رؤى وأفكار
رؤى وأفكار

@ayedhi

10 تغريدة 2 قراءة May 07, 2023
أنا أحتاج إذن أنت موجود!
إذا تأملت العالم المعاصر، بمادياته وفردانيته، ستلاحظ أنه في جزء واسع منه صار معتلاً بهمومه الذاتية، محبوسًا داخلها رهينًا لها، لا يرى سواها، إنها عبودية الحاجات، التي تحمله على ألا يفكر إلا فيما يريد أن يأخذه من الآخرين ويحصله منهم.
إنه لا يفكر بدوره فيما يجب عليه أن يبذله ويعطيه للآخرين. إنه كأنه مصاب بعمى وجود الآخرين حوله، فضلاً عن مبادرته الخيرة لتلمس حاجاتهم، إنه لا يبصر وجودهم إلا في اللحظة التي يشعر أنه بحاجة إليهم، هنا ومعجزة فريدة يصبح في مقدوره رؤية الأشخاص الذين حوله: القريب، الزوج، الصديق، وهكذا.
إن أكبر خطأ يرتكبه الإنسان يتجلى في أنه لا نفكر إلا فيما يريده ويحتاجه ويفتقد إليه، فتكون الذات محور الكون بالنسبة إليه، وزاوية الرؤية الوحيدة التي لا يوجد سواها، وتراه يطالب -تحت أوهام الاستحقاق- من الآخرين تحقيق ذلك له، وكأنهم مجرد خدام أو أغراض ووسائل ليس إلا.
وفي المقابل يعفي نفسه -شاعرًا بذلك أو لا شعوريًا- من أي حاجات أو مرادات للآخرين الذين يعيشون حوله قد يكون في أمس الحاجة لها، وكأن الشخص القريب منه أو البعيد صفرًا لا وجود له إلا بحسب حاجته إليه، فيشعر بوجودك في اللحظة التي يحتاج فيها إليك، ولسان حاله: "أنا أحتاج إذن أنت موجود!".
ويمكن أن ترى ذلك عند الزواج في الاشتراطات في زوج المستقبل، فزوج المستقبل المفترض هو مجرد ظلال لإسقاطات الحاجات والكماليات الذاتية المتضخمة، وكأن وجوده ليس إلا هامشًا في تيار وجود هؤلاء الطاغي بالذاتية والأنانية، كل شيء مجرد وسائل لتحقيق الذات، والأشياء لا بد أن تفصل بحسب الذات!
يتحدث أحدهم عن صديقه والاشتراطات اللازمة فيه، ولا يتحدث بكلمة عن نفسه وما يلزم أن يقدمه لصديقه. وأخرى تتحدث عن زوجها وكيف يجب عليه أن يحقق ذاتها ويبني مستقبلها، ولا تقدم كلمة ماذا يجب عليها تجاه زوجها. وهكذا تنشأ علاقات أحادية في جوهرها وحقيقتها وإن كان ظاهرها ثنائية!
ولهذا لا تستغرب هشاشة العلاقات في مثل نوعية هذه الحياة؛ لأنها حياة أنانية فردانية ذاتية تتمحور حول الأنا، والبقية مجرد خدام ووسائل لتحقيق الأنا وإشباع الذات، فالذات هي المحور وقطب الرحى وحجر الزاوية، ويجب أن تكون هي وحدها محل الاهتمام والاستماع والعناية والتقديم والمراعاة!
ومثل هؤلاء سرعان ما يصاب كثير منهم بإحباط رهيب، وخيبة أمل فظيعة، واكتئاب شديد، ولهذا تراهم يكثرون التشكي من الناس، وسوء الظن بهم، ويتحدثون عن قلة الوفاء في الناس، وأن الناس لم يعد فيها خيرًا، والأمر في حقيقته إخفاق شخصي لتحويل الناس إلى مجرد وسائل لخدمة الأنا ولذة الذات.
إن الحياة الواقعية لا تسير بمثل هذه الطريقة، ومن أرادها هكذا عاش أنانياً وحيدًا، ومات منبوذًا مغتربًا حتى على نفسه، فالحياة تعاون وأخذ وعطاء وتبادل، ووفاء ومبادرة وشهامة، وفوق كل ذلك البذل الحقيقي سيكون من أجل وجه الله تعالى، فهو وحده المقصود حقيقة بعمل الخيرات، وهو مصدر المسرات.
(ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا).

جاري تحميل الاقتراحات...