صديق يسأل: هل المذاهب الإسلامية الآن ضرورة؟ وهل لا يمكن معرفة الدين إلا من خلال العلماء والفقهاء؟
قلت: سوف يكون جوابي في هذا الثريد بنقاط متصلة، وأقول أن العمل بالمذاهب ظل حتى أوائل القرن 19م حتى خرج تيارا فكريا إسلاميا يطالب (باللامذهبية) واعتماد أصل القرآن والسنة مباشرة
يتبع
قلت: سوف يكون جوابي في هذا الثريد بنقاط متصلة، وأقول أن العمل بالمذاهب ظل حتى أوائل القرن 19م حتى خرج تيارا فكريا إسلاميا يطالب (باللامذهبية) واعتماد أصل القرآن والسنة مباشرة
يتبع
1- كانت الحملة الفرنسية على مصر والشام 1798- 1801م لها أثرا كبيرا في تغيير وجهة نظر رجال الدين لمذاهبهم القديمة، إضافة للاستعمار بالقرن 19 م ، فالفارق الرهيب (بالقوة والعلم والسلوك والحضارة) التي عُرفت عن الأوروبيين أوجد شكّا كبيرا وصدمة معرفية نتج عنها خفض حماس الشيوخ للمذاهب..
2- منذ القرن 19 م ظهرت حركة إسلامية جديدة تطالب بالاعتماد على القرآن والسنة مباشرة، دون التقيد بفتاوى علماء المذاهب القديمة، فلم يعد الدليل حينها (قال مالك والشافعي) بل (قال الله وقال الرسول) نظرا لأن أقوال المذاهب في المالكية والشافعية لم تخدم المسلمين جيدا ضد المستعمِرين..
3- هذه الحركة اللامذهبية تمثلت في إحياءة مشتركة من رجال دين ثائرين على الوضع المعرفي الإسلامي (كرفاعة الطهطاوي ومحمد عبده ومحمد إقبال والأفغاني ووحيد خان..وغيرهم) أصبح الاعتماد على أقوال المذاهب في أضيق الحدود، بينما جرى استبدال ذلك باجتهاد جديد يعتمدون فيه على ظاهر النص مباشرة..
4 - الحركة الإسلامية (اللامذهبية) الجديدة كانت (ضارة ونافعة) في نفس الوقت، ضارة لأنها نشرت الفكر الظاهري بين المسلمين وابتعد فيه المسلم عن (التأويل والقياسات والمجازات والمقارنات) وغيره، وأصبح الفكر الإسلامي يعتمد على منطوق النص وظاهره دون الحاجة لخبير يفهم تلك العلوم المذكورة..
5- أما نافعة فلأن هذه الحركة وضعت أول مسمار في نعش التراث الإسلامي القديم بعرضه مباشرة على طاولة التشريح والشك والاعتراض، فالمذاهب القديمة رغم امتلاكها لأدوات علمية تُمكنهم من معرفة مقصود النص على غير ظاهره، لكنها كانت تُقدس التراث والروايات وفتاوى الأئمة بشدة ولا تخرج عنها..
6 - وجهة نظر علماء المذاهب القديمة (وجيهة) من ناحية خطورة تسليم النص للعوام وغير الدارسين للفقه وعلوم اللغة والحديث والأصول، وفي تقديري أن تَخوفهم كان صحيحا في محله، لأنه عندما تَسلم العوام وغير الدارسين النص مباشرة آمنوا به على ظاهره فاضطرب الفكر الإسلامي بشدة وتناقض واتجه للعنف
7- كافة الجماعة الإرهابية وموجات العنف الديني الإسلامي لم تحدث سوى بعد إزالة الحواجز بين النص والعامة، فقديما كانت هناك مؤسسات ومدارس وكتاتيب علمية تشرح النصوص، وتَعلم الصادق من الكاذب، والصحيح من الضعيف، وما يصلح كدليل ولا يصلح، لكن زوال الحاجز جعل النص عُرضة للفهم الخاطئ أكثر
8 - لكن وجهة نظر هؤلاء العلماء أيضا لم تكن وجيهة، لأن تمسكهم بالتراث وقدسية النصوص والروايات لديهم صنع حالة تخلف علمي وجهل ودروشة وانغلاق لم يسبق لها مثيل، بل نشرت حالة من التكفير والظلامية والقهر لكل من يفكر في صدقية تلك النصوص بعد تطور العلم والتكنولوجيا والانفتاح آخر قرنين
9 - كانت أخطر مظاهر اللامذهبية الجديدة عند المسلمين هي الحركة الوهّابية في #نجد التي اعتمدت ظاهرية الحنابلة وابن تيمية في نقد وإهمال بقية المذاهب، فالفكر الإسلامي تأثر بالمذهب الحنبلي آخر 200 عام لاتساق رؤيتهم في مبدأ واحد هو (الاعتماد على ظاهر الآيات والأحاديث) دون مجاز وقياس..
10- لتوضيح ما سبق فالاستدلال على الأحكام له شروط في المذاهب القديمة، منها العلم (باللغة والقياس والجمع والتأويل والمجاز..وغيرها) فليست كل آية وكل حديث يصلحان للعمل أو الاستدلال بهما على الحكم، بل يُفهما في ضوء غيرهما وبضوء اللغة وعمل أصحاب الرواية وشروط أخرى فَصّلها علماء الأصول.
11- الحركة الإرهابية الحديثة مثل (الإخوان والسلفية الجهادية والقاعدة وداعش) هي لامذهبية بالأساس، ولا تهتم بتلك الشروط المذكورة، بل تُسخّف منها وتُحقّر من استعمالها ، بدعوى أنه طالما الآية واضحة والحديث واضح فلا مجال للاجتهاد، ولا وجه للاعتراض أو المخالفة..وهو ما تخوّف منه القدماء
12- كل فتاوى علماء المذاهب القديمة بضرورة التقليد والخضوع لمذهب معين تدور حول هذا السبب، أنه لا يمكن الاستدلال على الحُكم دون دراسة شاملة للنصوص، وأنه لا يعني وجود آية أو حديث أنه يعني تطبيقهما والإيمان بظاهرهم دون علم، فكثير من تلك النصوص ذُكرت لأغراض أخرى مختلفة معلومة في كتبهم
13- التيار التنويري العلماني الإسلامي هو استكمال للحركة اللامذهبية الجديدة، فهو ثائر على المذاهب كالوهابيين..لكنه مع ذلك ثائر على الوهابيين أيضا بصفتهم دعاة للخرافات والعنف الديني الكامن في النصوص وظواهرها، ويُطالب باجتهاد جديد ومناهج فكرية جديدة تعترف بالعلم والحداثة والمصالح
14- في الحقيقة عند استعراض ما سبق فكثير من أدلة (المذهبيين واللامذهبيين) منطقية من وجهة نظرهم والصراع الحالي في الفكر الإسلامي يدور بين هذين الفريقين مع تنوعاتهم،والذي يفوز وينتشر هو الأكثر قُربا من السلطات والأكثر دعما من الأثرياء والمسئولين والأعيان، فالحق كان ولا يزال لعبة قوة
15- نأتي للسؤال أخيرا: هل المذاهب الإسلامية ضرورة؟
بعد هذا الشرح نعم أقول أنها ضرورية من جهة (فهم الأصول) ومواجهة دعاوى الظاهريين الجدد التي أدت للعنف الديني لكنها ليست ضرورية من جهة (العلم والانفتاح) وينبغي الاجتهاد للخروج بمذاهب جديدة ومناهج مختلفة تؤمن بالحداثة ولا تخاصم العلم
بعد هذا الشرح نعم أقول أنها ضرورية من جهة (فهم الأصول) ومواجهة دعاوى الظاهريين الجدد التي أدت للعنف الديني لكنها ليست ضرورية من جهة (العلم والانفتاح) وينبغي الاجتهاد للخروج بمذاهب جديدة ومناهج مختلفة تؤمن بالحداثة ولا تخاصم العلم
للعلم هذا الفيديو ضروري يلخص هذا الثريد ببضع كلمات، من الشيخ #صالح_المغامسي
الفقه الإسلامي صناعة بشرية .. ويجب مراجعته .. ولا بد من إقامة مذهبًا إسلاميًا جديدًا.
الفقه الإسلامي صناعة بشرية .. ويجب مراجعته .. ولا بد من إقامة مذهبًا إسلاميًا جديدًا.
جاري تحميل الاقتراحات...