السبيعنات كانت عقد شهد تحولات اقتصادية كبرى. هذا العقد شهد معدلات عالية من التضخم والبطالة.. الأفكار القائمة حينها على المدرسة الكينزية والتي شجعت على تدخل الحكومة في تنظيم النشاط الاقتصادي ثبت عجزها عن تقديم حلول تنقذ الاقتصادي من الانكماش وارتفاع الأسعار.
في هذه الظروف عادت المدرسة الكلاسيكية إلى الظهور بلباس جديد من خلال جملة من الأطروحات التي قدمها أعضاء مدرسة شيكاغو للاقتصاد وتبنّاها بشغف رونالد ريغان في صياغة رؤيته لأمريكا، تبنتها أيضا ثاتشر في بريطانيا.
أهم هذه الأطروحات: ١) تدخلات الحكومة يجب أن تنحصر على ضمان عدالة المنافسة في السوق وضبط التضخم عبر سياسات البنك المركزي، ٢) الأسواق المالية لديها القدرة على توزيع الموارد بشكل يتميّز بالكفاءة ويعكس كافة المعلومات المتاحة، ٣) الأشخاص والشركات يتصرفون بشكل عقلاني يعبر عن مصالحهم.
ملخص هذا الفكر من ناحية استثمارية أن سعر السهم يجب أن يكون المعيار الأساسي الذي تبنى عليه سياسات الشركة.. في السابق سعر السهم كان أمر ثانوي. الشركات اهتمت أكثر بمصلحة الموظفين، وخدمة العملاء، والعلاقات مع أصحاب المصالح الأخرى.
مدرسة شيكاغو قلبت المعادلة.. أداء الشركة في السوق هو المعيار الأول لمعرفة قيمتها.. اهتمامها بمصالح الموظفين والعملاء.. إلخ مجرد أدوات للوصول إلى الغاية الأسمى: زيادة ثروة المستثمر وصاحب رأس المال.
مايكل جينسن كان أحد خريج شيكاغو.. وفي الورقة التي نشرها طبق الأفكار الشيكاغوية على مسألة عويصة شغلت الباحثين والممارسين لعقود: كيف نضمن أن يتصرف الفريق التنفيذي بشكل يضمن ويعزز مصالح صاحب رأس المال؟
هذه المسألة تعرف بمشكلة الوكالة.. تم طرحها لأول مرة في عام ١٩٣٢
هذه المسألة تعرف بمشكلة الوكالة.. تم طرحها لأول مرة في عام ١٩٣٢
أطروحة جينسن كانت كالتالي: التنفيذي العاقل قد لا يكون من مصلحته الشخصية الاهتمام بمصلحة صاحب رأس المال.. لأن هذا التصرف يتطلب الإقدام على المخاطرة.
المخاطرة إن نجحت قد لا تغير كثيراً في ثروة الإداري وإذا فشلت قد تؤدي إلى فقدانه لوظيفته وسمعته.
المخاطرة إن نجحت قد لا تغير كثيراً في ثروة الإداري وإذا فشلت قد تؤدي إلى فقدانه لوظيفته وسمعته.
آنذاك رواتب التنفيذيين كانت غالباً ثابتة وبزيادة سنوية.. ارتفاع سعر السهم لم يغير كثيراً في دخل الطاقم الإداري. لذا اقتراح جينسن كان: إذا السهم أفضل مؤشر يعبر عن قيمة الشركة، فإن محفزات التنفيذيين يجب أن ترتبط بشكل كبير بحركة السهم!
الفكرة تبدو بديهية الآن.. ولكن حينها كانت فكرة مثيرة للجدل لأن الإيمان السائد وقتها أن قيمة الشركة تتمثل في جودة منتجاتها، ومعقولية أسعارها، وسمعتها عند الموظفين... وليس في قيمتها السوقية.
أطروحة جينسن صادفت (أو ساعدت في) انطلاقة حركة المستثمرين النشطاء في الثمانينات.. هؤلاء المستثمرين بدأوا بالمطالبة بإصلاح حوكمة الشركات وإجبار مجالس الإدارة والتنفيذيين على أخذ مصلحة المستثمر بعين الاعتبار، الشركات التي عارضت وجدت نفسها عرضة للاستحواذ.
في هذا الوقت أيضاً أصبحت أفكار شيكاغو سائدة في مناهج كليات الأعمال والاقتصاد.. أعضاء هذه المدرسة فازوا بـ ١٤ جائزة نوبل في الاقتصاد (أكثر من أي مدرسة أخرى).. جينسن انتقل إلى هارفاد في عام ١٩٨٤.
أفكارهم أيضاً تسربت إلى المجال القضائي وبدأت تظهر في التشريعات والأحكام
أفكارهم أيضاً تسربت إلى المجال القضائي وبدأت تظهر في التشريعات والأحكام
أهم عامل ساعد في انتشار هذه النوع من المكافآت كان قانون مرره الكونغرس الأمريكي في ١٩٩٣.. هذا القانون فرض حد أقصى على حجم الرواتب التي يمكن للشركات خصمها من التكاليف الضريبية ولكن لم يطبق هذا الحدّ على المكافآت المرتبطة بالأداء كخيارات الأسهم.
مباشرة زاد الإقبال على استخدام المكافأة المرتبطة بالأداء.. وبسبب إقبال الشركات على سياسات هدفها الأساسي رفع سعر السهم، بدأ التنفيذيون في الحصول على مبالغ فلكية.
لكن هل حسنت هذه المكافآت من أداء الشركة وثروة المستثمر؟ الإجابة غير مشجعة..
لكن هل حسنت هذه المكافآت من أداء الشركة وثروة المستثمر؟ الإجابة غير مشجعة..
كثير من الدراسات تجد علاقة ضعيفة بين المكافآت المرتبطة بسعر السهم وأداء الشركة.. من ضمن الأسباب ١) خيارات الأسهم تكافئ التنفيذي على ارتفاع السهم ولكن لا تعاقبه على الانخفاض (تحتاج كورس مالية لفهم هذه النقطة)، ٢) التنفيذيون استهدفوا ممارسات ترفع السهم في المدى القصير فقط.
٣) كثير من التنفيذيين استغل سيطرته على مجالس الإدارة للحصول على مكافآت عالية بغض النظر عن الأداء وتحت تبريرات مختلفة (٥٠٪ من مجالس الإدارة الأمريكية يرأسها الرئيس التنفيذي للشركة).
فكرة جينسن الأصلية كانت تطالب بوجود ارتباط وثيق بين الأداء والمكافأة، ولكن تم تحويرها ليصبح المنصب التنفيذي وسيلة للثراء ولو على حساب المستثمر.
وارن بافيت يعدّ من أشهر المعارضين لهذه الممارسات.. حتى جينسن نفسه لا يرى بأن الممارسات تتفق مع نظريته nytimes.com
وارن بافيت يعدّ من أشهر المعارضين لهذه الممارسات.. حتى جينسن نفسه لا يرى بأن الممارسات تتفق مع نظريته nytimes.com
كثيرون في مجال الحوكمة يرون أن أفكار جينسن كان لها أثر سلبي، ورغم شهرة نظريته يندر أن تجد اليوم من يتبناها دون تشكيك في صحتها.
النهاية.
النهاية.
جاري تحميل الاقتراحات...