مختارات من كتب العلماء
مختارات من كتب العلماء

@Abdulbasit27614

13 تغريدة 2 قراءة May 04, 2023
وقال تعالى: {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً} [النساء: ٢٨] ،
قال طاووس ومقاتل وغيرهما: لا يصبر عن النساءِ. وقال الحسن: هو خلقه من ماءٍ مهينٍ.
وقال الزجاج: ضعف عزمه عن قهر الهوى.
والصواب أَن ضعفه يعم هذا كله، وضعفه أَعظم من هذا وأَكثر: فَإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة،
ضعيف العلم ضعيف الصبر، والآفات إليه [مع] هذا الضعف أَسرع من السيل فى صيب الحدود. فبالإِضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين فالهلاك أَقرب إليه من نفسه. وخلقه على هذه الصفة هو من الأُمور التى يحمد عليها الرب [جل جلاله] ويثنى عليه
بها. وهو موجب حكمته وعزته، فكل ما يحدث من هذه الخلقة ويلزم عنها فهو بالنسبة إلى الخالق [عز وجل] خير وعدل وحكمة، إِذ مصدر هذه الخلقة عن صفات كماله من غناه وعلمه وعزته وحكمته ورحمته، وبالنسبة إِلى العبد تنقسم إِلى خير وشر وحسن وقبيح، كما تكون بالنسبة إليه طاعة ومعصية وبراً وفجوراً
بل أَخص من ذلك، مثل كونها صلاة وصياماً وحجاً [وزكاة] وسرقة وأْكلاً وشرباً، إِذ [ذلك] موجب حاجته وظلمه وجهله وفقره وضعفه، وموجب أَمر الله له ونهيه، ولله سبحانه الحكمة البالغة والنعمة السابغة والحمد المطلق على تجميع ما خلقه وأَمر به، وعلى ما لم يخلقه مما لو شاءه لخلقه، وعلى توفيقه
الموجب لطاعته وعلى خذلانه الموقع فى معصيته، وهو سبقت رحمته غضبه وكتب على نفسه الرحمة، وأحسن كل شيء خلقه وأتقن كل ما صنع وما يحصل للنفوس البشرية من الضرر والأذى فله فى ذلك سبحانه أعظم حكمة مطلوبة وتلك الحكمة إِنما تحصل على الوجه الواقع المقدر بما خلق لها من الأَسباب التى لا تنال
غاياتها إِلا بها، فوجود هذه الأَسباب بالنسبة إلى الخالق الحكيم سبحانه هو من الحكمة، ولهذا يقرن سبحانه فى كتابه بين اسمه الحكيم واسمه العليم تارة وبين اسمه العزيز تارة كقوله: {وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [النساء: ٢٦] [الأنفال: ٧١] ، {وَالله عَزِيز حَكِيمٌ} [البقرة: ٢٤٠] [المائدة: ٣٨]
وقوله: {وَكَانَ اللهُ عزِيزاً حَكِيماً} [النساء: ١٥٨، ١٦٥] [الفتح: ٧، ١٩] ، {وَكَانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً} [النساء: ١٧٠] [الفتح: ٤] ، {وَإِنّكَ لَتُلَقّى الْقُرْآنَ مِن لّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ} [النمل: ٦]
فإن العزة تتضمن القوة، ولله القوة جميعاً
والعز ضد الذل، والذل أصله الضعف والعجز فالعز يقتضى كمال القدرة [والعزة] ، ولهذا يوصف به المؤمن ولا يكون ذماً له بخلاف الكبر. قال رجل للحسن البصرى: إنك متكبر. فقال: لست متكبراً، ولكنى [عزز] . وقال تعالى: {وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينِ} [المنافقون: ٨] ، وقال ابن
ابن مسعود: ما زلنا أعزة الإسلام [منذ أسلم عمر. وقال النبى صلى الله عليه وسلم "اللهم أعز] بأحد هذيْنِ الرَّجُلَيْنِ: عُمَرَ بْنَ الْخَطَّاب، أَو أَبِى جَهْل بْن هِشَام"، وفى بعض الآثار: إِن الناس بطلبون العزة فى أبواب الملوك، ولا يجدونها إِلا فى طاعة الله عز وجل. وفى الحديث: "
اللَّهُمَّ أَعِزَّنَا بِطَاعَتِكَ وَلا تُذِلَّنَا بِمعْصِيتكَ" وقال بعضهم: من أَراد عزاً بلا سلطان، وكثرة بلا عشيرة، وغنى بلا مال، فلينتقل من ذل المعصية إلى عز الطاعة.
فالعزة من جنس القدرة والقوة وقد ثبت فى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أَنه قال: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِى خَيْر
واحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير .
فالقدرة إن لم يكن معها حكمة بل كان القادر يفعل ما يريده بلا نظر فى العاقبة، ولا حكمة محمودة يطلبها بإرادته ويقصدها بفعله، كان [فعلة] فساداً كصاحب شهوات الغى والظلم، الذى [يفعله] بقوته ما يريده من شهوات الغى فى بطنه وفرجه ومن ظلم الناس،
فإِن هذا وإن كان له قوة وعزة لكن
لما لم يقترن بها حكمة كان ذلك معونة على شره وفساده.
وكذلك العلم كماله أن [نقترن به الحكمة وإلا فالعالم الذى لا يريد ما] تقتضيه الحكمة وتوجبه، بل يريد ما يهواه، سيفه غاوٍ، [وعلمه عون له على الشر والفساد هذا إذا كان عالماً قادراً] مريداً له إِرادة
من غير حكمة،
والمقصود أَن العلم والقدرة المجردين عن الحكمة لا يحصل بهما الكمال والصلاح وإِنما [يحصل] ذلك بالحكمة معها، واسمه سبحانه "الحكيم" يتضمن حكمته فى خلقه وأَمره فى إِرادته الدينية الكونية وهو حكيم فى كل ما خلقه وأَمر به
كتاب طريق الهجرتين وباب السعادتين
لابن القيم

جاري تحميل الاقتراحات...