صالح بن عيسىٰ العَبْرِي
صالح بن عيسىٰ العَبْرِي

@Saleh_Abri_OMN

29 تغريدة 45 قراءة Apr 23, 2023
الإجازات والمناسبات هدر اقتصادي!
(بنية الإستثمار(٢)
[اقرأ للآخر ثم علِّق إن شئت]
١
قبل عدّة سنوات طالعتنا إحدى الصحف الرسمية بعمود لأحد كتابها بعنوان "إجازة المناسبات الدينية والوطنية"
#عيد_الفطر_المبارك1444هـ
٢
ومما قال: "الإحتفال بالمناسبات الدينية والوطنية لا يكون بتعطيل المصالح والأعمال، ومنح الإجازات للعاملين في قطاعات الدولة، فلا الدين يحث على ذلك ولا العقيدة..ولا حب الأوطان"
وأضاف "فلم نر المساجد تعج [بالاحتفاء] وإنما يزداد النوم والتيميم إلى وجهات خارجية
٣
لم أكن حينها أوافق على ما ذهب إليه، وأذكر أن [المقال] واجه سيلًا لا متناهيًا من الإستنكار، وأصبح [ترند] على تويتر، ولم يحاول أحدنا أن يرى من زاوية رؤية الصحيفة، فربما كان [المطل] الذي ترى منه يظهر ما ذَهَبتَ إليه
٤
كان الناس يرون من زاوية [الحسد] الذي تلبس الصحيفة لتنشر هكذا رأي، ويرون أن الإجازة حق لهم لممارسة [طقوس] الأعياد والمناسبات الإسلامية والوطنية، ومن زاوية أخرى حرية قضاء أجازاتهم كيفما شاءوا
٥
سواء كانت مشيئتهم النوم أو "التيميم" إلى وجهات خارجية، أو الألفة الإجتماعية والزيارات المتبادلة. وليس من حق كاءِنًا من كان أن يمنع الناس ممارسة ما أرادوا في إجازاتهم، فالمرء حر، فيما يأت ويذر، ما لم يضر، وهو ليس عبدًا مملوكًا ليس له من الحياة إلا العمل
٦
كان الكاتب [ظاهريا] يناقش الأمر من زاوية "تعطيل المصالح" و "الكلفة الإقتصادية" لهكذا إجازات طوال السنة وذكر "الأعياد" و"الإسراءوالمعراج" و"المولدالنبوي" و"رأس السنة الهجرية" مما استفز الناس واعتبروه تضيقًا عليهم في ممارسة حريتهم الدينية والوطنية.
٧
الإنسان يعمل ليعيش، لا يعيش ليعمل، وغيرها من المنطلقات المنطقية. شخصيًا لم أتفق حينها مع "رأي الصحيفة" وعدم اتفاقي كان من نفس زاوية الرأي في المقال، فالرأي انطلق من زاوية "تعطيل المصالح"، و"الكلفة الإقتصادية"، وكنتُ لا أرى أن هنالك تعطيلا أصلا، ولا "كلفة اقتصادية" للإجازات
٨
المنطلق الأول"تعطيل المصالح"هنالك البيروقراطية التي تعتبر من أكبر المعطلات للمصالح في الدول النامية. "وخلصت دراسة أجراها اتحاد تنمية الموارد البشرية في مصر إلى أن معدل إنتاجية الموظف الحكومي العربي تتراوح بين (18-25) دقيقة يوميًا، ما يعني أن الإنتاجية لا تتعدى ٥٪ في أفضل الظروف
٩
من ناحية "الكلفة الإقتصادية" لا كلفة فعلية على اقتصاد يعتمد على بيع الأصول بيع النفط لا يتأثر بالإجازات، الإنتاج مستمر طوال العام، أما اغلاق المصانع والمصالح التجارية فلا تأثر، في ظل ايقاع بطيء. واقتصاد لا يتجاوز ناتجه المحلي الإجمالي 0.348٪ من الناتج العالمي
١٠
الإجازات توفر على الإقتصاد والبيئة والبنية التحتية الكثير، لن تحتاج إلى مصاريف تشغيلية للمقرات، ولن تزدحم الطرقات بآلاف السيارات وتتلف الشوارع، ولن يلوث عادمها البيئة، أضف إلى ذلك الكثير من الوفورات المالية التشغيلية، كانت تصرف في يوم عمل لا ينتج فيه الموظف سوى ٥٪ من انتاجيته
١١
هنا أنا لا أحلل سبب عدم انتاجية الموظف، فليس ذلك ما يتناوله المقال. فمثل هذه النتيجة لها أسباب كثيرة، لا يمكن الجزم بها إلا بعد دراسة الوضع بواقعية وحيادية، ربما الموظف بذاته ضحية لإطار العمل، وليس جاني عليه
١٢
هنالك متغيرات كثيرة تؤدي إلى عدم إنتاجية الموظف، منها إيقاع العمل، وبيئة العمل، والموارد المتاحة، والتأهيل والتدريب، والمستوى المعرفي العام، والأنظمة، واللوائح، وآلية اتخاذ القرار، والبيروقراطية وغيرها الكثير. مما يحتاج إلى دراسات لتحديد السبب والمسبب
١٣
أراني اليوم أتفق مع الكاتب ولا أخالفه، أتفق معه في الإطار العام، أن الإجازات هدر اقتصادي، لكني أرى الهدر الإقتصادي الحاصل من الإجازات الرسمية ليس بسبب "تعطل المصالح" ولا "الكلفة الإقتصادية"، وارجو أخي القارئ أن تكمل القراءة لأشرح زاوية رؤيتي
١٤
تنتظر الشركات في بريطانيا إجازة أعياد الميلاد، التي تمتد لأيام عدة، مقسمة بين ديسمبر ويناير من كل عام، في هذه الإجازة تستعد المصانع لإنتاج أكبر قدر من السلع خلال العام، ليتم بيعها على المستهلكين خلال الإجازة. من منا لم يسمع عن (black Friday) هي إحدى أدوات تحفيز السوق
١٥
ينتظر المستهلكون -ليس في بريطانيا أو أمريكا فقط- تلك الجمعة، ليشتروا بضاعة المصانع. التي لا يحتاجون إليها ولكن تغريهم العروض لاقتنائها، يدَّخر البريطانيون والأوربيون كحد سواء شقا عمرهم خلال العام، لينفقوه ببذخ استهلاكي مشهود أيام الإجازات
١٦
في الصين لديهم عدة إجازات خلال العام، أهمها إجازة الربيع في رأس السنة الصينية، والتي تكون لمدة (١~٣اسبوع). في العام الماضي انفق الصينيون في هذه الإجازة ٩٢٦ مليار دولار، فانتعش السوق المحلي بشكل قياسي!
١٧
يراقب الإقتصاديون روابط الإقتصاد، ودوران النقد في شرايين الإقتصاد، للتنبؤ بالاختناقات التي قد تحصل فتوقف عجلة الإقتصاد عن الدوران، حينها يحدث الركود، ومما يُراقَب حجم الودائع في البنوك
١٨
الودائع مهمة جدا للبنوك، فقطاع البنوك ينتعش بانتعاش الودائع، فهي اكسجينه الذي لا يستغني عنه، وبدونه تفلس البنوك. إذا أردت لأي بنك في العالم أن يفلس، عليك فقط أن تنشر الذعر بين المودعين ليسحبوا أموالهم بشكل جماعي فيفلس البنك في ذات اليوم
١٩
لكن في المقابل، تلك الملايين المجمدة في البنوك إن زادت عن حد "ما" حدث العكس للإقتصاد! فالإقتصاد المحلي بحاجة إلى جريان النقد في شرايينه لينتعش، لا توقفه في الحسابات البنكية، توقفه في الحسابات البنكية هو دليل ركود، وكلما كان جريانه أسرع، كان انتعاش الإقتصاد أكثر.
٢٠
النقد عندما يجري يولد نقد، ويخلق وظائف، وعندما يتوقف تتوقف كل الحياة معه
خلال أزمة كورونا وما بعدها أفلست آلاف الشركات، والسبب بطئ عجلة الإقتصاد، بسبب توقف الحياة العامة! عندما يحدث تباطئ اقتصادي تعاني الكثير من القطاعات بسبب الركود، لعدم دوران عجلة الإقتصاد بشكل صحيح وكافي
٢١
إن كانت الإجازات بتلك القوة لتحفيز الإقتصاد، عبر كرنفالات الإنفاق، التي تجعل عجلة الإقتصاد تدور بوتيرة أسرع، فلماذا هي هدر اقتصادي؟!
٢٢
رغم الجفاف ينزل المطر ويهدر في الصحاري والبحار، ويكون جريانها مدمرا، وخلال أيام قليلة تجف، وتعود الأرض عطشى، ولكن عندما تبنى السدود للإحتفاظ بأكبر قدر منها، لاستخدامها في التغذية الجوفية يحدث الخصب، حتى إن تباعدت أوقات نزول المطر، يكون هنالك ما يكفي من الماء المحتجز في السدود!
٢٣
السدود هي إحدى البنى التحتية التي يحتاجها قطاع المياه، للمحافظة على المخزون، والتحكم بالمياه عبر التقنيات الهيدروليجية المتطورة. فالسدود بتحكمها بحركة المياه، تعمل على وجهين، وجه حامي، ووجه منتج، فهي تحمي البنى التحتية، والمدن، والإقتصاد من الخسارة بسبب نزول الأمطار،
٢٤
في ذات الوقت هي تنتج طرق هيدروليجية للمحافظة على الماء والاستفادة منه. فبدلا من أن نحذر من نزول الأمطار، ونخاف من زيادة منسوبها نصبح نتمنى زيادة منسوبها لتمتلئ السدود فنستفيد منها، سواء لتغذية المياه الجوفية أو السطحية أو حتى لإنتاج الكهرباء..
٢٥
الإجازات هي كالأمطار إن لم يكن لدينا بنية تحتية لاستغلالها اقتصاديا، لتكون محفز محلي للإقتصاد تدر المليارات، وتدعم الناتج المحلي الإجمالي، فإننا نخاف من زيادتها لأنها هدر اقتصادي من زاوية "ما فاتنا من كسب منها" لعدم وجود البنية التحتية لاستغلالها. وليس من زاوية "تعطيل المصالح"
٢٦
مضى سبعون عامًا منذ آخر تحديث للبنية التحتية لقطاع المناسبات والاحتفالات والكرنفالات الاستهلاكية وسياحة المناسبات، ومنذ ذلك الزمن لم يتم تحديث تلك البنى إلا من قبيل التحديث الطارئ الذي لا يدر دخلا، ولا ينفع اقتصادا، ولا يخلق وظيفة! إلا ما ندر!
٢٧
ما نراه من محاولات فردية-مشكورة- لمحاولة تقليل الهدر الإقتصادي في الإجازات كإقامة المهرجانات، هو مثل السدود الرملية التي يحاول أصحاب الأفلاج الغيلية بناءها بشكل منفرد، للمحافظة على جريان الفلج الغيلي لأطول فترة زمنية ممكنة بعد انقطاع المطر، والتي لا تلبث أن تسقط مع أول جريان!
٢٨
هنا أنا لا أطالب -مطلقًا- بتقليل عدد أيام الإجازات بل بزيادتها، وتغيير زاوية الرؤية من "تعطيل المصالح" إلى زاوية رؤيتها كمورد اقتصادي مستدام. مع إنشاء البنية التحتية، والفوقية، اللازمة
٢٩
لاستغلالها الإستغلال الأمثل لتكون أحد المحفزات الإقتصادية، والممكنات الديناميكية، لإقتصاد محلي مرن ومستدام، مولد للوظائف، وداعم للرفاه.
وربما سأكمل في المقال القادم من حيث توقف هذا المقال!
٣٠رمضان ١٤٤٤هـ
٢١أبريل ٢٠٢٣م
#صالح_العبري

جاري تحميل الاقتراحات...