ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

22 تغريدة 101 قراءة May 01, 2023
لم يكن أمامه حلا إلا أن يبيع أثاث بيته
لقد راوده الحلم واحتل عليه نفسه
رفضته الإذاعة كمطرب
لكن قبلته ملحناً، لقد أسر قلوبهم
الموجي
صاحب الـ 2000 أغنية
لماذا حبسه عبدالحليم حافظ؟
ولماذا قاضته أم كلثوم؟
وما علاقته بطلال مداح؟
ولماذا هو اليوم بالرياض في #روائع_الموجي
حياكم تحت
في عام 1923 تحديداً في قرية بيلا التابعة لمحافظة كفر الشيخ شمالي مصر، ولد محمد الموجي لأب يعمل كاتبًا في مصلحة الأملاك الأميرية، وفي أحضان الطبيعة والريف، نشأ الطفل الصغير، تغرد على جانبيه الطيور، وترقرق بالقرب منه سواقي المياه بأنغامها العذبة.
يوما بعد آخر ترسخ الجمال في نفس الفتى الصغير، عززه زيارته المتكررة إلى مكتبة عمه الموسيقية من حين لآخر، حيث اعتاد الموجي أن يعانق بين أركانها أحدث الأغنيات، يستمع إليها ويتأملها وينزع إلى دندنتها وقت فراغه، إلى أن جاءته اللحظة التي أمسك فيها بالعود فلم يتركه أبداً.
تكفلت حصص الأنشطة الفنية في المدرسة بتنمية موهبة الموجي، لكن المسار التعليمي التقليدي انتهى به إلى شيء مغاير تماماً، لقد أراد له أبوه أن يكون ناظر زراعة (مهندس زراعة)، وهو ما كان! لكن الموسيقى ظلت في نفسه، وظل معها تواقاً إلى معانقتها واحترافها ذات يوم ضمن واقع مغاير.
ثلاث سنوات كاملة ظل الموجي فيها رهناً لوظيفته التقليدية، ولم يكن له من موسيقاه إلا تلك الأوقات العزيزة التي ينضم فيها لبعض أصدقائه فيسمعهم فيها ما يهيمون به، إلى أن جاءت اللحظة التي تعرف فيها على الملحن فؤاد حلمي، والذي آمن به وبموهبته الفذة وشجعه على الذهاب للقاهرة.
باع أثاث بيته وترك خلفه أسرته، وانطلق عام 1950 إلى القاهرة مجازفاً بوظيفته وحياته وكل شيء، تقدم لاختبار الإذاعة مطربا غير مرة، لكن لم يجدوا في صوته أي امتياز، فرفضوه مطرباً، لكنهم في الأخير رحبوا به كملحن شاب يمكن أن يُستفاد منه.
في يوم من أيام صيف عام 1951 وبينما الموجي يسير بين ردهات الإذاعة رفقة أحد أصدقائه، تناهى إلى سمعه صوت عذب لشاب مبتدئ تختبره الإذاعة، لم يكن هذا الصوت إلا عبد الحليم حافظ، كطوق نجاة وبارقة أمل نظر الموجي إلى حليم، رأى فيه حسن طالعه، ومستقبله الآت.
في تلك الفترة كان الطابع الموسيقي السائد تقليدي رتيب يقترب من الجمود، فعبد الوهاب منهمك في مراثيه ذات الطابع الشرقي، وفريد الأطرش ذاهب إلى حد توظيف الموال في جل أغانيه، والسنباطي يمارس دوره المعتاد في إطراب المستمعين عبر أم كلثوم، أما القصبجي فقد لفظ الساحة واعتزل التلحين.
"صافيني مرة" لم تكن مجرد أغنية لحنها الموجي لحليم، بل كانت شهادة ميلادهما الفني معاً، موج هادر يكسر اعتياد الأغنية العربية، ويذيقها بعضا من وهج الإبداع والاختلاف والاستثناء، ويورد الناس إلى مساحات إبداع لم يعهدوها من قبل، هنا ولأجل ذلك وأكثر حققت الأغنية نجاحا منقطع النظير.
كما احتفى الناس حينها بحليم ذلك الصوت الشجي النادر، احتفوا كذلك بالموجي، لتنهال على ذاك الأخير عروضا لا حصر لها، ولتنطلق منذ تلك اللحظة باكورة إبداعاته التي تجاوزت على مدى خمسين عاما تالية 2000 أغنية، تعاون فيها مع معظم المغنيين العرب من المحيط إلى الخليج.
تميزت ألحان الموجي بطابع تجديدي، زاوج فيه بين المقامات العربية والإيقاعات الغربية، واستخدم آلات غربية غير شائعة، جنباً إلى جنب مع الآلات العربية التقليدية، وبرع في الانتقال بسلاسة بين المقامات، فخلق عبر كل هذا وأكثر حالة موسيقية خاصة، جعلت عبدالوهاب يلقبه بمهندس اللحن العربي.
كونه مجدداً للموسيقى العربية في وقته، لم يلتف حوله بداية سوى شباب المطربين، حيث أخذ بأيدي كثير منهم وقدمهم للجمهور، مثل فايزة أحمد في "أنا قلبي إليك ميال" وشادية في "شباكنا ستايره حرير" ومحرم فؤاد بأغنية "رمش عينه" ونجاة بأغنية "عيون القلب" وصباح بأغنية "الدوامة"
في ذلك الوقت وبعدما شاهدت أم كلثوم مدى النجاح الذي أحرزه الموجي استدعته من أجل التعاون، ليقدما معاً أنشودة وطنية بعنوان الجلاء، وبعد ذلك لحن لها "للصبر حدود" و"اسأل روحك"، وأبرم الطرفان عقدًا يلزم الموجي بتقديم اللحن خلال شهر من تاريخه، وهو الأمر الذي لم يوفي به الموجي.
بعد 6 أشهر من التأخير، فوجئ الموجي بدعوى قضائية ضده من أم كلثوم، اضطر معها للذهاب للمحكمة حيث أقر أمام القاضي بتأخره، واقتنع القاضي بأن لاسبيل لحل المشكلة سوى بالتراضي بين الطرفين، وأن الفن لا يقيد، وبالفعل اصطلح الطرفان، وقدم الموجي الألحان ونجحت الأغنيتان نجاحاً باهراً.
أما عبد الحليم الذي ذهبت إليه معظم ألحان الموجي، فقدما معا أغنيات أشهرها جبار وأحضان الحبايب والليالي، والاغنية الخالدة قارئة الفنجان، والتي استغرقت من الموجي 4 سنوات لتلحينها، وحين لم يجد حليم سبيلاً يرغم الموجي على إنهائها قام بحبسه في غرف أحد الفنادق، ولم يخرج حتى انتهى منها.
صدر الموجي في ألحانه عن روح حرة، تنظر إلى الفن كبوتقة إنسانية كبرى لا تعرف جنسية أو حدود، فاعترف في إحدى مقابلاته باطلاعه واستمتاعه بكثير من الموسيقى العالمية ومتابعته لكثير منها، كما مد أواصر التعاون مع كثير من الفنانين السعوديين مثل طلال مداح ومحمد عبده وعتاب وغيرهم.
بدأ التعاون بين الموجي والفنانين السعوديين مبكراً، تحديداً عام 1973، حين لحن قصيدة "يا مالكا قلبي" للأمير عبد الله الفيصل عام 1973، والتي غناها عبد الحليم حافظ بإبداع منقطع النظير
أحب الموجي السعودية كثيرا فضمته على أرضها كثير من الحفلات واللقاءات والأصدقاء والليالي المؤنسة، فقدم مع طلال مداح أغنيتين مميزتين هما "لي طلب" و"ضايع في المحبة" لمهندس الكلمة الأمير بدر بن عبدالمحسن، أما محمد عبده فلحن له بعض الابتهالات.
في إحدى اللقاءات التلفزيونية أبدى الموجي رأيه في طلال مداح ومحمد عبده، فقال صوت طلال مداح فيه الطرب الرزين وقوة الشخصية، أما محمد عبده فنسب صوته إلى البهجة والسعادة والسرور، وقال بأنه عبده بالنسبة له هو المرشح لخلافة العندليب عبدالحليم حافظ.
لم يكن ارتباط الموجي بالفن السعودي ارتباطاً طارئاً، بل كان أصيلاً في ذاته، ارتباطاً يعي مركزية المملكة في وجدان الأمة والثقافة العربية، وهو الأمر الذي تترجمه المملكة اليوم عبر ما تقوده من جهود استثنائية، وحركة دؤوبة تستهدف بها إحياء المشهد الثقافي العربي وبعثه من جديد.
إن تراثنا العربي المشترك من المحيط إلى الخليج هو تراث أصيل بعيد الغور، حقيق بنا على الدوام أن نحتفي به ونقدره وندعم تجديده واستمراريته، ونعبد الطريق أمام الأجيال الجديدة كي تتلاقى معه وتتذوقه، كي يكون في الأخير جزءاً من تركيبتها وذاكرتها الوحدوية، وهذا بالفعل ما تصنعه السعودية.
تحديداً ما تصنعه هيئة الترفيه، عبر تلك الفعاليات الهادرة التي تخترق جمود المشهد الفني العربي، وتبث طاقات من الحركة والنور، ولعل حفل "#روائع_الموجي " القادم إلينا بعد أيام في الرياض هو من أكثر الحفلات التي تجسد كل هذه المعاني، وهو حفل -على المستوى الشخصي- أنتظره بشغف كبير.

جاري تحميل الاقتراحات...