لأيِّ معنّى يكون السّكوت أصعبَ على الثّرثار من الكلام ، والسكوتُ أروحُ منه.؟
ليس الأمر كما قلتَ . إنما يكون السّكوت أروح واحبّ إلى النّفس لذوي التّعجب والفكر ، وأمّا الثرثارون فألسنتهم تعمل أكثر من عقولهم ، ولا يجدون راحة إلا في كثرة الكلام ، وهم أقلّ تَحسُّسًا من غيرهم ، فلو غفل السّامع عن حديثهم لا يلومونه ولو قاطعهم لا يكادون يعاتبونه ؛
لأنّ همّهم الأوّل إخراج الكلام والحديث ، وأكثرهم لا يُراعي انفعالات السّامع بكلامهم ، وربما كان المتحدث. منهم يحدِّث السامع ويجيب ويضحك من تعاجيبه ، أي : أنّه يكون المتحدِّث والسّامع معاً .
والنّساء يحمدن الرجل إذا كان كذالك لأنّه يفضي بكلّ شيء ، ولا يدع سراً ، أو لا يقدر على ذالك ، والرّجل الحازم لا يميل إلى ذات الثّرثرة والبربرة من النّساء .
ويقال : إنّ رجلاً ابتُليَ بامرأة [ مهذارة ] ، فاصطلح معها على أن تثرثر يوماً ، وتسكت يوماً ، ليُريح أذنَه وقلبَه ، فلما قضي يوم الثرثرة جعلت تقول في يوم السّكوت : [ بكرة الرّغْيّ ، بكرة الرّغْيّ.! ]
فصارت المصيبة أعظم؛ لأنها كانت من قبلُ تُلوِّنُ الحديث في ثرثرتها ، ويكون في بعض كلامها بعضُ فائدة ، واليوم لا تَنطِقُ إلاِّ بكلمتين تُكرِّرهما.
جاري تحميل الاقتراحات...