لنبدأ بطريقة السيدة فيروز، وهي في الحقيقة بريئة منها براءة الذئب من دم يوسف، لولا أني فتّشت في ذاكرتي فكان أقرب شاهد على ما أقصد أغنيتها: «شايف البحر شو كبير؟ كبر البحر بحبك»، وإني أقولها ناصحًا، مستذكرًا حقّ المسلم على المسلم: إياك أن تجيب عند امتحانك بمثل هذا الجواب.
صحيح، البحر كبير وزرقته آسرة، والموج جبال والفضاء أقيانوس، لكن صدقني، بمجرد فراغك من الإجابة سيتبخر البحر أسرع من قطرة عرق في يوم قائظ، وستمنحك الحبيبة ظهرها، وتدير عينيها، مشككة يائسة، فالعبرة ليست في دقة الصورة، ولا في جمالها، ولا سعتها، إنما في الجهد المبذول في صنعها.
هذا يقودنا إلى الطريقة الثانية، طريقة امرئ القيس وعبدالله بن سبيّل، وحسبك بالملك الضِلّيل ناصحًا وخبيرًا؛ عندما أراد أن يصف موضع القلادة من نحر حبيبته -ولنفرض أنها سألته أن يفعل- لم يقل إنه متوهج كالجمر ويسكت، إنما مثّل لها شخصًا انقطع طريقه ليلًا، فشرع يبحث عمّا يتدفأ به.
ثم ينتهي ذلك الشخص إلى أثلة ذات أغصان، فيحتطب منها، ويوقد النار في فروعها، ويجعل حولها أصولًا من الحطب كبارًا، تمدّها كلما أكلت النار نفسها، وتصطخب الرياح حوله فتزيد من عرامة النيران، ويمرّ ركبٌ مسافرون يبصرون النار فيشتهون دفأها، وينزلون على صاحبنا يحدّثونه ويسامرونه.
لن تحتاج قلب فتاة كي تدرك أنّ الجواب الثاني أبرع وأجدى، فالعبرة تكمن -كما اتفقنا- في الجهد المبذول وليس الدقة؛ حكمة أدركها أجدادنا القديمون وتوارثوها كابرًا عن كابر، وهو ما تحقق حين سار على نفس الطريقة شاعر شعبي بكى امرؤ القيس في دياره قبل أكثر من ألف سنة.
شاعرنا هو عبدالله بن سبيّل، والديار التي ينحدر منها وردت في قول الملك الكندي: غشيتُ ديار الحيّ بالبَكراتِ * فعارمةٍ فبرقة العِيراتِ * فغولٍ فحلّيتٍ فنَفْءٍ فمنعجٍ * إلى عاقلٍ فالجُبِّ ذي الأَمَراتِ؛ ولعلّ هذه الرابطة الجغرافية، ثم الروحية، جعلت شاعرنا جديرًا بتركة الملك الضِلّيل.
كنت سأضع الأبيات الشواهد كما وردت في ديوان ابن سبيّل، لولا أنّ بيننا إخوانًا عربًا من بلدان شقيقة، يهمني أن يقرأوا ويفهموا، ولعلمي أنهم خائبون في الحب أيضًا، مثلنا تمامًا، لذا سأوردها مشروحة، ومن طمح إلى الأصل رجع إلى الديوان. لكن قل لي: كيف ستصف جذبة قلبك حين ترى من تهواه فجأة؟
إن كنت عييًا فقير الخيال ستقول: كادت نياطه تُقطع وتسكت، أما لو تتلمذت على ابن سبيّل فستجيب: قلبي ينجذب حين يراها جذبة ذود من الإبل، أغارت عليه جماعة من اللصوص الشديدين الأقوياء، فهجموا على الأخطمة، وساقوا الإبل أمامهم، راكبين نياقًا قوية لم تلقح بعد، وهذا أرجى لنجاتهم عند الطلب.
ثم ما إن يفيء المنهوبون إلى أنفسهم، حتى يلوذوا بشيخهم يسألونه كيف يصنعون، فيأمر بقدر كبيرة تُربط بين بعيرين، وبإيقاد النار فيها وإذاكائها بالحطب، لعلّهم يقصّون على ضوئها آثار المغيرين، ثم حين يكاد الليل يلفظ أنفاسه، يلتفت اللصوص فيرون وراءهم خيالات فرسان يلحّون في اللحاق والطلب.
آهٍ لو رأيت ماذا لحق باللصوص من التشتيت والفزع حين ظنوا أنهم مُدركون! كانوا أشبه بسرب نعام تهرب كل واحدة منه كيفما اتفق، وكذلك الإبل، صارت تركض في كل اتجاه كأنّ أخفافها تُرجم بحجارة! وهكذا يا صاحبي، ستفرغ من حكايتك، ليرجع الأهالي بالنياق، بينما ترجع أنت بقلب فتاتك.
تظنني أعبث بك؟ أنا أتحدث عن تجربة. سألتني زوجتي قبل أيام -وهي ترجل شعرها-إن كنت أدرك النعمة التي وهبني الرحمن، فقلت مستعينًا بالله، مستذكِّرًا طريقة امرئ القيس وابن سبيّل، إنّ جمالها يشبه وهو ينعكس على المرآة قمرًا طلع كاملًا منتصف الشهر، فأُخِذ الناس بجماله، وانتدبوا إلى رسمه.
وكانوا كلما فرغ أحدهم من الرسم مزّق صحيفته وأقرّ بالعجز، إلى أن جاءهم شيخٌ يتهادى كُفَّ بصره، معه صحيفة وأقلام، شرع يتطلع إلى أعلى ويرسم، وحين سألوه كيف يمثّل مالا يراه قال إنه يحس بنوره الفضي مربتًا فوق وجهه، ثم حين فرغ وقف الناس مصعوقين. كان كأنه انتزع البدر ووضعه في صحيفته!
احتفى الناس بالرسمة، حفظوها في متحفهم الوطني، وضعوا عليها حراسة، خصصوا أوقاتا ورسوم دخول لكل لوحة سواها، كانت أشرف من أن تُعاين أو تُمتهن. إلى أن اقتحم لصٌ ذات ليلة، فرآها وتمناها لنفسه. ذهب بها إلى مسكنه، شرع يتأملها ويناجيها، ترك حياته الشقيّة وانصرف عن السرقة تحت تأثيرها.
هنا توقف المشط في يد زوجتي، وحتى أنا تلعثمت، لم أكن أتصور نجاحًا مثل هذا، لكنّ الشيطان غمزني كي أفسد ما أحسنت بدءه، ولطالما فعل، فقلت مستدركًا: إلى أن أفاق القمر ذات ليلة، ورأى اللص يناجيه، ورأى مسكنهما الحقير، فطفق يولول. ضحكت زوجتي وقالت: هذا أشبه بك. حمدًا لله، كدت لا أعرفك.
وهكذا يا صاحبي، حين تُمتحن في المرّة القادمة وتُسأل عن الحب، جرّب الطريقة الثانية بدلًا من الأولى وعليَّ غُرمُك. هي واحدة من اثنتين: إما أن تزدادَ حبًا في قلب حبيبتك، أو تودَعَ مصحة مجانين، وفي كلتا الحالين لقد تغيّرت حياتك كما ضمنت لك في التغريدة الأولى.
جاري تحميل الاقتراحات...