20 تغريدة 7 قراءة Apr 02, 2023
إعادة نشر لمكتوب في عام سابق:
فِي العتَبَةِ الخَامِسة والعِشرِين.
(1998/4/1م)
محاوَلَة، بَحثًا عَن سردٍ جَديد لِلهُوِيّة:
1-
إنّ أكثرَ مَا يُثيرُ القَلقَ حولَ الكَيفِيّة الّتي تتخلّقُ بِهَا هويَّتُنا الشخصِيّة هوَ أنّهَا تفعلُ ذلِكَ دونَ وعيٍ كامِلٍ منّا لذلِكَ التخلُّق، أَو
-وذلِكَ الأخطَر- بوعيٍ زائِفٍ لَا يعكِسُ مَا يحدثُ حقِيقَةً، فنحنُ نتغيَّر ولَا نعلَمُ أنّنَا نتغيّر، ونتغيَّرُ ونتوهَّمُ أنّنَا نتغيَّرُ نحو شيءٍ، فيمَا نحنُ نتغيّر نحوَ شيءٍ آخَر.
2-
ظلّ سُؤالُ "الثّابت والمتغيِّر" يشغِلُ مكَانًا مركزِيًّا عبرَ تارِيخِ الفلسَفَة، ومنذُ صرَّحَ هيرقليطس في القِدَم البعِيد بأنّ "كلّ ما هوَ موجُود، فهو يتغيّر" ظلّتِ الفَلسفَة تبحَثُ عَن ذلِكَ الثّابِت الذي تستطِيعُ أن تتّكِئَ علَيهِ كَي يستمرَّ وجودُهَا.
أكّد هيرقلِيطس في أشهَرِ شذرَاتِه أنّنَا "لَا نستطِيع أن ننزِل نفسَ النهرِ مرّتَين"، مُشيرًا لأنّنَا حينَ نَنزِله للمرّةِ الثانِيَة لَا نَنزِلُ نفسَ الميَاه، ولَا نفسَ التربَة، ولَا حتَّى نفسَ المجرَى النهرِي، ولكِن لعجزِنَا أن نُلَاحِظ الفرقَ بينَ الماءين -التي جرت، والتي تجري
في اللحظة- ، ولعجزنا أن نلاحِظَ الترَابَ الذِي تحرّك واستعمَرَ مكانَه ترابٌ آخَر، ولعجزنا أن نُلَاحِظ التّغير في المجرَى نتِيجَة التآكُل الّذي يصيبُه = فنحنُ نظنُّهُ نفسَ النهر.
أروَاحُنَا كالأنهَار، بِهَا عنَاصِر تتغيَّرُ مع مجرَى الزمَن، لكنَّهَا أكثَرُ عدَدًا وأدقُّ مَلمَحًا، لذلِكَ -كمَا عبّر الكثِيرُون- لَم تكُن الحِكمَة الحقِيقِيّة فِي شذرَة هيرقلِيطِس متّصِلَةً بالتغيُّرِ فِي النهرِ فقَط، بَل لَا يستطِيعُ المرءُ النزُولَ لنفسِ النهرِ مرّتَين لأنّه
يغدُو في المرّةِ الثّانِية شخصًا آخَر، تتغيَّرُ موَارِدُ رُوحِه بتغيُّرِ شعُورِه وأفكَارِه ومبَادِئِهِ المُختلَفَة، وتتعرَّضُ -مِثلَ النهرِ- لِعوَامِل التعرِيَة والانحِسَار، و -كَمِثلِ النهرِ أيضًا- تنمُو في حوَافِهِ وأعمَاقِهِ مُختَلَفُ أنوَاعِ المَوجُودَات.
3-
"ولمَّا كانَ نقصُ الكَينُونَة جِبِلَّةً في المَرء، جعَلَ هذَا النقصُ مِن التعلُّقِ سَبِيلًا لإتمَامِ كَينُونَتِه"
"فَالكَينُونَة موضِعُ المرءِ فِي نسيجِ الزمكَانِ الّذِي يُفصِحُ فِيهِ عَن ذَاتِه"
-سفيان ناصر الله.
4-
"فِي البَدءِ كانَ السَّرد"
-الطيب بوعزة.
5-
بِقَدرِ مَا تبدُو فكرَة أنّنَا كَبَشر كائِنَات عاقِلَة لهَا ذوَات صَلِبَة جوهَرِيّة تتحَكّم فِي تصرفَاتِنَا ومشاعِرِنَا فكرةً مُرِيحَة، فهِي للأسَف خَاطِئَة جِدًّا.
نحنُ لَا نجِدُ مَعنَى لأسمَائِنَا بدُونِ أَن نربطَهَا بسردية/قصة نحكِيهَا عَن أنفُسِنَا مِن محصُولِ مَا
تَنتقِيهِ ذكرَيَاتُنَا عنِ المَاضِي، فِي هذهِ السردِيّة/القِصّة تجِدُ هويّاتُنَا -وذاكِرتنا- المِهَاد الّذي يسكُنُ بهِ قلقُهَا الجَامِح. ألَم يتسَاءَل محمد عبدالباري مرةً:
"وكَيفَ تلبَسُنَا أسمَاؤُنَا.."
ألَيسَت الرِّوَايَة والفِيلم -كأدوَات للسرد- أبلغُ أثرًا علَى هويَّاتِنَا مِن غَيرِهَا من المعلُومَاتِ المجرّدَة؟ ألَا نشعرُ بأنّ شخصِيّة من الفِيلم/الروايَة المؤثر/ة الّذِي شاهَدنَاه/قرأنَاهَا دَومًا تسكُنُنَا بعدَ نِهَايَة مشَاهَدَتنا لسردٍ مؤَثِّر، ثُمّ نعيدُ تقيِيم هويّاتِنَا
بعد ذلَك بقَلِيل؟
ألَسنَا فِي المُحَصِّلَة نبحَثُ عَن سردٍ جَدِيد بعدَ أن أصبَحَ القَدِيم مَعِيبًا لَا يصلُحُ لنَا؟
6-
مَهمَا يكُن مِن شيء، فالإنسَان الفَاضِل مَهمَا فقدَ مِن مُمتلَكَاتٍ فهو سيبقى يحتَفِظُ باثنَتَينِ: حريّتهُ الداخلِيّة، وقدرَته على القصديّة.
يندُرُ أن تحدُثَ التغيّرَاتُ الكُبرَى فِي حيَاتِنَا فجاءَةً، وحتّى تِلكَ التِي تبدُو كذلِكَ فمَا هِي إلّا نتَائِجُ تغيُّرَات كثِيرَة حدثَت دونَ أَن يعِيهَا الفَرد، ثمّ يحدُث الانفجَار الّذي ينقُلُ هذهِ التغيّراتِ للوَعي، فيظنّ المرءُ أنّهَا وقَعَت دفعةً وَاحِدَة.
فِي يدِنَا أن نحتَفِظ بحرّيَتِنَا بأن لا ندعَ موجَ الزمَان يحمِلَ سردَنَا عَن أنفسِنَا مَدًّا وجَزرًا كَمَا يتّفِقُ لمحيطِنَا الاجتمَاعِيّ، بأن لَا ندعَهُم يصِيغُوا كينُونَتَنا كمَا يرغَبُون.
وفِي يدِنَا أن نركّز انتبَاهَنَا علَى تِلكَ التغيّراتِ الصغِيرَة التِي تحدُث داخِلَنَا، وأَن نُحَدِّدَ الصالِحَ والطالِحَ مِنهَا، وأَن نختَارَ أينَ نُوَجّه فِعلَنَا وعَاطِفَتَنَا وأفكَارَنا = لتَظَلَّ عمَلِيّةُ تخلُّقُ هويّاتِنَا ذاتَ قدرٍ كافٍ من الحريّةِ والفَضِيلَة.
7-
كَمَا شئتَ فتّش .. أين أُخفي حقَائبِي
أتَسألُنِي مَن أنتَ؟ .. أعرِف واجِبي
أجِب ، لا تحَاول، عُمركَ ، الاسمُ كاملًا
ثَلاثونَ تقرِيبًا … (مُثنّى الشوَاجِبي)
نعَم ، أين كُنتَ الأمسَ؟ كُنتُ بمَرقَدي
وجُمجُمَتي فِي السجنِ، فِي السوقِ شَارِبِي
رحلتَ إذًا ، فِيمَ الرحيلُ؟ أَظنّهُ
جَدِيدًا ، أنَا فِيهِ طَريقِي وَصَاحِبي
إلَى أَينَ؟ مِن شعبٍ لثَانٍ بِدَخِلي
مَتَى سوفَ آتِي! حِينَ تمضِي رَغَائِبِي
جَوازًا سِياحِيًّا حَملتَ؟.. جِنازَةٌ
حَملتُ بجلدي ، فَوقَ أيدِي رَواسِبِي
مِنَ الضفة الأُولَى ، رحلتُ مُهَدّمًا
إلَى الضفةِ الأُخرَى ، حملتُ خَرَائِبِي
مَرَاءٌ غَريبٌ لَا أعِيهِ … و لَا أنَا
مَتَى سوفَ تَدرِي؟ حِينَ أنسَى غَرَائِبي
-البردّونِي.

جاري تحميل الاقتراحات...