#متون_قانونية | ماهو علم #القانون؟ وكيف يمكن أن ننظر له؟
يمكن تعريف القانون بأنه: "مجموعة القواعد التي تنظم الروابط الاجتماعية على نحوٍ ملزم"
كان منظور القانون محل خلافٍ فقهي كبير إلى زمن قريب، فتعاقبت المذاهب الفلسفية التي تحاول أن تكتشف ماهيّة القانون كعلم من العلوم الاجتماعية؛ ولا شك في أن تلك المذاهب -على اختلافها مع بعض- قد تكاملت وترابطت حتى كوّنت النظرة الصحيحة لهذا العلم التي استقر الفقه عليها؛ نذكر لكم أبرزها:
أولًا: مذهب القانون الطبيعي:
وهو الأقدم بين المذاهب المذكورة، يرى مذهب القانون الطبيعي بأن هناك قانونًا يكمن في الروابط الاجتماعية تمامًا كما أن هناك قانونًا ثابتًا يكمن في الظواهر الطبيعية من فلك وماء وجاذبية وغيرها
وهو الأقدم بين المذاهب المذكورة، يرى مذهب القانون الطبيعي بأن هناك قانونًا يكمن في الروابط الاجتماعية تمامًا كما أن هناك قانونًا ثابتًا يكمن في الظواهر الطبيعية من فلك وماء وجاذبية وغيرها
وبالتالي، وحسب مذهب القانون الطبيعي؛ فالقانون هو عام وثابت لا يتغير، وما على العقل البشري إلا أن يتمعن في الروابط الاجتماعية ليستخلص منها هذا القانون الطبيعي، ويجب على القانون الوضعي أن يتطور ليقترب من القانون الطبيعي.
كان للفلاسفة اليونان دور كبير في إنشاء هذا المذهب؛ ومنهم أرسطو، وقد عرفت جميع الأديان هذا المذهب في صورته الجامدة؛ وكان القانون الطبيعي منتشرًا بشكلٍ مبالغ فيه عند المعتزلة من المسلمين، وكذلك في عهد الثورة الفرنسية وقانون نابليون.
نرى من ذلك أن نواة القانون الطبيعي حسنة، وأن الفلاسفة قد قدموا فكرة استثنائية في زمن قديم أفادت هذا العلم -كما سيتبين لاحقًا- وكانت سببًا رئيسيًا في استخلاص النظرة الصحيحة للقانون، ولكنها غَلَت في الجمود غلوًا كبيرًا؛ مما جعلها عُرضةً للانتقاد والهجوم.
ثانيًا: مذهب التطور التاريخي:
يقوم هذا المذهب الذي قام على يد الفقيه الهولندي "هيجو (١٧٦٨-١٨٤٤)" والفقيه الألماني وزعيم المدرسة التاريخية "سافيني (١٧٧٩-١٨٦١)" في أول القرن التاسع عشر على مبدئين أساسيين وهما:
يقوم هذا المذهب الذي قام على يد الفقيه الهولندي "هيجو (١٧٦٨-١٨٤٤)" والفقيه الألماني وزعيم المدرسة التاريخية "سافيني (١٧٧٩-١٨٦١)" في أول القرن التاسع عشر على مبدئين أساسيين وهما:
١- لا يوجد قانون طبيعي عام ثابت لا يتغير، بل القانون يتغير وفقًا لحاجات كل أمة وظروفها، فالقانون تمامًا مثل اللغة.
٢- نمو القانون نمو غير محسوس، لذلك لاتوجد إرادة عاقلة تغير القانون، وليس للقانون غاية يسعى إليها لوحده
٢- نمو القانون نمو غير محسوس، لذلك لاتوجد إرادة عاقلة تغير القانون، وليس للقانون غاية يسعى إليها لوحده
وبالتالي، يعتبر مذهب التطور التاريخي من أكبر المذاهب القانونية العريقة التي تبنّت فكرة أن القانون ليس عامًا وليس ثابتًا، بل هو كائن يتطور وفق حاجات الأمم على نحوٍ غير محسوس، فالقانون وفقًا لمذهب التطور التاريخي متغير في المكان والزمان؛ على عكس القانون الطبيعي.
ثالثًا: مذهب الغاية الاجتماعية:
يقوم هذا المبدأ الذي نشأ على يد زعيم مذهب الغاية الاجتماعية الفقيه الألماني المشهور "اهرنج (١٨١٨-١٨٩٢)" على أن القانون متطور -كما يقول المذهب الثاني- ولكنه لا يتطور تطورًا أعمى؛ بل إلى غاية مرسومة، وأن عامل الإرادة في تطويره لايجوز اغفاله
يقوم هذا المبدأ الذي نشأ على يد زعيم مذهب الغاية الاجتماعية الفقيه الألماني المشهور "اهرنج (١٨١٨-١٨٩٢)" على أن القانون متطور -كما يقول المذهب الثاني- ولكنه لا يتطور تطورًا أعمى؛ بل إلى غاية مرسومة، وأن عامل الإرادة في تطويره لايجوز اغفاله
ويرى "اهرنج" بأن عامل الإرادة في تطويره قد يشتد إلى أن تصبح إرادة عنيفة تشتد حتى تصبح كفاحًا للتغيير، وبذلك كان يرى أنصار هذا المذهب بأن القانون يقوم على الغاية والكفاح
وقد كان "اهرنج" من أبرز الفقهاء المعارضين لمدى الجمود والثبات في مذهب القانون الطبيعي القديم
وقد كان "اهرنج" من أبرز الفقهاء المعارضين لمدى الجمود والثبات في مذهب القانون الطبيعي القديم
وجدير بالذكر ردوده على مذهب القانون الطبيعي القديم؛ فيقول "اهرنج" أن الظواهر الطبيعية التي استدل بها مذهب القانون الطبيعي هي ظواهر تخضع لقانون السبب، أما الظواهر الاجتماعية فهي ظواهر تخضع لقانون الغاية
وبذلك يرى أنصار هذا المذهب بأنه لا يوجد تلازم بين علاقة الشخص بالشخص، وعلاقة الشخص بالشيء أو الأشياء فيما بينها؛ فالجسم يسقط بسبب الجاذبية، والانسان يتصرف تصرفًا معينًا للوصول إلى غاية معينة، وبالتالي فالقانون بنظر هذا المذهب هو وسيلة لتحقيق غاية.
رابعًا: مذهب القانون الطبيعي ذي الحدود المتغيرة:
بعد انتكاسة مذهب القانون الطبيعي في أوائل القرن التاسع عشر على يد المدرسة التاريخية، استفاد الفقه من تلك النزاعات استفادة عظيمة يمكننا القول بأنها بمثابة نقطة تحول في هذا التسلسل التاريخي العظيم
بعد انتكاسة مذهب القانون الطبيعي في أوائل القرن التاسع عشر على يد المدرسة التاريخية، استفاد الفقه من تلك النزاعات استفادة عظيمة يمكننا القول بأنها بمثابة نقطة تحول في هذا التسلسل التاريخي العظيم
فقد استخلص الفقه من تلك النزاعات والاختلافات والمذاهب العديدة التي لا يسع المجال لذكرها مذهبًا يشبه القانون الطبيعي إلى حد كبير؛ إلا أنه يكتسب من المدرسة التاريخية تلك المرونة التي تجعل منه قانونًا ثابتًا في أصوله؛ مرنًا في فروعه يتغير حسب مقتضيات الأمر في الزمان والمكان
وانتصر لهذا المذهب جُل الفقه؛ بل وأصبح القانون الطبيعي بهذا المفهوم -الحدود المتغيرة- مصدرًا رسميًا من مصادر القانون، والفقهاء الذين كان لهم الفضل في ذلك هم الفقهاء الألمان -هيجل وستاملر- والفرنسيين -بيدان وشارمون- ويعتبر الفقيه هيجل هو زعيم هذه المدرسة ومؤسسها
تقوم فكرة هذا المذهب على أن هناك أصول ثابتة توصل لها الفقه القانوني عن طريق عدّة مصادر منها العقل والوحي والعرف؛ كالحق في الحياة والحرية والملكية وغيرها، وكنظريات التعسف في استعمال الحق وغيرها، وكمبادئ براءة المتهم ما لم يُدان والغش يُفسد كل شيء وغيرها
وأكّد هذا المذهب على أنها ثوابت لا تُمس ولا تتغير بتغير الزمان والمكان أي أنها ثابتة، وأما الفروع؛ كنطاق الملكية الفردية مثلًا، فهي من المرونة بمكان بحيث أنها قد تختلف مع مرور السنين بما يتناسب مع حاجات الأمم وأحوالهم ومقتضيات أمورهم
وبالتالي، استقر الفقه بعد ذلك على أن القانون هو كائنٌ اجتماعي قبل أن يكون علمًا، وأن المنظور الصحيح لعلم القانون هو منظور القانون الطبيعي ذي الحدود المتغيرة؛ فهناك أصول تبقى ثابتة، وفروع تتغير بتغير الزمان والمكان بطريقة معينة تتم دراسة كيفية تغيرها عن طريق دراسة علم القانون.
فدراسة القانون -كعلم- ليست دراسة النص وتحليله، بل هي دراسة ما وراء النص من آراءٍ فقهية لمعرفة الإتجاهات التشريعية والعوامل التي تؤثر في تفاصيل النصوص وتغيّرها، ومعرفة مدى مرونتها ومتى يمكن أن تتغير وكيف، والأهم والأولى من ذلك؛ دراسة الأصول الثابتة التي لا تُمس في أي مكان أو زمان.
جاري تحميل الاقتراحات...