د. سعد ~
د. سعد ~

@s_hadeth

13 تغريدة 12 قراءة May 05, 2023
طريقة الإمام #البخاري في إيراد ما ظاهرُه الانقطاع:
أخرج البخاري حديث مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: "أن رسول الله كان يسير في بعض أسفاره، وعمر بن الخطاب يسير معه ليلًا ..."، الحديث. فاستدركه الدارقطني عليه بأنه مرسل، وقد خرّجه جماعة عن مالك متصلًا
#فوائد_حديثية
فقالوا: مالك، عن زيد، عن أبيه، عن عمر به.
قلت: وهذا الاستدراك مع دقته وخفائه يُشعِر بنوع ظاهرية وجمود في النقد؛ لأنَّه أغفل سياق الحديث الذي يحدّد بوضوح المصدر الذي نقل عنه أسلم هذا الحديث، وهو مولاه عمر بن الخطاب صاحب القصة، وأسلم معروف بالرواية عن مولاه عمر، فلا جرم أنَّه
تحمَّل هذا الحديث عنه، فكيف وقد أسنده إليه بصريح الاتصال! فقال بعد ذلك: "قال عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام المسلمين، وخشيت أن ينزل في قرآن ...".
فالتعليل بمثل هذا غير متجه؛ لأنه لا يوجد انقطاع في حديث مالك من الطرق التي خرَّجها البخاريُّ حتى يُعارض الوصل بالإرسال
بل هذه الأسانيد متصلة في الحقيقة وإن كانت صورتها صورة المرسل في أولها، وقرينة الاتصال محتفة بها حتى دون الحاجة إلى ورود الحديث متصلًا في روايات أخرى، والبخاري يتسامح في حديث التابعي إذا كان معروفًا بالرواية عن الصحابي صاحب القصة؛ لأنه غالبًا ما يكون أخذها عنه مع قرائن أخرى تنضم
إلى ذلك، ومن أهمها: ورودها متصلة من طرق أخرى، في الصحيح أو في خارجه.
والبخاريُّ مع تشدُّده في قضايا السماع إلا أنَّه يراعي السياق والقرائن في الاتصال والانقطاع، ولا يجمد على صيغ الإسناد وحدها في ثبوت الاتصال ونفيه، فتجده يورد في "صحيحه" أحاديث صريحة في الإرسال
أصرح من حديث أسلم هذا، لكنَّه يورد معها وقبلها وبعدها ما يدل على اتصالها من وجه آخر، ومن أمثلة ذلك:
1- حديث سعيد بن أبي بردة، عن أبيه قال: «بعث النبيُّ أبا موسى ومعاذًا إلى اليمن، فقال: «يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا، وتطاوعا»، فقال أبو موسى: يا نبي الله إنَّ أرضنا بها
شراب من الشعير المزر، وشراب من العسل البتع...» الحديث،
وهذا إسنادٌ مرسل؛ لأنَّ أبا بردة بن أبي موسى الأشعري لم يُدرك النبي ، لكنّه يروي هنا خبرًا يخص أبيه وهو معروف بالرواية عنه، فمن الأكيد أنه حمله عنه، فيكون متصلًا في الحقيقة للعلم بمخرج الحديث أو بالواسطة الساقطة من الإسناد
ولا يكتفي البخاري بهذه القرينة للحكم باتصال الإسناد، بل يذكر عقب الحديث: أنَّ وكيع بن الجراح والنضر بن شميل قد روياه عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى موصولًا، وقد أخرج رواية وكيع والنضر في "صحيحه" في موضع آخر، فدرء بذلك علة الإرسال.
2- وخرَّج حديث عراك بن مالك، عن عروة بن الزُّبير: «أنَّ النبي  كان يصلِّي وعائشةُ معترضةٌ بينه وبين القبلة على الفراش الذي ينامان عليه».
وهذا مرسل، عروة تابعي لم يدرك النبي، ولم يذكر فيه أم المؤمنين عائشة، لكنَّ عروة معروف بروايته عن خالته عائشة، وهو هنا يروي شأنًا خاصًا بها
لا يطلع عليه الرجال، فمن الأكيد أنه حمله عنها فيكون متصلا للعلم بمخرج الحديث، لكنَّ البخاريَّ لا يكتفي بهذه القرينة، بل يعقب هذا الإسناد مباشرة بحديث الزهري عن عروة عن عائشة متصلًا، فدرء بذلك علة الإرسال.
3- وخرَّج حديث حمَّاد بن زيد، عن أيوب، عن نافع: «أنَّ عمر قال: يا رسول الله ...»، الحديث عن نذر عمر في الجاهلية.
وهذا مرسل، نافع لم يدرك عمر، لكنَّ نافعًا معروفٌ بالرواية عن ابن عمر، وموضوع الحديث يخصُّ آل عمر، فلا جرم أنه حمله عن ابن عمر عن عمر به، لكنَّ البخاريَّ لا يكتفي بذلك
بل عقّبه مباشرة بحديث معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر به موصولا، فتبيّنت الواسطة في حديث نافع عن عمر، ودرء علة الإرسال عن الحديث.
وكما رأيت فإن هذه القرائن وإن كانت قوية ومحتملة للحكم على الحديث بالاتصال؛ إلا أنَّ البخاري لم يكتف بها، بل عقَّبها بأسانيد صريحة في الاتصال، لينفي شائبة الانقطاع عن الإسناد، وهذه إشارات نقدية عميقة لا يتفطن لها كثيرٌ من الناس، والحمد لله رب العالمين.

جاري تحميل الاقتراحات...