عندما استلم السلطة دنغ لم يكن يؤمن ان الصين يجب ان تكون معزولة لتحافظ على هويتها بل الانفتاح للعالم قد يعزز من الهوية الصينية ويجعلها تنتشر. لذلك اسّس لما يسمى بالاصلاح والانفتاح (Reform and Opening-up), فالاصلاح يشير الى الاصلاح الاقتصادي بالدرجة الاولى والانفتاح بالثقافي.
عبّر كثير من المحافظين عن تخوفهم من ان الانفتاح للعالم قد يساهم في تعزيز الرأسمالية ولكن عدد من المسؤولين الكبار في الدولة وضحوا ان "الانفتاح للعالم ما هو الا اداة لجذب رأس المال الاجنبي والتقنية المتقدمة وليس لتغيير هوية الصين الشيوعية".
ولكن تطوير هذه المجالات الاربع في حينها كان امراً صعباً بسبب تخلف الصين المعرفي مقارنةً مع الغرب المتقدم. هنا اتت فكرة المناطق الاقتصادية الخاصة كأداة لجذب العقول والتكنولوجيا والاستثمارات الغربية لداخل الصين. كانت هذه المناطق فرصة لأن يتلاقى الفكر الشيوعي الصيني مع الرأسمالية.
قبل التعمق في الحالة الصينية, ما هي "المناطق الاقتصادية الخاصة"؟ هي مناطق جغرافية محددة داخل نطاق الدولة تخضغ لقوانين مختلفة عن باقي المدن. تهدف قوانينها لتسهيل جذب المال الاجنبي وعادةً ما يكون هدفها رفع الانتاج الصناعي, زيادة النمو الاقتصادي, وتعزيز التنافسية بين المدن.
الصينيون لم يكونوا اول من استخدم فكرة "المناطق الاقتصادية الخاصة" بل سبقتهم بها سنغافورة وهونج كونج. راجع الصينيون نموذج التطوير لهؤلاء وخرجوا بنموذجهم الخاص. كانت الممارسة العالمية تقوم على ان هذه المناطق هي لصناعة المواد الخام تستخدمها الدولة الغنية لتقليل التكلفة
كميزة تنافسية, الصينيون اسسوا مناطقهم الاقتصادية الخاصة لاستهداف ليس الصناعات الخام فحسب بل كل شيء. فلو ارادت فرنسا فتح مصنع خاص بالحلويات فهي مرحب بها, لو ارادت سنغافورة فتح فندق لرعاياها فالامر مقبول. تحديد النشاط كان مرناُ بشكل كبير ولا يقتصر على نشاط بذاته.
مكانياً جميع المناطق الاربعة تقع على الساحل وهذا ما يعطيها ميزة في الوصولية, ايضاً هي قريبة من هونج كونج وتايوان وهذا الامر سيساعد في تعزيز الدمج السياسي لهاتين المنطقتين. اي ان اختيار المناطق لم يكن فقط للوصول الى اهداف اقتصادية فقط بل روعي كذلك اهداف اجتماعية وسياسية.
من ناحية الحوكمة, تم انشاء هيئات خاصة لادارة التخاطب مع الشركات الاجنبية وتحفيزها على المشاركة عن طريق الاعفاءات الضريبية (هيئات جذب). قامت الحكومة المركزية باعفاء هذه المدن من الضرائب لمدة 10 سنوات, واعطت ادارة المدينة مستوى عالي في الحوكمة يؤهلها الى مستوى الاقليم في السلطة.
بمعنى انه اصبح لكل منطقة اقتصادية خاصة القدرة على ان تكتب تشريعاتها التنظيمية وبرقابة بسيطة من الحكومة المركزية على عكس المدن الصينية الاخرى التي تحتاج لموافقة المركز. هذا الامر ساعد كثيراً في ان تكون لكل منطقة ميزاتها التنافسية الخاصة بها وساعد على التنافس الاقليمي بينها.
تم انشاء حوكمة المشاركة بثلاث اشكال:
1- شركات اجنبية تعمل بشكل ذاتي دون تدخل
2- شركات مهجنة (مستثمرين اجانب ومحليين)
3- شركات انتاج تعاوني (التقنية والمال من المستثمر الاجنبي والارض والعمال من المستثمر المحلي)
هذه المناطق الاربع محاطة ببحر من العمالة الرخيصة من الريف الصيني
1- شركات اجنبية تعمل بشكل ذاتي دون تدخل
2- شركات مهجنة (مستثمرين اجانب ومحليين)
3- شركات انتاج تعاوني (التقنية والمال من المستثمر الاجنبي والارض والعمال من المستثمر المحلي)
هذه المناطق الاربع محاطة ببحر من العمالة الرخيصة من الريف الصيني
في البداية كانت الشركات الاجنبية حذرة في القدوم الى المناطق الاقتصادية الخاصة الصينية, ولكن هيئات الجذب تميزت في التغلب على هذا التردد عن طريق توفير رزمة من الحوافز الاقتصادية والتي كانت تتغير في كل سنة لتقديم مزيد من الاغراءات الضريبية والبيئة المناسبة.
في 2000م, ايضا الصينيون دشنوا الجيل الثالث من المناطق الاقتصادية الخاصة وهذه المرة بفكرة مختلفة عن باقي الاجيال. في هذا الجيل كل منطقة تخدم نشاط معين بذاته تحتاج الصين تطويره, فمثلا منطقة شنجدو للتنمية الريفية-الحضرية, منطقة كوشقار للتنمية الشاملة, ويوهان للتنمية البيئية.
هل نجحت التجربة الصينية؟ نعم. حسب بحث تم في عام 2015م, وجد الباحثون ان المناطق الاقتصادية الصينية ساهمت في 22% من اجمالي الناتج القومي, وجذبت ما نسبته 46% من اجمالي الاستثمار الاجنبي وكان نصيبها من الصادرات الوطنية 60% وقامت بتوظيف اكثر من 30 مليون نسمة.
نجاح التجربة الصينية في المناطق الاقتصادية الخاصة جعل دولاً كثيرة تستنسخ تجربتها. فعلى سبيل المثال, في عام 2014 بعثت الهند فريق من الباحثين في مهمة "البحث عن الحقائق" للصين لتقويم التجربة وحالياً يقومون على تطوير مناطقهم بذات الالية. اثيوبيا كذلك اعطت مهمة تطوير مدنها لفريق صيني
هذا النجاح له اسباب متعددة سياقية لكن من ناحية التخطيط العمراني, تم تقليص الجهات الحكومية داخل هذه المناطق الى جهتين سميت بـ"الشركات". الشركة الاولى مسؤوليتها جذب المستثمرين الاجانب اما الشركة الثانية فهي ذات مسؤولية تخطيطية للتنظيم العمراني.
سبب اختيار الصين لمسمى شركات بدلاً من هيئة او بلدية هو لارسال رسالة للمستثمرين الاجانب ان هذه المناطق هي مناطق ذات توجه اقتصادي بعيد عن الحكومة المركزية ومحكومة بقوانين السوق العالمي بالدرجة الاولى والتدخل الصيني الايدلوجي الشيوعي سيكون محدودأ.
ايضاً احد اسباب النجاح يتعلق بالبنية التحتية. الحكومة المركزية عند الاعلان عن هذه المناطق خصصت ميزانيات ضخمة لانشاء البنية التحتية قبل قدوم المستثمرين من طرق وجامعات ومدارس ومستشفيات وصرف صحي وغيرها. تم تعويض قيمتها عن طريق مساهمة المستثمرين في تعزيز الصادرات الوطنية بغضون 8 سنين
تحولت الصين في الفترة الاخيرة الى "تصدير" تجربتها الناجحة في المناطق الاقتصادية الخاصة لدول افريقية عدة وهذا الامر جعلها تنال تأثير سياسي بارز هناك. ايضاً الصين تطور هذه المناطق في ميانمار. دول عدة بدأت في زيادة اعداد هذه المناطق بعد نجاح التجربة الصينية مثل اندونيسيا وروسيا.
ولعلنا نستدرك مرة اخرى رؤية القائد الصيني دنغ شياوبنغ الذي كان محقاً في اصلاحاته الاقتصادية في السبيعينات الميلادية بالانفتاح للعالم الخارجي للحفاظ على الهوية الصينية وتعزيزها. وهذا ما حدث بالفعل, حيث اصبحت الصين تصدر تجربتها للعالم وتؤثر في التنمية العالمية.
جاري تحميل الاقتراحات...