Haisam Yehia
Haisam Yehia

@jarelkamar

24 تغريدة 3 قراءة May 05, 2023
كنت باقرأ عن رفاعة الطهطاوي ودخلني في خلاط تاريخي مثير عن الاقتصاد وعلاقته بالسياسة والحكم والقوانين والتغيير اللي حصل في مصر ايام محمد علي ومستمر لحد دلوقتي: بعد هزيمة وانسحاب قوات نابليون من مصر ١٨٠١ قررت فرنسا تلعب سياسة وبدأت تشتغل على الأطراف المتنازعة. المماليك والعثمانيين.
الحرب بين المماليك والعثمانيين كانت قديمة من ايام الغزو العثماني لمصر لكن الطرفين كانوا أضعف من فرض سلطتهم بالكامل على نظام قديم ومتفسخ في مصر. فرنسا بصت على الوضع المصري وقررت تراهن على محمد علي اللي حايقدر يحافظ على مصالحها ويقف معاها ضد الانجليز في خناقة فرنسا التجارية معاهم.
في ١٨٠٥ محمد علي بقى حاكم مصر ( نائب ملك حسب تعبير الفرنساويين ) وفي ١٨٠٧ قرر الإنجليز غزو اسكندرية بالتحالف مع المماليك عشان يأمنوا تجارتهم مع الهند لكن بمساعدة فرنساوية قدر محمد علي يدحرهم واخد قوة وازداد نفوذه بشكل خلاه يتخلص من المماليك ( وبشكل آخر الإنجليز) في مذبحة القلعة.
تطورت العلاقة بين محمد علي وفرنسا بشكل مطرد وبدأت الصحف الفرنسية تعتبره راعي التقدم والتحديث في الشرق ( الأسطورة اللي مكملة معانا لحد اليوم) واللي رغم ان فيها اجزاء حقيقية لكنها كانت مدعومة بمكنة بروباجاندا فرنسية جبارة. وكما هي العادة اللي بيمسك الميديا بيكتب التاريخ.
محمد علي كداهية كسب فرنسا ولم يخسر الانجليز. لكنه كان بشكل كبير على الجانب الفرنسي. لدرجة انه اهدى فرنسا ٣ مسلات عملاقة كان شامبليون عينه منهم. اتنين في الأقصر وواحدة في اسكندرية. بس الفرنساويين قرروا ياخدوا واحدة ( موجودة في باريس دلوقتي ) عشان شيلها ونقلها كان حوار كبير ايامها.
وكجزء من تعطيد العلاقات القوية بين محمه علي والفرنساوية ابتدت البعثات التعليمية لباريس. رفاعة الطهطاوي كان إمام غلبان بيؤم الصلاة ويوعظ العساكر في فرقة في الجيش. لكن استاذه في الأزهر حسن العطار كان بيترجم للجنود الفرنساوية ايام بونابارت ورشحه يطلع مع الطلبة يشوف بلاد بره ويسجل.
البعثات دي كان معظمها اتراك وفيها كام طالب مصري كده. لكن رفاعة كان الشخص اللي عينوه عشان الطلبة ما تنساش دينها وتتغر في الغربة. طبعا كتاب رفاعة الطهطاوي وتأثيره غني عن التعريف بس سبب ان رفاعة جاتله المنحة سبب مثير وراجع لسياسة اقتصادية مأثرة فينا لحد دلوقتي.
رفاعة كان من عيلة من اعيان طهطا. كان النظام ايام المماليك ان عائلات كبيرة وقبائل معينة في مصر بتستلم ( لا تتملك ) اراضي زراعية وتأجرها لفلاحين يزرعوها ويسترزقوا منها ويدفعوا ضرايب للملاك دول والملاك يلموا الفلوس ويدفعوا ضرايب للحكومة ويكسبوا الفرق. كان النظام ده اسمه الإلزام.
الأعيان " بيلتزموا " بدفع الضريبة للحكومة أول السنة وبعدين يلموها من الفلاحين بطريقتهم. الحكومة بتضمن السيولة أول السنة وتسيب الأعيان والفلاحين يتصرفوا مع بعض. الأعيان دول كانوا غالبا من المماليك. نظير الخدمة دي كانوا بيمتلكوا اراض مجانية اسمها الوسايا ومفردها الوسية مدى الحياة.
بعد ما محمد علي دبح المماليك طمع في املاكهم طبعا فقرر يلغي نظام الإلزام. ودي بقى الحتة الممتعة في الذكاء والخباثة السياسية. في وسط انقلاب سياسي والمماليك انتهوا وراحت ايامهم وجو مشحون ومستقبل مش مفهوم. طلب من كل الاعيان اللي فاضلين يقدموا عقود ملكية الأراضي عشان يتأكد من الملكية.
الملاك ما صدقوا وقدموا عقودهم عشان يضمنوا حقوقهم. قام جه طبعا قالهم شكرا جزيلا، عملتولي حصر مجاني وكلها بتاعتي دلوقتي. طبعا كلهم هاجوا وماجوا وعملوا قلق فقالهم ماشي خلاص معلش حاخد الاراضي دي ( لانها في الأصل كانت هدية ليكم ) وكل واحد يخلي الوسية بتاعته تبقى ملكه مدى الحياة.
وفوق ده عرض على كل مالك مرتب سنوي طول ماهو حي يساوي الربح اللي كان كل مالك بيعمله من نظام الإلزام القديم. لحد دلوقتي انت لو مالك ارض وكنت بتأجر لفلاحين المفروض نظريا طالع ب Deal حلو. اخدت الوسية مدى الحياة وبتكسب نفس الفلوس كل سنة من غير وجع قلب ولم ضرايب وجري ورا الفلاحين.
بس طبعا عشان حويط ( واغلب الظن بمعاونة فرنساوية ضليعة في النصب والضرايب ومص الدم ) طلب مع صكوك الملكية اقرارات ضريبية سنوية بكل واحد كسب كام. وطبعا كملاك اراضي عشان ما يدفعوش ضرايب كتير قدموا في الاقرارات انهم مش بيعملوا ارباح. فقام حدد المرتب حسب كل واحد قال بيكسب كام.
فكله طبعا لبس ولقى نفسه مش عارف يقول الحقيقة انه كذب في الاقرار الضريبي فيتحبس او يقبل وياخذ مرتب سنوي قليل ويعيش عيشة فقيرة. فطبعا فترة مضحكة كل اللي اتفقر جامد اتعرف ضمنيا انه كدب في الاقرار الضريبي بتاعه اللي قدمه واللي ماكدبش فضل مريش بس بيدفع ضرايب قد كده.
مش كده بس ده بعد كل ده كمان الضريبة اللي على الوسايا كانت بتتغير كل سنة حسب مساحة الارض والفيضان يعني لو النيل عالي السنة دي وعندك ١٠ فدان السنة الجاية حايوطى ويبقى عندك ١٢ فحاتدفع أكتر. طبعا لما المية تبقى اقل فالمحصول نفسه بيبقى اقل فعلى المدى الطويل الضريبة بتبقى اكتر من الدخل
كعادة المصريين كان في ثغرات قانونية وهي الأوقاف والأوقاف هي اراضي مرتبطة بمؤسسات دينية عشان تصرف عليها. وكان حل أخير لملاك الأراضي عشان تعرف تسيب لعيالها أي حاجة تنفعها في مستقبلها. لأن الوسايا والعزب كانت مدى حياة المالك وبعدين ترجع للحكومة. اما الوقف فريعه يفضل للورثة
فالناس بقت بتخصص اراضيها للاوقاف وتقول نص العمى بس طبعا حلني بقى. انا لحد دلوقتي عيلة أمي مستنية حكم في قضية أوقاف في ١٠٠ فدان في البحيرة ونفسهم بقى يورثوا وياخدوا حكم بس هيهات. الخديو سعيد في ١٨٥٨ ادرك ان الثغرة دي حاتخلي كل البلد اوقاف فسمح للناس تتملك الوسايا وتورثها.
قانون الخديو سعيد ده هو اللي خلى ال ١٠٠ سنة اللي بعدها يبقى في اقطاعيين غلابة عندهم عزب جت ثورة يوليو واخدتها منهم برضه في الآخر. 😂 بس الأصل انهم اتملكوا اراضي كانت ممنوحة لأهلهم ايام محمد علي كتعويض عن اراضي تانية اتسحبت منهم. يعني عبد الناصر عمل تأميم ع التأميم 🫡
حاجة مثيرة جدا بالنسبالي ان الناس دي من منظور بره الصندوق شوية اتحط عليهم يمين وشمال. طبعا الاصلاح الزراعي في يوليو خلى الفلاحين يبقوا ملاك وده كان نقلة ثورية في نظام الاراضي في مصر. لكن الحاجة المثيرة اكتر هي ان ده اللي الفرنساويين ايام محمد علي كانوا بيضغطوا عليهم عشان يعمله.
لكنه اصر ان الأرض دي كلها تبقى ملكه. الفرنساويين كانوا جايين بمفاهيم عن حق الملكية الليبرالية وبذور رأسمالية قديمة. المفارقة ان عبد الناصر حقق اللي الفرنساويين طالبوا محمد علي بيه قبلها ب ١٥٠ سنة. نرجع بقى لرفاعة الطهطاوي، الغاء نظام الإلزام سبب ان عيلة شبه عيله رفاعة تتفقر فجأة
وبعد ما كانت عيلته اغنيا بقوا تقريبا في قاع الطبقة الوسطى. الوجه البحري والدلتا كان مستقر ومعظم العائلات والقبائل اللي اتعرضت للزحلقة الإجتماعية رضيت بالأمر الواقع. لكن الصعيد كان مختلف لان المماليك كانوا اقويا ومسيطرين اكتر هناك. محمد علي جرد قوة عسكرية لمحاربتهم ودي قصة تانية.
لكن الصعيد ثار ورفض يتزحلق على السلم الاجتماعي. ومن دول عيلة رفاعة. وكنوع من الضغط السياسي والترغيب جنب الترهيب، محمد علي ونظامه مع الفرنساويين قرروا "ينوروا الصعيد" ويمدنوه ويفهموه ان العالم بيتغير وده كان احد اسباب اختيار رفاعة للسفر لباريس بتوصية من شيخه العطار.
وتمر الأيام ويبقى الإمام القروي المصدوم عشان الناس بتاكل بالسكينة والشوكة والستات كتفها عريان في الشارع في باريس هو المصدر اللي اقتبست منه مصر كلها صورتها عن اوروبا وفرنسا. وييجي الانجليز ويدحروا النفوذ الفرنسي للابد بعد ٨٠ سنة من الشد والجذب.
ويبقى الاقتصاد والفلوس والمصالح دايما اعمدة خرسانة التاريخ، ممكن تقعد تهاجم الواجهة والكرانيش والبلكونات لكن من غير الاساسات مش حاتفهم ازاي العمارة طلعت ولا ليه شكلها بقى عامل كده دلوقتي.

جاري تحميل الاقتراحات...