محمد المهنا
محمد المهنا

@almohannam

3 تغريدة 5 قراءة Apr 26, 2023

#تويتر_محمد_المهنا
هذه كلماتٌ أذكُرُ فيها بعض ما أعرفه عن الوالد الجليل #الأمير_عبدالرحمن_بن_عبدالله آل سعود، الذي توفِّي من يومين، في اليوم الرابع من شهر شوَّال عام ١٤٤٤هـ، رحمه الله وغفر له، وهو من كبار أمراء الأسرة المالكة: أبوه الأمير الكبير المثقَّف عبدالله بن عبدالرحمن، وعمُّه مؤسِّس البلاد الملك عبدالعزيز؛ رحمة الله على الجميع.
عرفتُهُ -رَحِمَه الله- عن قُرْب بعدما تجاوزتُ العشرين من العُمُر، فقد كان يبحث عن إمامٍ لمسجده بحي المعذر عندما ترك الشيخ خالد الشريمي إمامة المسجد، فذُكِرتُ له، فبعث أحد المشايخ الكرام إلى والدي رحمه الله، فجاءنا الشيخ الكريم، ونقل إلى والدي الرسالة التي أرسله الأمير بها، وقال: إن أذنتَ لابنك في الإمامة أبلغناه وإلا تركناه، فقال له الوالد: بل آذن، فأُبلِغتُ فاستجبت، وأصبحتُ إمام ذلك المسجد الكبير المتدفِّق بالحياة، الحافل بالعِلم والإيمان، الذي تهفو إليه قلوب كثيرٍ من طلبة العلم ومحبِّي الخير في مدينة الرياض.
كان يُقال لي: إنَّ الأمير عبدالرحمن بن عبدالله رجلٌ من الأخيار، إذا رأيتَه من بعيد تذكَّرتَ الشيخ ابن عثيمين، فلمَّا جئتُه وجدتُه كما ذكروا، فأحببتُه وأنِستُ بقُربه، واستفدتُ من علاقتي به مدَّة إمامتي لمسجده فوائد معنويَّة كثيرة؛ جزاه الله عنِّي خير الجزاء.
كان -رَحِمَه الله- من خِيْرة الرِجال: ديناً وعقلاً وخُلُقاً.
كان جليل القدر، هادئ الطبع، مُوَطَّأ الأكناف، مُحِبِّاً للعُلماء خاصَّة وللناس عامَّة، وكان مجلسه ومسجده موئلاً لأهل العلم من سُكَّان هذه البلاد ومن الوافدين إليها، وقد رأيتُ منهم عدداً كثيراً بحمد الله.
ومن مناقبه رَحِمَه الله: حُبُّه لنشر القرآن، ونشر العلم الشرعي، ولذا حرِص على أن يكون مسجده منبر خير ومنارة هُدى، فعيَّن لتدريس القرآن عدداً من المشايخ الكبار منهم الشيخان الجليلان اللذان كانا في مدينة الرياض ملء السمع والبصر: محمود سُكَّر، ومحمد ذاكر؛ رحمة الله عليهما.
وجعل بقُرْب مسجده رِباطاً أسكن فيه عشراتٍ من طلبة العلم الوافدين، وعيَّن لهم مدرِّساً خاصَّاً بهم، يدرِّسهم العلوم الشرعيَّة، وأجرى عليهم أرزاقهم سنوات عديدة ليتفرَّغوا لطلب العلم في المسجد.
ومن مناقبه رَحِمَه الله: الكرم، وضيافاته اليوميَّة المستمرَّة لضيوفه ولجيرانه لعقود طويلة تُضربُ بها الأمثال.
ومن مناقبه وشمائله رَحِمَه الله: التواضع، ولين الجانب، وخفض الجناح، وهدوء الطبع، وقِلَّة الكلام؛ في شمائل عديدة يضيق المجال عن تعدادها وتفصيلها.
وكان -رَحِمَه الله- صاحب عبادة، وتألُّه، وقيامٍ بالليل، وذِكْرٍ لله، وتبكيرٍ إلى المسجد، ومكانه في المسجد معروف، لا أتذكَّر أنَّه غاب عنه أبداً.
وكان يقول لأصحابه: إمام المسجد أعلم بأمور الصلاة، فلا تكلِّموه في شيء يخصُّ طول صلاته وقِصَرها.
وقد جرى لي معه موقف لا يخلو من طُرفة، حاصِله أنِّي صليتُ بهم صلاة الكسوف فأطلت، قرأتُ في الركوع الأول سورة الكهف، وفي الثاني سورة القصص، وفي الثالث سبأ، وفي الرابع الجاثية! فلمَّا فرغتُ لامني بعض أصحابه فقال لهم: لا تلوموه، الإمام أعلم منكم بأمر الصلاة، فتركوا العتاب وسكتوا عن اللوم احتراماً لنهي الأمير.
وبعد صلاة المغرب حضرتُ مجلس الأمير (وكنت أحضره مرَّة كل شهر أو كل شهرين) فوجدتُ طبيباً يُعالجه من عارضٍ صحِّي عرض له بعد صلاة الكسوف!
وجرى لي معه موقف آخر طريف مُحْرِج، خلاصته أنِّي أُصبت ببحَّة شديدة لم أستطع معها الإمامة، فغِبتُ ثلاثة أيَّام وكان سبب الغياب معلوماً مقبولاً.
أثناء هذه الأيَّام الثلاثة طلب منِّي والدي أن أرافقه لزيارة الملك فهد في الجلسة التي يُدعى إليها العلماء والمشايخ فرافقتُه، فلمَّا عُرِضَ الاستقبال في نشرة الأخبار مرَّت صورتي ورآني الأمير فعتب عليَّ، فذَكرتُ له أنَّي لم أقُل إنِّي مريض لا أستطيع الحركة، وإنَّما قلت إنِّي مبحوح لا أستطيع التلاوة!
ومن مناقبه وشمائله رَحِمَه الله: لينُ القلب والتأثُّر بالموعظة؛ حججتُ معه ومعنا جمع غفير من المشايخ ومن غير المشايخ، فطلب منِّي أن أُلقي كلمة في مخيَّمنا بمنى، فألقيتُ كلمة ذكرتُ فيها شيئاً من سيرة النبيِّ ﷺ وشمائله، فتأثَّر وبكى.
ثمَّ طلب منِّي من الغد أن أُلقي كلمة أُخرى، وقال: اجعلها في موضوع آخر غير سيرة النبي ﷺ، فالكلام عن السيرة مؤثِّرٌ، وقلبي لا يحتمل.
للمقالة بقيَّة في التغريدة التالية
👇👇
وفي حَجَّتنا تلك جرى -بسببه- أمرٌ استفدنا منه عِلْماً:
فبعد صلاة العصر من اليوم الحادي عشر من ذي الحِجَّة قال لنا الأمير: سنزور الشيخ ابن عثيمين في مخيَّمه، فمشينا على أقدامنا، عددنا خمسة أو ستَّة: الأمير والشيخ خالد الشريمي وأنا، واثنان من أصحاب الأمير أو ثلاثة، فلمَّا وصلنا مخيَّم الشيخ، استقبلنا الشيخ ببشاشته ولُطْفه وترحيبه، وجلسنا معه جلسة خفيفة طيِّبة، فسأله الأمير مسألة استفدنا جوابها ولم نكن نعلمه.
قال له: يا شيخ، نحن ننوي التعجُّل، فهل يجب علينا إذا رمينا الجمرة أن نخرج من منى قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر كما ذكر ذلك الفقهاء؟ أم أنَّه يكفينا أن ننوي التعجُّل وإنهاء المناسك، ويجوز لنا البقاء في مخيَّمنا تلك الليلة؟ فقال الشيخ: نيَّتكم تكفي، فإذا نويتم التعجُّل فقد انقضى حجُّكم بمجرَّد النيَّة، فإن شئتم خرجتم من منى قبل الغروب وإن شئتم بقيتم فيها، ولا رمي عليك في اليوم التالي.
فسُرَّ الأمير بالجواب، لأنَّ ذلك أرفق به وبمن معه، فقد كان العدد كبيراً يُقدَّر بالمئات، وفي إيجاب الخروج من منى قبل الغروب مشقَّة لا تخفى.
عُدْنا نصف العصر إلى مخيَّمنا، فأخبرنا أصحابنا (وعدد منهم من طلبة العلم) فعجِبوا وشكُّوا وشكَّكوا! وقالوا: لعلكم ما أفهمتم الشيخ، أو فهمتم كلامه على غير وجهه!
فقال الأمير: خالد .. محمد
ارجعا إلى الشيخ واذكرا له كلام الإخوان، وأتيا بالجواب.
فذهبنا فقال لنا الشيخ: سؤالكم واضح وفهمكم صحيح، فعُدْنا فرِحين وذكرنا كلام الشيخ للأمير ومن معه، وبِتنا تلك الليلة في مخيِّمنا، و (إنَّما العِلْم الرُخْصة مِن ثِقة) كما اشتهر عن سفيان الثوري رحمه الله.
وبِذِكْر العِلْم والعُلَماء تذكَّرتُ الآن نقلاً جميلاً فيه ذِكْرٌ للأمير عبدالرحمن رحمه الله، به أختم هذا المقال الذي أعتذر إليكم من طوله.
كان الأمير -كما أسلفتُ- مُحبّاً للعلماء، وكان من أحبِّهم إليه: الشيخ ابن باز، وابن عثيمين، وابن جبرين، وابن غديَّان، رحمهم الله، ومفتي البلاد الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ حفظه الله.
وفي ليلة من الليالي دعا الأمير الشيخ ابن باز إلى بيته فحصل هذا الموقف المؤثِّر، وأنا أنقله إليكم من الكتاب الممتِع المفيد: «جوانب من حياة الشيخ ابن باز» الذي أملاه الشيخ محمد الموسى، وحرَّره الدكتور محمد الحمد:
(كان الشيخ ابن باز مدعوّاً لإلقاء محاضرة في مسجد الأمير عبدالرحمن بن عبدالله بحي أم الحمام بالرياض، وبعد إلقاء المحاضرة توجَّه الشيخ إلى منزل الأمير عبدالرحمن الذي دعاه إلى طعام العشاء.
وكان ضمن الحاضرين الشيخ حسن بن عبداللطيف المانع رحمه الله، وكان كفيفاً، حافظاً، ذا صوت ندي شجي.
فقال الأمير عبدالرحمن للشيخ ابن باز: يا شيخ عبدالعزيز، الشيخ حسن المانع، صوته جميل، ويحفظ قصائد مؤثِّرة، فلو أذِنتم له بإلقاء شيءٍ منها، فقال الشيخ ابن باز: لا بأس.
فألقى الشيخ حسن قصيدة أبي البقاء الرُّنْدي في رثاء الأندلس والتي مطلعها:
لكل شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ
فلا يُغَرّ بطيب العيش إنسانُ
فلما سمعها الشيخ ابن باز، تأثَّر وبكى، إذ إنَّها ذكَّرته بما مرَّ على الإسلام والمسلمين في الأندلس من المصائب، وذكَّرته كذلك بأحوال المسلمين المعاصرة في كثير من البلاد).
قلت: بكى الشيخ ابن باز كما ذكر صاحب الكتاب، وبكى الأمير بكاء شديداً كما ذكر لي أحد المشايخ الحاضرين.
رَحِمَ الله فقيدنا عبدالرحمن بن عبدالله، وأحسن عزاء أهله ومحبِّيه فيه، وجمعنا وإياه ووالدينا وأحبابنا في جنَّات النعيم.
والحَمْدُ للهِ ربِّ العَالَمين.
محمَّد بن سليمان بن عبدالله المهنَّا
يوم الثلاثاء السادس من شهر شوَّال ١٤٤٤هـ.

جاري تحميل الاقتراحات...