وبئوا العيون، ونصوا الأشراك، وأقاموا الأرصاد ليحولوا دون هجرته، فلم يظفروا به، وأنهم جعلوا جائزة قدرها مئة ناقة لمن يقتل أحدهما أو يأسره، ومئتان لمن يقتلهما أو يأتي بهما، قال سراقة فيلنا أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس
وراء الأكمة (هي التل المرتفع) فتحبسها على ، وأخذت رمحي، فخرجت من ظهر البيت كي لا يراني أحد، لأختص بتلك الجائزة دون قسيم أو شريك، قال فخططت بزجه الأرض، وخفضت عاليه، حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تضرب بي (تعدو عدوا دون الإسراع)، ثم صرت أشتد في أثرهم حتى دنوت منهم، فعثرت فرسي
فخررت عنها، فقمت وأهويت بيدي إلى كنانتي (الجعبة التي فيها السهام) فاستخرجت منها الأزلام (الأقداح التي كانوا يتفاءلون بها) فاستقسمت بها أضرهم أم لا، فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، فلا زالت تضرب بي حتى إذا سمعت قراءة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت
فركبت فرسي حتى جئتهم، ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم ان سيظهر أمر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وقد رأيت أن الخوف دخل أبا بكر، ولكن الرسول ثابت فؤاده، ولما ناديت بالأمان ترجلت خشية أن يصيب فرسي ما أصابها قبل، حتى إني خشيت على نفسي أن يصيبها ما أصاب فرسي
فقلت له يا رسول اللّه إن قومك قد جعلوا فيك وفي صاحبك الدية، وإنهم يريدون قتلكما وإني راجع رادهم عنك، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني (لم يأخذا مني شيئا) ولم يسألاني إلا أن قالا أخف عنا ما استطعت، فقلت يا رسول اللّه أدع اللّه أن يطلق لي جوادي ولك عهد وميثاق أن أرجع وأردّ عنك
واكتب لي كتاب أمن بأنك إذا أظهرك اللّه وملكت رقاب الناس وجئتك أن تكرمني فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم إن كان صادقا فيما يقول فأطلق له جواده» وأمر عامر بن فهيرة أن يكتب لي العهد فأبيت إلا أن يكون الكاتب أبا بكر فأمره، فكتب له رقعة من أديم ما أراد من العهد، أمانا له عند ظهور أمره
وهذا مما يؤيد عدم معرفته صلى الله عليه وسلم الكتابة كما ذكرنا في الآية 48 من سورة العنكبوت، قال ثم عرضت عليه ثانيا أن يتزود من مالي ما شاء فقال يا سراقة «إذا لم ترغب في دين الإسلام فإني لا أرغب في إبلك ومواشيك»، فقلت مرني بما شئت، فقال: «لا تترك أحدا يلحتنا»
وقال: «كيف بك يا سراقة إذا تسورت بسواري كسرى؟» فقلت متعجبا كسرى بن هرمز؟ قال نعم، فرجعت ومضى رسول اللّه ومن معه لجهة المدينة، قال سراقة ولما عدت إلى مكة اجتمع إلى الناس يسألونني عما حدث لي مع رسول اللّه، فأنكرت أولا رؤيته بتاتا
ولكنهم عادوا على واستخبروني فأخبرت أبا جهل بما حدث فلامني على ما كان مني، فأنشدته معتذرا بما ألقى اللّه على قلبي ولساني فقلت:
أبا حكم واللّه لو كنت شاهدا ** لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمدا ** رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
أبا حكم واللّه لو كنت شاهدا ** لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تشكك بأن محمدا ** رسول ببرهان فمن ذا يقاومه
قالوا ولما كان عام الفتح وكان رسول اللّه عائدا من غزوة حنين بالجعرانة،
إذا بصائح يصيح يا رسول اللّه، حتى انخرط في كتيبة الأنصار وهو ينادي يا رسول أنا سراقة بن مالك، وهذا كتاب عهدي منك
إذا بصائح يصيح يا رسول اللّه، حتى انخرط في كتيبة الأنصار وهو ينادي يا رسول أنا سراقة بن مالك، وهذا كتاب عهدي منك
فقال صلى الله عليه وسلم: «أدنوه، فهذا اليوم يرى وفاء»، وقال له «إن وعد الحرّ دين»، فأسلم وحسن إسلامه وحظي بسواري كسرى زمن خلافة ابن الخطاب، وأخبر بأن هذا مما أخبره محمد صلى الله عليه وسلم بهما عام الهجرة. فهي من معجزاته صلى الله عليه وسلم.
جاري تحميل الاقتراحات...