سامح عسكر
سامح عسكر

@sameh_asker

24 تغريدة 8 قراءة Apr 24, 2023
الجيش السوداني يعلن: استشهاد مساعد الملحق العسكري المصري في #السودان، والإعلام المصري ينفي..
وسواء كان الخبر صحيحا أم لا فهذا تطور خطير يستدعي النظر لمجمل العلاقات المصرية السودانية التي سوف تتأثر حتما، وفي هذا الشريط أسلط الضوء على تاريخ هذه العلاقات بالعصر الحديث..
يتبع
أولا: شعب مصر والسودان منذ آلاف السنين واحد خصوصا في الجنوب المصري النوبي وعلاقات المصاهرة والجيرة، حتى أن قبائل مشتركة منها مصريون وسودانيون أشهرها قبائل البجا وما تفرع منها من قبائل البشارية والعبايدة..وغيرهم، وبالطبع وضع كهذا يجعل من فكرة تقسيم الشعبين على أساس قومي غير واقعية
ثانيا: بدأت الأزمة بين الشعبين المصري والسوداني في أعقاب الثورة المهدية بالقرن التاسع عشر (1881- 1899م) والتي كان فيها السودانيون يحاربون جيوش (مصر وتركيا وبريطانيا) من وازع ديني، فالثورة بالأساس كانت دينية توسعية وهو ما أدى لتحالف هذه الجيوش ضدها حتى خمدت وانتهت بمقتل زعمائها..
ثالثا: كانت من نتائج الثورة المهدية أن ظهر تيار شعبي سوداني قوي يجمع بين (القومية الإسلامية والعربية) لأن المهدوية بالأساس قائمة على هاتين القوميتين بدعوى هاشمية وعروبة المهدي من جانب ولقيام دولة إسلامية من جانب آخر، وظل هذا التيار الشعبي يحكم السودان طيلة القرن 20 وإلى اليوم
رابعا: نشأ خلاف حدودي بين مصر والسودان في منطقة "حلايب وشلاتين" سنة 1899م بسبب تقسيم الاحتلال البريطاني حدود مصر لشمال خط عرض 22 والسودان جنوبه، وحلايب وفقا لهذا التقسيم من نصيب مصر لأنها شمال هذا الخط، لكن زعماء السودان لم يرضوا بهذا التقسيم لاحقا لأسباب مختلفة
خامسا: كانت وجهة نظر السودانيين في حلايب أن قبائلها سودانية من البجا، وهذا التقسيم الاستعماري مصدره بريطانيا عدوّة السودانيين التي قتلت زعماء الثورة المهدية، فمشكلة حلايب من هذا المنطق لها علاقة بأحداث وتوابع الثورة المهدية بالأساس ونظرة السودانيين لمصر على أنها حليفة للاستعمار
سادسا: بعد استقلال السودان سنة 1956 حكمها رئيس الوزراء "عبدالله خليل" زعيم حزب الأمة القومي، الذي حمل أفكارا (عروبية إسلامية) مختلطة هي التي كوّنت ثقافة السودانيين بعد الثورة المهدية، وبالطبع لم يتوافق عبدالله خليل مع عبدالناصر ونشب بينهما خلافا حول حلايب كاد يتطور لاشتباك عسكري
سابعا: عبدالناصر كان قوميا عروبيا لكن عبدالله خليل شأنه كشأن السودانيين ذو قومية عربية إسلامية، وهذا جعله يقف ندا لمصر بدعوى أن السودان سوف تضم حلايب لعمل انتخابات بعد الاستقلال، لكن "محمد علي محجوب" وزير خارجية السودان آنذاك نجح في نزع فتيل الأزمة وإقناع عبدالناصر بعدم الاشتباك
ثامنا: جاءت أحداث الوحدة بين مصر وسوريا ثم حرب اليمن ثم النكسة ثم حرب أكتوبر 1973 كعامل مساعد في تهدئة التوتر بين مصر والسودان، فحكام السودان وقتها وجدوا أن الصدام مع مصر سوف يجعلهم حلفاء للعدوّ الصهيوني، فصمتوا عن قضية حلايب إلى أن جاء خطاب السادات في الكنيست الإسرائيلي
تاسعا: خطاب السادات في الكنيست عام 1977 ثم اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 أدى لإشعال قضية حلايب مرة أخرى، فاندفع الجنرال "جعفر النميري" للمطالبة بحلايب سودانية، بدعوى اكتشاف آبار نفط فيها وهو ما ثبت زيفه لاحقا، وكالعادة هدد السادات النميري بضربة عسكرية إذا أقدم على دخول حلايب بجيشه
عاشرا: أدى اشتعال الحرب الأهلية السودانية عام 1983 بين الشمال والجنوب لغض النظر عن قضية حلايب مرة أخرى، وفي نفس العام أعلن جعفر نميري قوانين سبتمبر المعروفة "بإعلان تطبيق الشريعة الإسلامية" فانشغل السودانيون بأنفسهم حتى جاء الجنرال سوار الذهب عام 1985 ليعلن القضاء على نظام نميري
حادي عشر: كان نظام جعفر النميري في بداياته شيوعيا يساريا منذ عام 1969 حتى عام 1983 لكنه تحول للنظام الإسلامي بفعل الضغط الشعبي وزيادة نفوذ الإسلاميين الذين استفادوا من مقتل السادات والصلح مع إسرائيل في الترويج للشريعة كحل وإنقاذ من الاستعمار الصهيوني وحلفاءه في مصر حسب زعمهم
ثاني عشر: كانت لحقبة (جعفر النميري/ السادات) في مصر والسودان أُثرا سلبيا بالغا على العلاقات بين الشعبين، فنظام النميري كان (شيوعيا يساريا، ثم إسلاميا) لكن نظام السادات كان رأسماليا، فتوترت العلاقات عن طريق الدعايا والبروباجاندا السوداء بين الشعبين والتعصب للمعسكرين الشرقي والغربي
ثالث عشر: بعد الإطاحة بجعفر النميري حكم السودان "الصادق المهدي" منذ عام 1986 – 1989م وهو حفيد زعيم الثورة المهدية في القرن 19 فحمل أفكار جده الإسلامية القومية، وعن طريقه صعد الإسلاميون في السودان بسرعة الصاروخ مستفيدين من قوانين سبتمبر الإسلامية التي أعلنها جعفر النميري سنة 1983
رابع عشر: من هذا العرض يتبين أن الأزمة بين مصر والسودان أكبر من حصرها في حكومة وسياسات، بل تعود بجذورها للثورة المهدية في القرن 19 والتي رسمت معالم وثقافة الشعبين المصري والسوداني لحد كبير، فالمصري حمل أفكارا تحررية قومية غير دينية بينما السوداني حمل أفكارا قومية إسلامية
خامس عشر: كانت فترة الصادق المهدي في السودان متوترة ، فكادت أن تحدث اشتباكات بين مصر والسودان في حلايب مرة أخرى بعد تصريح أبو غزالة وتهديدات سودانية بقطع مياة النيل، ومرت هذه السنوات الثلاث للصادق المهدي عجافا على الشعبين حتى انقلب عمر البشير على المهدي، وأسس نظاما جديدا
سادس عشر: بعد انقلاب عمر البشير على الصادق المهدي سنة 1989 م هدأت الأوضاع قليلا، وكانت مصر أول دولة تعترف بنظام البشير، رغم أنه قائم على تحالف وثيق بين "الجيش والإخوان" ممثلا في عمر البشير وحسن الترابي، وظلت هذه العلاقة ودية لسنوات قليلة حتى جاء شهر ديسمبر عام 1992م
سابع عشر: كان شهر ديسمبر 1992 مؤثرا في العلاقة بين الشعبين، لأن عمر البشير رفع شكوى ضد مصر في مجلس الأمن بشأن قضية حلايب، وتحركت مصر عسكريا في الجنوب منعا لسيطرة البشير على مثلث حلايب بالقوة، وردت السودان بفتح بعض القنوات والترع الكبيرة لتصريف مياة النيل بغرض حرمان مصر منها
ثامن عشر: ثم جاء عام 1993 الذي يعد هو أسوأ أعوام تدهور العلاقات بين مصر والسودان، فقد حدث احتكاك عسكري بالفعل بين الجيشين في حلايب، وأغلق البَلَدان عدة قنصليات بشكل متبادل، ومنذ هذا التاريخ توترت العلاقة بين البشير ومبارك، ووصلت ذروتها لمحاولة اغتيال مبارك في أثيوبيا سنة 1995م
تاسع عشر: كنت شاهد عيان على هذه الأزمة في شبابي حيث رأيت في الإعلام والصحف مشاهد مخزية لطرد سودانيين من مصر والاعتداء عليهم في الشارع، كانت العلاقة بين الشعبين سيئة جدا وامتلأت الصحافة المصرية بالشتائم والتهديدات ضد السودانيين، وصلت في بعضها لعبارات عنصرية مخزية ضد البشرة السوداء
عشرون: ومما لا يعلمه البعض فالثقافة المصرية للأسف تنظر لشعوب الجنوب الأفارقة والسود (باستعلاء) بينما تنظر لشعوب الشمال والبيض (باحترام) فعندما يصدر أي رد فعل عنيف من الجنوب تكون ردة الفعل المصرية قاسية جدا وعنيفة لأن الجنوب تجرأ على أسياده مثلما نظن وهو ما نكافحه في الحقل الثقافي
حادي وعشرون: تم توجيه أصابع الاتهام لزعماء السودان مباشرة كمسئولين عن حادثة اغتيال مبارك سنة 1995، وحددت مصر أسماء حسن الترابي ومسئولين في المخابرات والخارجية وظلت مصر تضغط حتى جرى اعتقال حسن الترابي عام 2001 والذي أدى لعودة العلاقات المصرية السودانية تدريجيا
ثاني وعشرون: بعد اعتقال الترابي خفّت قضية حلايب ولم تشتعل مرة أخرى سوى بعد سقوط مبارك عام 2011 ثم سقوط البشير عام 2019 فالزعماء على ما يبدو ينتهزون أي حدث قومي مرتبط بالعاطفة الثورية لكسب جموع شعبهم، وعلى هذا المنوال يجري توظيف الخلافات الحدودية لتحقيق مكاسب سياسية داخلية
ثالث وعشرون وأخير: جاءني منذ قليل تأكيد الخبر مع تصحيح بسيط، وهو استشهاد نائب الملحق الإداري بالسفارة المصرية في الخرطوم وهو منصب سياسي رفيع أيضا واغتياله حدث جلل ومفصلي يؤثر على علاقة الدولتين ببعضهما، وختاما أرجو لكلا الشعبين الشقيقين المصري والسوداني أن تمر هذه العاصفة على خير

جاري تحميل الاقتراحات...