أن تكون المطالبة بإزالة الأسوار منطقية لو أن البيئة العمرانية تتكامل لتحقق المتطلبات الثقافية والاجتماعية الأساسية، وهذا ما يمكن أن نراه في مشروعات مثل فلل سكن جامعة الملك سعود القديمة، وسكن وزارة الخارجية، حيث تم تصميم الكتل السكنية بشكل متكامل ومتناغم.
5) ومن الملحوظ في تلك المشروعات أن العلاقة بين الفراغات المبنية والمفتوحة تراعي تحقيق الخصوصية بين الجيران، وتوفر فراغات عائلية يمكن استخدامها دون أن تنكشف على الجيران سواء من المباني الملاصقة، أو التي في الجهة المقابلة من الشارع.
6) هل إزالة الأسوار تتيح مزيدا من الفرص الجمالية في الشارع؟ الجواب يعتمد على نوعية المباني ومستوى العناية بواجهتها. العمارات السكنية تبنى بدون أسوار، وتطل واجهاتها مباشرة على الشارع، ومع ذلك نرى تفاوتا في مستوى الإمتاع البصري يتناسب مع جودة التصميم وجمالياته.
7) هل تتيح إزالة الأسوار اتساعا بصريا للشارع؟ هناك حالتان، الأولى إزالة السوار وبقاء الفيلا مرتدة عن الشارع، والثانية إزالة السور وتقريب الفيلا إلى حدود ملكية الأرض. في الحالة الأولى نعم سيتسع الشارع بصريا، أما في الثانية فسيضيق الشارع عن الوضع الحالي لوجود دورين وربما أكثر.
8) من المعروف أن البشر يستجيبون لبيئتهم بالشكل الذي يحقق احتياجاتهم ورغباتهم بأنسب ما يمكن. ولذلك كان بإمكان السكان إزالة الأسوار، أو جعلها قصيرة، أو جعلها من الحديد الذي لا يعيق الرؤية البصرية، لكننا لا نرى مثل هذه الحلول على أرض الواقع.
9) السبب أن وجود السور يلبي احتياجات السكان، ولاسيما في تحديد ملكية الأرض، ومنع المتطفلين من الدخول إليها، إضافة إلى توفير خصوصية بصرية، خاصة للنوافذ المطلة على الخارج، مقارنة بكشفها بشكل كلي على الشارع، حيث لا خصوصية بصرية ولا حيازة مكانية.
10) وجود السور يزيد الشعور بالأمن، وخاصة بالنسبة للعائلات التي يوجد لديها أطفال يستخدمون الحوش الخارجي للعب سواء بالدراجات أو بالكرة أو غيرها. وهذا الأمر ازدادت الحاجة إليه مع انخفاض الرقابة المتبادلة بين السكان على الشارع وما يجري فيه من نشاطات وأشخاص عابرين.
11) الاستشهاد بالنماذج التقليدية السائدة في مختلف المناطق بأنها بدون أسوار ليس مقارنة عادلة، فالبناء التقليدي كان يبدأ من حدود الأرض، ويتوجه غالبا إلى الأفنية الداخلية، أو النوافذ المرتفعة عن الشارع في البيئات الجبلية غير المتضامة أو المتلاصقة.
12) كانت بدايات الفلل السكنية في مدينة الرياض في حي الملز منذ خمسينيات القرن الماضي، والتي خططها مهندسو شركة أرامكو. وكانت تحيط بها الارتدادات والأسوار، خلافا للنمط الغربي السائد الذي يندر فيه استخدام الأسوار للبيوت المستقلة.
13) ختاما أقول، عليكم بالرفق، فإنه ما وجد في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. الحوار الراقي يتطلب سعة أفق، وقبول تنوع الآراء في القضايا النقاشية، وعدم التعصب أو التشنج للرأي، وألا ينظر للأمر على أنه معركة فيها منتصر ومهزوم.
جاري تحميل الاقتراحات...