ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

29 تغريدة 212 قراءة Apr 04, 2023
لقد تبت عن الشعر، هكذا قالها أحد أفذاذ الشعر النجدي في العصر الحديث، ومضى بعيدًا إلى فصام نفسي لا ينتهي، إنها قصة الحب والفقد والاغتراب، نخطها ها هنا كي نُذّكر بشاعرٍ فذ لم يلق حظه من التقدير أو التذكر.
حمد الحجي
حياكم تحت🌹
سكون البلدة يطغى على كل ما سواه، يقطعه من حين لآخر ركض الأطفال وصيحات لهوهم، بينما حمد ابن الخمسة أعوام منفض عن كل هذا ومتجه كما العادة لمدارسة القرآن، لقد كان فيما سبق يتردد على كتاب الشيخ ناصر بن دايل، لكنه الآن في كنف شيخ جليل آخر هو عبد الله بن مشرف.
في ذات الأثناء تتناهى إلى أسماع أهل البلدة كثير من الأخبار المُفرِحة عن ذلك النفط الذي تم اكتشافه في جبل الظهران والذي سيغير كثيرًا من أوضاع الناس وحيواتهم، لكن رغم تلك الأخبار لا يزال الواقع صعبًا وكفاف العيش هو السائد، وانتشار الأمراض يفتك بكثيرين.
ولد حمد في بلدة مرات من العام 1938 لأب يهوى الشعر العامي ويجيده، فهو من حاضرة هذيل المعروفة باللغة والبيان، والتي عنها قديمًا أخذ الشافعي لغته وفصاحته، دفع نبوغ حمد واستظهاره الطيب للقرآن شيخه ومن خلفه أبيه إلى اصطحابه إلى مدرسة مرات الإبتدائية آملين التحاقه بها.
أجري للفتى الصغير اختبارا مبدئيا لمعرفة مستواه فيما بعد الكتاتيب، وبناء على نتيجة الاختبار تم إدراجه مباشرة ضمن الصف الثالث، ليباشر من هذا الموقع مسيره في التعليم النظامي، في وقت كانت النهضة التعليمية ترسم أولى خطواتها من حيث الانتشار على مستوى المملكة.
طفولة شائقة بلغ فيها حمد قمة ما يتمنى أحدهم من سعادة، ففي كنف أمه عاش، ووسط إخوانه وأترابه لهى ومرح، ولتلك البلدة الصغيرة انتمى وتجذر، وبينما كل هذه الأجواء تحفه وهو في التاسعة من عمره، كانت الصدمة الكبرى التي قلبت حياته وأخرجته من ثوب الطفولة إلى حد الألم، لقد ماتت أمه!
تيتم حمد مبكرًا، انفض عنه ذلك الركن الركين الذي لطالما مال إليه واستند، موت الأم مؤلم أي ألم، لكن الألم أضعاف أضعاف ما نتخيل لطفل صغير أمه بالنسبة إليه هي بداية العالم ومنتهاه، عرف الصغير معنى الفقد مبكرًا جدًا وعرفت الدموع طريقها إلى أخاديد وجهه البريء.
إلى بيته عاد وانضوى تحت ظلال من أبيه وأنس من أخويه، منتظمًا في صفه متجاوبًا مع مجريات الدراسة وموادها المختلفة، لكن الصدمات مستمرة في ملاحقته رغم بداءة عمره، إنه الموت مرة أخرى ينتزع هذه المرة أخويه واحدًا تلو الآخر، وهو بموازاة ذلك يتملكه الذهول ويستبد به الألم.
البيت لا أنيس فيه ولا رفيق، فقط ذكريات ثقيلة تبعث في نفس الصغير حزن لا ينقطع، أمر حمل حمد أن يطلب من أبيه أن ينتقل إلى كنف أخته الكبرى في بيت زوجها، بالطبع وافق الأب المكلوم على الفور، وانتقل حمد إلى صفحة جديدة من حياته حظى فيها برعاية جمة من أخته الكبرى وزوجها.
ليست أحداثا على سطح حياة الصغير بل هي ندوب ووخزات لا مناص من بقائها طيلة العمر، رغم ذلك واصل الصغير دراسته معطيًا إياها جل جهده، وهو ما انعكس على نتيجته في الشهادة الإبتدائية التي تخرج فيها عام 1951، لقد استطاع حصد الترتيب التاسع على مستوى المملكة بعمومها.
تلك النتيجة المشرقة أهلته لأن تدعوه الرياض إليها، حيث التحق فيها بالمعهد العلمي، الذي قضى فيه مرحلتي المتوسط والثانوية، مغتربًا بذلك عن مرات وعن ذكرياته وعن أخته الكبرى، وحيدًا مهما تحلق حوله الأصدقاء، محرومًا من حياة أسرية اعتيادية متوفرة لأترابه.
في ظلال تلك الأجواء تفجر فيه ينبوع شعري، سلى من خلاله حمد عن ذاته، وعبر عن جمرة إحساسه وما يصطلي في داخله من آلالام واغتراب، فجاء شعره مطبوعًا سهلًا بعيدًا عن التكلف والصنعة، عبّر من خلاله عن نفسه، وسطَر به دررًا من القريض أدهش بها أساتذته وأهل الاختصاص.
واصل حمد مسيرته التعليمية فانضم إلى كلية الشريعة في الرياض عام 1957، وبرغم انتظامه في تلك الكلية إلا أنه غرق في كتب الأدب يقرأها ولا ينقطع عنها، لذلك لم يجد بُدًا من قطع طريقه بعد سنتين في كلية الشريعة والانضمام إلى كلية جديدة هي اللغة العربية حيث شغفه وما يتمناه.
خلال فترات دراسته الجامعية توقدت ذاته، ووصل بخط الإبداع إلى منتهاه، فخاطب عددًا من المجلات والدوريات الأدبية والتي رحبت بشعره وبشدة، إلا أن من حوله من الزملاء لم يكونوا كذلك مطلقًا، فقد راحوا لا يعبأون بما يعرضه عليهم من قصائد، بل ويسخرون من اهتماماته.
تلاقت صنوف الألم تنخر في قلب حمد، وهو بشعره وبقصائده العذبة يقاوم ويطيل أمد الانكسار، لكن في لحظة فاق الألم ورجع الذكرى الوصف، فخر حمدُ مستسلما واقعًا رغمًا عنه في براثن مرض نفسي، انفصمت فيه حالته وتشظت كزجاج طاله الصدم.
اشتدت بحمد التهيؤات والخيالات الفصامية وهو لا يزال في عامه الجامعي الثالث تحديدًا في سن الرابعة والعشرين، إذ انسحب كليا عن مظاهر حياته وأصبح الخوف مسيطرًا على حالته، وبدى متشككا في كل ما حوله، وأن الأخطار تحيط من كل جانب. فانقطع عن دراسته وصمت عن الشعر.
طريقًا شاقًا وصدمات طفولية زلزلت ذاته وظلت ترافقه وتتضخم وبجوارها جدت ضغوط حياتية جديدة أشد وطأة، كان أكثرها استشفافًا واستباطًا من واقع شعره، هو ذاك الحب الذي لم يكتمل، والذي لا يعرف عنه الكثير سوى موقع محبوبته في الطائف كما ذكر في شعره.
لكنه كان حبًا جارفًا خلف في نفسه كثير من الرماد، حبًا أذاقه الوهن وأتى على ما تبقى في قلبه من أمل، لقد كان الرجل يخشى الموت كما لا يخشى سواه، يرى في كل وردة ذبولا، وفي كل علاقة حب فراق وعذاب، لذلك لم يتعجل الخطى أبدا نحو الارتباط أو الزواج، وكلما اقترب اصطد وتناثر!
حاول أهله علاجه داخل المملكة بأن عرضوه أولا على الطب الشعبي الذي بالطبع لم يؤتِ ثماره، فأودع الحجي مستشفى الصحة النفسية في الطائف، لكن ازدادت حالته سوءًا،في مكان كان يسميه العامة مستشفى "المجانين".
بعد أن فشلت المستشفى في إحراز تقدم في حالته، بدأت أسرته في إرساله إلى الخارج من أجل العلاج، فسافر إلى الكويت وظل عاما تحسنت فيه حالته قليلًا، لكن بعد عودته ارتد عليه المرض ثانية بشراسة تامة، انتكاسة عجزت معها أسرته على إرساله ثانية إلى الخارج من أجل العلاج.
التفتت مجلة اليمامة التي كان ينشر فيها إلى حالته المتردية، فقامت بالتكفل بإعلان فيها يدعو الناس للتبرع من أجل علاجه، تسابق القراء للتبرع، لكن كان السبق للملك سلمان بن عبد العزيز (أمير الرياض حينها)، حيث تكفل بسفره للعلاج، فيما أمر له الملك فهد ببيت في الطائف
كان الحجي يستجيب للعلاج في معظم رحلاته، والتي شملت لندن والقاهرة ولبنان وإيران، لكنه لا يلبث أن ينتكس عائدًا لانفصامه، وهو ما جعله يختار بنفسه البقاء في المصحات من أجل العلاج، فقد كان واعيًا وبشدة لكل ما يجري من حوله لكن الخوف كان يكل نفسه أن تتلاقى مجددا مع حياته الماضية.
في إحدى رحلاته العلاجية من العام 1962 ووسط جبال لبنان وطبيعتها النابضة بالحنو خط رسالة وقصيدة مؤثرة إلى صديقه الشاعر محمد المشعان تحت عنوان "إذا ذكرت بلادي" يستذكر فيها نجد ومعالمها؛ قصيدة رائقة تثير في نفس من يقرأها شجونا وحنينا جارفا تجاه الوطن.
مكان صُبِغت كل أروقته بالسواد، إنه غازي القصيبي يصف إحدى المصحات التي قبع بها الرجل، حين زار الحجي ليطمئن عليه ويكسر وحدته، قال له ماذا عن الشعر، أجاب الحجي جف المداد، تلاطف القصيبي معه قليلًا وغادر يكسوه كل حزن المكان.
العنبر رقم 13 من مستشفى شهار للأمراض النفسية، يجلس حمد الحجي بين جمع من النزلاء، يفد عليه من بعيد بعض الغرباء، لقد اعتاد بين العام والآخر أن يلتقيه بعض من الصحفيين التواقين للاطمئنان عليه، لكنه رغم ذلك أبصرهم بارتياب وقال لهم ماذا تريدون؟! تم تهدئة روعه وانطلق معهم إلى صالة أرحب.
اعطني سيجارة، كان هذا هو الطلب الأكثر ورودا على لسانه، بينما إجاباته على الأسئلة كانت تنم عن ريبة وخوف من لقاء جديد مع المجتمع، "أنا متعب حقًا ومريض ولا يشعر بالجمر إلا من يطأه" "تلك الجدران التي شملتني لعشرين عامًا صارت جزءًا من تقاسيمي وشخصيتي".
أنا لا أكتب الشعر، وما كتبته سابقًا لا يعدو مجرد نظم، لقد تبت عن النظم والشعر منذ أمد بعيد، ولن أطأ أرضه مجددًا، لقد كان الشعر عذاباتي، وقد هجرت عذاباتي وصرت أصلي طويلا وطويلا، "الشعر في داخلي يعيش كسيحًا معصوب العينين"
هل تود أن تقول شيئًا أخيرًا لمن هم بالخارج؟! غرغرت عيناه بالدموع وقال؛نعم لابد أن يزوروني ويواسوني ويأخذوا بيدي في محنتي، أريد السفر إلى لبنان للعلاج، لقد اضمحلت في خيالي صور الأصدقاء والأحباب، لم أعد أتذكر إلا أثرا بسيطا من تلك الوجوه التي لطالما رافقتني .. قولوا للجاسر يزورني🥺
ظل حمد الحجي ملازما للمصحات النفسية لم يفارقها، وبجانب المرض النفسي الذي حاصر ذاته به، اجتمع عليه مرض في الرئة، وظل يزحف في جسده المرتاب إلى أن أصاب القلب، ليتنقل إلى الرفيق الأعلى عام 1989، ولتبقى قصائده أو بالأحرى عذاباته كما وصفها شاهدة على شاعر لن يتكرر.

جاري تحميل الاقتراحات...