دجوليــــــــــــوس
دجوليــــــــــــوس

@djolios

25 تغريدة 8 قراءة Apr 02, 2023
عن العدم العظيم
صمت آدم الغوريلا للحظات ثم قال بنبرة فيها شيء من المشاكسة الودودة:
- أنت تعرف أن هناك الكثير من الفلاسفة والمفكرين الذين بحثوا في شأن الله، ولم يصلوا إلى نتيجة، فإما يصلون إلى الإيمان الذي يحاول التعكز على العلم ولوي عنق الحقائق العلمية قسرًا كي تدعم إيمانهم،
أو التفلسف العقلاني الذي يقود إلى الإلحاد ونفي كل شيء، أو العكس، أي الاعتماد على العقل لإثبات وجود شيء..الخالق.. فماذا لديك أنت كي تضيف فلسفياً..؟
لم يتوقع آدم الأكويني هذا الاعتراض فقال موضحاً فكرته:
- كلامك دقيق. لكني أريد هنا أن ابتعد عن الفهم الفلسفي السائد تاريخيا وأتوغل في العلم وفي نظريات تشكّل الكون، والوصول إلى حافاتِ الكون، لكن في الحقيقة أن ما يشغلني هو سؤال لسفي،علمي،روحاني،وهو: ما الذي كان قبل الانفجار العظيم الذي يتحدث عنه العلم..؟
هذا ما لا يجيب العلم عنه ولا الأديان..! فالسؤال: إن الكون وفق طروحات العلم يتمدد والمجرات تبتعد بسرعة مهولة، فياتُرى ما هو ذلك الحيز الذي تتمدد فيه المجرات، هل هو مكان؟ هل هو فضاء؟ لأن فكرة التمدد تعني ثمة وجود آخر تتمدد فيه المجرات والكون،
وهو يحيط بالكون الذي نعرفه، أي ثمة وجود غير هذا الوجود المادي الذي نراه ونحسه!؟ وإذا ما كان كذلك فما هو هذا الوجود الذي في أبعاده يتمدد الكون؟.
بالتأكيد هو ليس وجوداً مادياً لأنه ليس جزءًا من الكون المادي..! وإذا ما اتفقنا مع العلم بأن الكون نشأ من إنفجار جسيم في الزمان صفروهو يحيط بالكون الذي نعرفه، أي ثمة وجود غير هذا الوجود المادي الذي نراه ونحسه!؟ وإذا ما كان كذلك فما هو هذا الوجود الذي في أبعاده يتمدد الكون؟.
بالتأكيد هو ليس وجوداً مادياً لأنه ليس جزءًا من الكون المادي..! وإذا ما اتفقنا مع العلم بأن الكون نشأ من إنفجار جسيم في الزمان صفر فهذا يعني ثمة عدم انبثق عنه هذا الجسيم وإلا لكنّا نسأل عن المادة أو الطاقة التي شكلت ذلك الجسيم!؟
وإذا ما عدنا لمفهو الحركة والقوة والفعل فثمة قوة فعلتْ وقامت بفعل الانفجار،لكن هذا يحيلنا إلى إشكال آخر، وهو الوجود من العدم..!؟ هذا العدم ليس عدماً بالمفهوم البسيط باعتباره لاشيء أو لا وجود، وإنما هو عدم عظيم ومفكر، لأنه وضع في داخل الجسيم كل القوانين التي شكلت الكون في ما بعد،
يعني نقترب مرة أخرى من سبينوزا في الحديث عن الجوهر الحر..! العدم العظيم، والذي هو بالنسبة له "الله" الذي تتحدث عنه الأديان..!.
كان آدم الغوريلا ينصت إلى صديقه وقد توقدتْ عيناه بالتأمل وقال:
- لكن هذا ليس بطرح جديد، فكل المتصوفة بل والفلاسفة الإغريق قالوا ذلك،ثم إن هذا هو الله عند سبينوزا وعند آينشتاين أيضاً..
- نعم..نعم..لكني لا أريد القول بأن الوجود انبثق من العدم، بل إن هذا الوجود ليس مضادًا للعدم،
وإنما هو أحد تجليات العدم وهو جزء منه، أي أن الوجود جزء من العدم وأحد أبعاده، وهذا العدم العظيم هو الله، وأن الوجود أحد تجليات الله وهو ليس منفصلًا عنه،لأننا لو قلنا إن الله كامل ومطلق وأسقطنا الوجود عنه فإنه "الله" لن يكون كاملًا ومطلقًا وإنما سيكون ناقص الكون والوجود!!
وبما إن الكون يتمدد فهذا يعني أنه يجرف ويلتهم هذا الجوهر المطلق! وهذا غير ممكن لأننا نلغي عنه الإرادة المطلقة التي أوجد بها الكون!. لكننا لو اعتبرنا أن الكون هو أحد أبعاد الله أو العدم جزء منه فإننا سنكون في قلب الله وسنتوحد به من خلال الوجود..!!
لأن السؤال الذي أود البحث فيه لم تجب عنه الأديان بل طرحته الفلسفة لكنها مع ذلك لم تجب عنه بيقين وإنما بالإيمان، بينما منذ عقود يسعى إليه العلم وهو: ماذا كان قبل لحظة الخلق؟ ماذا كان قبل النور والظلام؟ وماذا كان قبل لحظة الانفجار العظيم!؟
ماذا كان قبل وجود الوجود؟ هنا سنواجه العدم، العدم الغامض المفكّر، الروح المطلق أو العقل المطلق كما عند هيغل أو الجوهر الحر كما عند سبينوزا!.
كان آدم الغوريلا ينظر إلى صديقه نظرات مليئة بالتأمل والمودة، فقد بثَّ هذا الحديث بعض الحيوية في روحه المنكسرة، فقال:
- لكن تأكيدك على أن الله هو عدم يبعث على الحيرة، فكيف هو عدم وكيف هو عقل مطلق..؟
صمت آدم الأكويني للحظات وتوهجت ملامحه ونظراته لأن السؤال يتيح له أن يفيض في توضيح فكرته، فقال بنبرة عميقة وحيوية:
- هو عدم مفكر..عدم عظيم ومطلق..هو أشبه بجوهر الفكر. هل يمكننا أن نمسك بجوهر وبطبيعة الفكر وتجسيده المادي ونحن نتحدث الآن عن أشياء عميقة عن الكون والمجرات والوجود والعدم، بينما كل هذا يجري في دماغنا..؟ هل التفكير والفِكر بحد ذاته وفي جوهره هو إفرازات مادية للدماغ..؟
هل هو تيارات طاقة..؟ ما هو جوهر التفكير!؟ إنه لا مادي ولا علاقة له بالدماغ مع العلم هو نتاجه..!! إن الفكر والمعادلات الهندسية والكيماوية والرياضية والطروحات الفلسفية التي تجري في ذهننا ليس لديها جوهر مادي،
وفهمي للعدم هو هكذا، هو عقل مطلق وروح مطلق، لا تجسيد مادي له، وإنما الوجود هو فعل إرادته وقوته..!
- لكننا حتى لو افترضنا ذلك صحيحا وقبلنا به فأننا سنواجه السؤال الأزلي: من أوجد هذا العقل المطلق والروح المطلق؟ ومن أين جاء؟
صمت آدم الأكويني للحظات ثم واصل:
- هذا ما تحدث عنه بونافنتورا في ردّه على يوحنا الدمشقي وأوغسطين، بأنه يمكننا إدراك الله لكن لا يمكننا الإحاطة به، بل أعوأنا لتوما الأكويني الذي كثيرًا ما أكّد بأن القول بوجود الله ليس واضحاً بذاته، لكنه مع ذلك قدّم برهان الحركة،
وهو إن الكون في حالة حركة، والحركة هي انتقال من حالة القوة إلى حالة الفعل، إذن لا بد له من محرك لا يتحرك. الوجود يتحرك والعدم ساكن..!.لكني بعد كل هذه السنين من البحث الفلسفي والعلمي والديني وصلت إلى اللا أدرية
. أنا مؤمن بوجود الجوهر الحر، بوجود العدم العظيم المفكر، ومؤمن بأن هذا الوجود أو الطبيعة أو الكون ليس سوى نفحة من نفحات قدرته، وتجلٍ لإرادته كما يقول سبينوزا، وهذا الوجود هو متلاحم بالعدم ومظهر له!. أما من أين أتى هذا العدم فهذا ما لا أدركه أو أحيط به..
لا أدري..هو وحده يعرف سرّ ذاته..!.
ما إن صمت آدم الأكويني حتى أخذ آدم الغوريلا يسكب النبيذ في قدحيهما، ورفع كأسه وهو يبتسم لصديقه:
- مع أنك لن تجيب على السؤال: من أين أتى هذا العدم العظيم الذي أقبل تفسيرك له، لكني أجد ذلك يفتح الأفق للسؤال عن جوهر هذا العدم! إذ لم يعد الوجود هو مشكلتنا وإنما العدم، وهذه بحد ذاتها خطوة فكرية للأمام..( وبمزاح)..ممتاز.
.هذا من ثمار حادث الاصطدام بالسيارة، لكن ما قصة اتصال الشخص الميت!!.
فوجئ آدم الأكويني بهذا القطع لحديثه الفلسفي الذي كان مستعدًا أن يسهب فيه لساعات، لكنه سرعان ما انتبه إلى أن صديقه ليس في حالة استعداد كامل للخوض معه في نقاش، فقال له مستجيبًا لسؤاله:
من حوارات " متاهة العدم العظيم"
#مزامير_الوعي

جاري تحميل الاقتراحات...