عـبـدالـعـزيـز
عـبـدالـعـزيـز

@AbdulAziz_Mohd

96 تغريدة 26 قراءة Apr 06, 2023
١. أضع بين أيديكم سلسلة قديمة لي أعيد نشرها لسؤال وردني اليوم. و السلسلة عن الليل و النهار، و مثلها تجدونه في مدونتي و كتابي عن السماوات و الأرض. دعونا نبدأ باسم الله الرحمن الرحيم...
٢. على خلاف أكثر الناس، فأنا من الذين يحسبون أنّ الليل والنهار مخلوقان غير الشمس والقمر، أي أنهما جوهران و ليست من الأعراض، مثلها مثل الشمس والقمر،. فإن تساءلت: ما الفرق بين الجوهر والعرض؟ الجوهر هو الموجود القائم بنفسه، وأهل الكلام يعنون بذلك الذات والحقيقة والماهيّة
٣. مع اختلافات عند علماء الكلام إذ عندهم أنّ الجوهر الموجود القائم بنفسه المتحيّز بالذات، والعرض هو الذي لا يوجد قائماً بذاته. وأبسط مثال أنّ الإنسان جوهر، لكن فرح الإنسان (الفرح) من الأعراض، لأنه لا ثبات له وهو عارض يعرض، ويزول ولا يقوم بنفسه، فليس هناك قائم بنفسه يسمى الفرح،
٤. ولا يمكن عادة تخيل الفرح كهيئة ماهية أو ذاتية أو جوهرية بخلاف إن قلت الإنسان فإنك تتخيل الهيئة المعروفة للإنسان، وهكذا.
٥. الناس يقولون: إنّ الليل والنهار أعراض، وجوهرها الشمس، فإنّ وجود الشمس يلزم وجود عارض النهار، وغياب الشمس يلزم اختفاء النهار ومجيء الليل، وهكذا. أما أنا فأحب أن أسجّل هنا كشاهد للتاريخ، إن هناك من يقول إنّ الليل والنهار جوهران كما أنّ الشمس والقمر جوهران،
٦. ولا يمنع أن يكون هناك سبب بينها جميعا كما جعل الله الأسباب بين الكثير من مخلوقاته. قال الله عزّ وجلّ في سورة الأنبياء: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)
٧. من ظاهر الآية والمتبادر إلى الذهن أنها أربعة أشياء مخلوقة خلقها الله، وظاهر الآية وسياقها أنّ كلًّا في فلك يسبحون عائدة على الأربعة، الليل والنهار والشمس والقمر، ولا أرى دليلا قويا لمن قال إنها عائدة فقط على الشمس والقمر.
٨. هذا يعني أنّ الليل له فلك يدور فيه، و النهار كذلك و أيضا الشمس و القمر، وكون وجود فلك لكلّ من الليل والنهار يتوافق مع قوله عزّ وجلّ:
٩. (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ).
١٠. وإنّ المتأمّل في آيات القرآن سيلاحظ عندما يذكر الله سبحانه وتعالى أنه (ربّ) أو (خلق) سيجد بعدها جواهر كالسماوات وكالأرض والإنسان والشمس والقمر وغيرها من الجواهر لا الأعراض.
١١. هناك آية أخرى شبيهة بالآية التي استدليت بها، وهي قوله سبحانه وتعالى: (لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ ۚ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ)
١٢. وقال الخالق في سورة الأنعام: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ)
١٣. وقال الحي القيوم في سورة إبراهيم: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)
١٤. كذلك ذكر العلي العظيم في سورة النحل: (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) فذكر تبارك و تعالى تسخير الشمس والقمر وفي نفس الآية ذكر تسخير الليل والنهار،
١٥. سبحان الله وكأنها أشياء أربعة مختلفة. وقال من آياته: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ)
١٦. فهذا يدلّ أنّ آياته أربع مذكورة في هذه الآية إذ قال الليل والنهار والشمس والقمر.
وذكر في سورة الشمس ما يتبادر إلى الذهن من ظاهره أنّ النهار يُجلي الشمس: (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلاَّهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا)
١٧. فهذه أشياء تتعلق بالشمس على ظاهر الآية، فالقمر تتلوها والنهار يجليها والليل يغشاها. هذا يعني أنّ النهار من وظائفه أنه يجلي الشمس والليل يغشاها. ومن تأمّل حالات الليل المذكورة فقط في الجزء الثلاثين (جزء عمّ) وجد ست حالات مذكورة أقسم الله بها،
١٨. يصعب جدًّا معها أن نعتبر الليل مجرد عرض بل ظاهره أنه مخلوق مستقلّ، فإنّ الله عز و جل قال في كتابه: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ) (وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى) (وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ) (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا) ستة كاملة
١٩. بعدد أيام خلق السماوات والأرض في ستة أيام كلّها تثبت أنّ الليل هي الفاعلة وهي المتحركة، وهي التي تسبح كما قال الخالق عنها، وليست ناتجة عن دوران الأرض حول الشمس كما زعموا. والله المستعان.
تأمل في أكثر من آية يجيء ذكر الليل والنهار قبل الشمس والقمر. إضافة إلى ما سبق ذكره،
٢٠. تأمّل معي هذه الآية: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ...
٢١. أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) و في سورة لقمان: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى...
٢٢. ...وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) وفي سورة فاطر: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ...
٢٣. وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ) و في سورة الزمر: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ...
٢٤. كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ) و في سورة فصلت: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).
٢٥. هذا الترتيب لا يمكن أن يكون عبثيا، ولابدّ من حكمة بالغة خلف الترتيب. والذي يظهر لي أنّ خلق الليل والنهار متقدّم على خلق الشمس والقمر. ما جعلني مطمئنًّا لهذا الرأي أكثر وجود هذه الحقيقة في التوراة ساطعة في أول سفر من أسفار التوراة وهو سفر التكوين.
٢٦. لأن الله خلق الليل والنهار في أول يوم بينما خلق الشمس والقمر في اليوم الرابع. وبالتأكيد استخدم المؤمنون بالعلم الحديث هذه الحقيقة للطعن في التوراة، وأنه كتاب متخلف علميًّا، لكن يبدو لي أنّ القرآن يصدق ذلك في هذه الآيات أنّ خَلْق الليل والنهار متقدم على خلْق الشمس والقمر.
٢٧. سبحان الله! كلما بحثت في القرآن أو التوراة في شأن خلق السماوات والأرض والليل والنهار والشمس والقمر وجدت توافقا عجيبا أعجز إلا أن أقول كما قال النجاشي: (ليخرج من مشكاة واحدة) وإن تنزلنا وأخذنا بأنها محرفة حرفيا
٢٨. فإنّ هذه الجزئيات المتعلقة بخلق السماوات والأرض على الأقل لم تُفسدها أيدي التحريف.
تأمل معي -عزيزي القارئ- قول الله سبحانه وتعالى في سورة النازعات: (أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)
٢٩. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا (٣٠)) تأمل الرابط بين الليل والنهار والسماء، ثمّ تأمل ثانيا كيف أنه ذكرهما قبل خبر دحو الأرض...
٣٠. فهذا يدل على أنّ الليل والنهار من أبناء السماء إن صح التعبير وجوهر وليس بعرض من أعراض شروق الشمس أو غروبها.
يبدو من الآيات السابقة أنّ آيتا الليل والنهار أعظم وأعجب وأدلّ على قدرة الله سبحانه وتعالى من الشمس والقمر.
٣١. وربما لهذا السبب نجد ذكر الليل والنهار من آياته (أي من آيات الله عز و جل) مباشرة في عدد من الآيات، في حين ذِكْر أنّ الشمس والقمر من آياته قليلة جدًّا، وقد تكون آية وحيدة أو آيتين، إن لم تخنّي الذاكرة.
٣٢. و هناك أمر آخر فيما يخص الليل و النهار، أن الله عز و جل هو المتحكم بهما، و يغيّرهما كيفما شاء، أقصد أن الله عز و جل ينسب تغيير الليل و النهار أو دخول هذا في ذاك أو تكوير هذا على ذاك من أفعال الله عز و جل (إن صحّ التعبير).
٣٣. اقرأ في سورة آل عمران: (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ)
٣٤. و في سورة الحج: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) و في سورة النور: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ)
٣٥. و في سورة القصص: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ)
٣٦. و في سورة لقمان: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)
٣٧. و في سورة فاطر: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ)
٣٨. و في سورة يس: (وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ)
٣٩. وفي سورة الزمر: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ)
٤٠. و في سورة الحديد: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) بعد كل هذه الآيات البيّنات ألا نستحي أن ننسب اختلاف الليل و النهار إلى الشمس؟
٤١. تفكّرت يوما و قلت لماذا في هذه الآيات فيها ذِكْر أنّه تبارك و تعالى من يفعل ذلك، يعني أكّد على أنه جلّ شأنه هو من يفعل ذلك و ليس عن طريق مخلوق من مخلوقاته؟
٤٢. فقلت لعل السبب في أن جعل الله الرحمن الرحيم هذه الآيات في كتابه قد يكون تثبيتا للمؤمنين عندما سيأتي عليهم زمان يُقال لهم إن الليل و النهار مجرّد عوارض، سبب تقلّبهما حركة الأرض حول محورها و حركّتها حول الشمس.
٤٣. و من الآيات العظيمة التي تؤكد آيات القرآن و تردّ على هذه النظريات العلمية الحديثة آية من سورة المؤمنون: (وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ )
٤٤. أي لله تبارك و تعالى اختلاف الليل و النهار، ليس للشمس و لا لحركة الأرض بل لله رب العالمين. تأمل هذا ثم تفكّر في هذه الآيات سيتبين لك الحق جليا بإذن الله الأحد الصمد.
٤٥. لاحظ كذلك أنّ آية الليل والنهار قد تشمل على من عند الله من الملائكة، فإنّ الله عزّ وجلّ قال في كتابه في سورة الأنبياء: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ) قال ابن جرير الطبري: "يسبح هؤلاء الذين عنده من ملائكة ربهم الليل والنهار لا يفترون من تسبـيحهم إياه"
٤٦. وقال ابن كثير: "فهم دائبون في العمل ليلاً ونهاراً، مطيعون قصداً وعملاً". وقال الله عزّ وجلّ في آية أخرى في سورة فصلت: (فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ)
٤٧. لاحظ أنّ الله الودود الرحيم امتدحهم بأنهم يسبحون الليل والنهار، والملائكة المتعارف عليه عند الناس أنها لا تعيش على أرض كروية بل الغالب أنها في السماء و بعض من خلق الله خارج عن نطاق السماوات و الأرض، ولهذا قال الله: (فالذين عند ربك) وهذا المتبادر إلى الذهن.
٤٨. كذلك في السنة النبوية نجد حديثا مشهورا معروفا عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يعرفه العامي والعالم، وهو أنّ نبيّ الله صلّى الله عليه بينـما هو جالس مع أصحابه، إذ قال: "تَسْمَعُونَ ما أسْمَعُ؟" قالوا: ما نسمع من شيء يا نبـيّ الله
٤٩. قال: "إنّـي لأسْمَعُ أطِيطَ السَّماءِ، ومَا تُلامُ أنْ تَئِطَّ وَلَـيْسَ فِـيها مَوْضِعُ رَاحَةٍ إلاَّ وَفِـيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أو قَائمٌ".
فأين الليل والنهار في فضاء العلم الحديث؟ وأيّ شمس هي المسؤولة عن الليل والنهار في السماء؟
٥٠. هذه الآيات تدلّ أنّ الليل والنهار آيتان عظيمتان منفصلتان عن آيتي الشمس والقمر، وليس هناك مانع أن يكون هناك سبب بين هذه الآيات كلها. فإنّ الليل والنهار آيتان، وآية دخول وقت أحدهما طلوع الشمس أو غروبها، فالغرض الأساسي من الشمس والقمر برأيي هو لمعرفة السنين والحساب و مواقيت،
٥١. وآية على دخول وقت الليل والنهار. وربما لذلك نجد في القرآن الكريم قول الله عزّ وجلّ: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ
٥٢. ...وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا)
٥٣. وقال العزيز الحكيم: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)
٥٤. وقال الرحمن: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) كذلك في التوراة في سفر التكوين عندما يأتي فيه ذكر الشمس والقمر نجد في النصّ الرابع عشر من الإصحاح الأول في سفر التكوين: (الترجمة) "وقال الله: لتكن أنوار في جلد السماء لتفصل بين النهار والليل، وتكون لآيات وأوقات وأيام وسنين".
٥٥. في أكثر آيات الليل والنهار، نفهم منها الليل للسكن والراحة والنهار لابتغاء الفضل، فأغراضهما معروفة، كذلك أغراض الشمس والقمر معروفة. وكما قلت سابقا لا يمنع أن تكون الشمس من أغراضها الإضاءة المحدودة، كذلك القمر الإنارة المحدودة، وهذه الآيات المذكورة فيها من العلوم الشيء الكثير.
٥٦. وفي جعبتي كلام كثير عنها لن يستوعبها هذه التغريدات، وأخشى ألا يستوعبه جمهور القراء إن دوّنته هنا، لا غرورا والعياذ بالله، لكن خشية الخروج عن مقصد هذه السلسلة، إذ الشرح والكلام سيطول جدا.
٥٧. قال الله سبحانه وتعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ
٥٨. الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا
٥٩. حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) تأمّل قول الله سبحانه وتعالى: (يقدر الليل والنهار) لم يذكر الشمس والقمر،
٦٠. فإن كان الليل والنهار عرضا لا جوهرا فصعب عليّ فهم سبب ذكره الليل والنهار بدلا من الشمس. وهناك عدة آيات تثبت أنّ الليل فاعل غير مفعول به.
٦١. قال الله في سورة القصص: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَه غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ ۖ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١)
٦٢. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)
٦٣. وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) لماذا لم يقل في هذه الآيات أمسك الشمس أو شيء له علاقة بالشمس؟
٦٤. ألا تدلّ هذه الآيات أن الليل والنهار خلق مختلف عن الشمس والقمر وأنها ليست أعراضا لطلوع الشمس أو غروبها؟ توقّف هنا قليلا و إن شئت خذ نفسا عميقا…
٦٥. حسنٌ، تفكّر من جديد في هذه الآيات من سورة القصص. إن أخذنا بنموذج الأرض الكروية، فإنهم يقولون إن الشمس هي المسؤولة عن النهار في جهة و الليل في جهة أخرى، كيف سيستطيع المسلم أن يُوّفق بين هذه النموذج و مفهوم الآيات من سورة القصص؟
٦٦. إن جعل الله رب العالمين النهار سرمدا إلى يوم القيامة فهذا يعني أن النهار لكي يعمّ العالم كله فإننا سنحتاج إلى أربعة أو ستّة شموس على الأقل لتكون جميع الكرة الأرضية نهارا، أليس كذلك؟
٦٧. فإن احتجنا إلى أربعة شموس أو ستة ألن تُحرق هذه الشموس الأرض و من عليها و تُفسد النظام البديع الموجود حاليا؟ بالتأكيد سيقول المُعارض بلى فإن وجود أكثر من شمس سيكون له الأثر العظيم على الأرض و ما عليها.
٦٨. و لكن مفهوم الآية أن الناس لن يحترقوا أو يفنوا إنما سيكونون على قيد الحياة، غير أنّهم لن يحصلوا على ليل ليسكنوا فيه. لاحظ أنّ ليس في الآية أن الأرض سينتهي أمرها إن جعل الله النهار سرمدا، و في هذا الكفاية في الرد على أنصار نموذج الأرض الكروية.
٦٩. و إن افترضنا إن هناك أكثر من شمس لجعل الأرض في حالة نهار بشكل سرمدي فأي هذه الشموس ستدور حولها الأرض؟ لن يستطيع المُعارض الإجابة؟
٧٠. و بسبب جاذبية هذه الشموس فبالتأكيد لن يفسد نظام الأرض فحسب بل نظام المجموعة الشمسية، سيكون هناك دامر شامل إن أخذنا بنموذج كروية الأرض و مركزية الشمس.
٧١. فإن قال المُعارض و من قال إن الله سيخلق أربعة أو ستة شموس ليجعل النهار سرمدا إلى يوم القيامة، يكفي أن يُذهب ضوء الشمس أو يوقف دوران الأرض حول نفسها. أما الأول و هو ذهاب ضوء الشمس، فإن العلماء المنتصرين لنموذج الأرض الكروية و مركزية الشمس يعترفون أن الحياة ستنعدم على وجه الأرض
٧٢. إن ذهب ضوء الشمس و هذا يتعارض مع مفهوم الآية الظاهر لكل من كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد. و الأمر الآخر أن النهار سيكون سرمدا في جهة واحدة من الأرض و هي الجهة المقابلة للشمس، أما الجهة الأخرى فلا، و هذا يجعلنا أن نُحمّل الآية أن المقصود فقط القوم الذين يُقابلون الشمس
٧٣. و هذا بحاجة إلى دليل يصرف ظاهر المعنى المُراد من الآية. و أما إن قلنا إن النهار يكون سرمدا على الأرض بسبب توقّف الأرض عن الدوران حول محورها و حول الشمس، فإن هذا سيُسبب اشكالا كبيرا للمنظومة كلّها و على رأسها الجاذبية، و بالتالي يختل النظام في الأرض بحيث لن تدوم الحياة على
٧٤. الأرض و هذا يُخالف المفهوم من الآية و هكذا كل محاولاتهم لتحريف معنى الآية و الإتيان بمعانٍ جديدة ستكون فاشلة إذ لن يستطيعوا المواءمة بينها و بين النموذج الكروي للأرض.
٧٥. لكن إن نحن أخذنا نموذج الأرض المسطحة و قلنا إن النهار كيان مستقل عن الشمس، لن نجد أي صعوبة في فهم الآية و منطوقها أو فهم آية جعل الليل سرمدا إلى يوم القيامة و الحمدلله رب العالمين.
٧٦. فإن وافق المُعارض و قال حقا إنّ النهار شيء والشمس شيء آخر قد يتبادر إلى ذهنه سؤال و هو في محلّه، هل سيكون هناك نهار لولا الشمس؟ الله أعلم. لكن الذي أرجحه أقول نعم، برأيي الشمس آية للنهار، وأنّ النهار قد جاء وقته وعلامة والنهار يجلي الشمس.
٧٧. على كلّ إن قلنا إنّ هناك علاقة كما قلت من كون النهار مع الشمس دائما كيف إذن نُفرق بينهما؟ ونقول إنّ النهار جوهر و الشمس كذلك. أقول هذا ممكن، تخيّل معي أن يكون النهار على شكل دائرة كاملة في فلكها، وتدور الشمس تحت أو فوق أو في فلكها هي الأخرى،
٧٨. فأينما حلت كان نهار وذلك لأنها بداخل سلطان النهار أو دائرة نطاق النهار. هل تعرف شعار الين يانغ الصيني؟ ألا تجدهم يضعون في اللون الأبيض نقطة سوداء، وفي اللون الأسود نقطة بيضاء؟ تخيل النهار كاللون الأبيض، والشمس كالنقطة السوداء بداخلها، ولها سرعة وحركة متساوية،
٧٩. بهذه الطريقة يكون الاثنان (أعني النهار و الشمس) جوهرين مختلفين، لكن من دقة النظام تجد هذا التلازم. حاول أن ترسمها ثمّ احكم بنفسك، أليس هذا محتملا؟ أقول: نعم ممكن بل هو ما يظهر لي أنه الأقرب إلى الصواب.
٨٠. هناك أمر آخر، وهو أني أحسب أنّ الظلمة أو الليل جاء إلى هذا الوجود قبل النهار أو أنّ أمره أكبر من النهار، ولا يعني أنه أكبر بمعنى أنه أفضل بالضرورة. ذكر الليل في القرآن حوالي ٩٢ مرة في حين النهار حوالي ٥٧ مرة.
٨١. وكثيرا ما نجد في القرآن عندما يذكر الليل والنهار يبدأ بالليل، قال الرحمن: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ)
٨٢. وقال: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) وقال رب العالمين: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ...
٨٣. يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ)
٨٤. وقال العليم الحكيم: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ)
٨٥. وقال اللطيف الخبير: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً)
٨٦. وهكذا في عدة آيات، الليل يسبق ذكره ذكر النهار. و هناك سورة في القرآن اسمها سورة الليل في حين لا نجد سورة اسمها النهار.
فضائل الليل كثيرة، على كلٍ، يمكن أن نفهم من الآيات أنّ الليل جاء إلى هذا الوجود قبل النهار كما فهمت أنا من الآية التالية:
٨٧. (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) وهذا يشبه كثيرا ما هو مذكور في التوراة أنّ الظلمة كانت في البداية ثمّ جعل الله النور أو النهار.
٨٨. نجد في ترجمة التوراة في سفر التكوين أول نصوص فيها: "١ في البدء خلق الله السماوات والأرض ٢ وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه ٣ وقال الله: ليكن نور، فكان نور ٤ ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة...
٨٩. >> ( ٥. ودعا الله النور نهارا، والظلمة دعاها ليلا. وكان مساء وكان صباح يوما واحدا) وكأن الظلمة أُمّ النهار أو إن شئت قل أُم المخلوقات التي جاءت بعد خلقة السماوات والأرض أوهذا الوجود الإنساني و هي من بنات الماء و شرح هذا ليس هذا موضعه الآن.
٩٠. نجد في الحديث النبوي: (إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، ثُمَّ أَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ يَوْمَئِذٍ) فالذي يظهر لي أنّ الليل أو الظلمة سبقت وجودها النهار وسبق وجودها الشمس والقمر.
٩١. قال سبحانه: (وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ) فكأن النهار منزوع من الليل أو كأنه جلد على الليل، ولهذا نجد الله الخالق البارئ المصوّر يذكر عن الليل: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) و (يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا).
٩٢. تأمّل في قوله سبحانه وتعالى (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) وغشى رأسه يعني غطى رأسه، ويقولون غشّى الشيء أي غطّاه. الذي يتبادر إلى الذهن أن يغشى أو يُغشي يغطيه من فوق ويقولون غشي الرجل زوجته أي جامعها وعلاها وكان لها غطاء، وقال الله في سورة الأعراف: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن...
٩٣. ...نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ۖ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ ۖ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ)
٩٤. ويغشى السّدرة يعني يُغطيها ويسترها وفي سورة النجم: (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى) كذلك قوله في سورة النور: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ..
٩٥. . يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ) فمن الآيات المذكورة نستدلّ أنّ الغشيان يكون عادة من فوق، ويكون كالغطاء، كذلك الليل بالنسبة للنهار فهو الذي يغشي النهار ويغطيه.
٩٦. ولعلّ هذا السبب كلما ارتفع الإنسان نحو السماء أظلم العالم بالنسبة إليه، لأنه شارف الخروج من نطاق النهار، ودخل في نطاق الليل.
والله أعلم و إليه المنتهى و الحمدلله رب العالمين...

جاري تحميل الاقتراحات...