جنايات
جنايات

@JJinayat

18 تغريدة 1 قراءة Mar 31, 2023
لماذا يجب على المحكمة إبطال إجراءات القبض والتفتيش إن قامت بها جهة الضبط بدون إذن النيابة العامة؟ حتى إن افترضنا أنّ رأي المحكمة أنّ البطلان يمس إجراء غير جوهري-وهذا غير صحيح- فإنّها ستبرر ذلك حينها بأنّ الإجراء قد حقق غايته النظامية وهي جمع أدلة إثبات أو نفي على جريمة مرتكبة،
ولكن جمع الأدلة شيء يختلف عن خلق الجريمة، ونبرر في الآتي كيف يكون هذا: نوضّح بدايةً أنّ استعمال السلطة أو التعدّي على حريّات الآخرين هو أمر محرّم في الشريعة الإسلامية،
ومجرّم وغير قانوني وفق النظام الأساسي للحكم كذلك (م36) كما ورد حظره في قانون الإجراءات الجزائية (م2)، وبالطبع يعتبر استعمال السلطة سبب إباحة، ولكن استعمال السلطة يجب أن يكون مقترن بحسن النيّة، على أنّ سبب الإباحة يُنتج أثره سواء علم به من توفر فيه أو لم يعلم (في الأصل)
ولكن لمّا اقترنَ استعمال السلطة بالتعدّي على حريّات الآخرين، كان لزاماً أن يتوفر فيه (حسن النية)، ونبرر ذلك في كون إجراء القبض والتفتيش يقوم به رجل الضبط الجنائي مُستهدفاً اتباع القانون الذي يضمن للأفراد حريتهم، فإنْ هو تجاوزها مُتجاوزاً قصد القانون من وضعها، كان سبب الإباحة
غير متوافراً في حقه، إذ انتفى الغرض النظامي من تقرير سبب الإباحة لرجل الضبط وهو تنفيذ أمر القانون مع ضمان حرية الأفراد ألا يُتعدّى عليها إلا بما ينص عليه القانون.
فإن لم يرد أمر من الجهة المختصة بالتفتيش، والأمر الوارد من مرجع رجل الضبط الجنائي بالتفتيش أو قيامه به في حالة توهم التلبس يعفيه من التأديب، ولكن لا يعني ذلك صحة الإجراء، إذ لا ينصرف الأمر الباطل إلى إضفاء المشروعية على التفتيش ذاته، وإذا قلنا بعدم وجود أمر من الجهة المختصة
معنى ذلك احتمال اصطناع الجريمة أصلاً، أو دسّ محل الجريمة إن كانت حيازة لأي شيء يجرّم القانون حيازته، لأنّ حينها سيكون رجل الضبط قد قام بالفعل من نفسه دون رقابة على أفعاله، وهذه الرقابة قد قررها النظام لحماية الأفراد بغير تمييز، نظراً لما أعطاه من سلطة في يد جهات الضبط
وهذه الرقابة تتمثل في استيفاء الشكليّات التي نص عليها المنظم من وجود إذن التفتيش ذاته، وذكر اسم الشخص المُفتيش، وتسبيب أمر التفتيش، وحضور بعض الأشخاص أثناء تنفيذ التفتيش، فعدم وجود الإذن ذاته، شُبهة لا ينبغي إغفالها لافتعال الجريمة إذ لم يُسلَك في إثباتها الطريق النظامي،
إذاً إبطال إجراء الضبط والتفتيش ضمانة لحريّات الأفراد التي قد يُعتدى عليها، ويترتب عليه كذلك التفسير الضيّق لحالات التلبس إذ هي استثناء وينبغي التأكد من وجود هذا الاستثناء كما وصفه القانون، فليس الادعاء بوجوده كافٍ ولا توفر ركن له كوقوع الجريمة كافٍ، بل يجب أن يكون موجود فعلاً.
ومعنى الوجود الفعلي له أي التحقق من توافر أركانه القانونية والواقعية، فمثلاً إنْ نتَج عن تفتيش مخدرات أن لقيَ رجل الضبط كاميرا ففتحها-أقصد تشغيلها- عندها يكون الدليل الناتج عن فتح هذه الكاميرا غير قانوني، إذ التفتيش عن مخدرات ولا شيء يدعو لأن تكون الكاميرا محلاً للمخدرات
فلم تتوافر حالة تلبس، ولم تكن الكاميرا دليلاً قد يُستمد منه حيازة المخدرات ذاتها، وهذه الضمانة قد نصت عليها المادة الثالثة والثلاثون من اللائحة على أن يُذكر في محضر التفتيش «الأحوال التي صاحبت اكتشاف هذه الأشياء» فيستطيع منها القضاء مراقبة مدى صحة إجراء التفتيش في ضبط الموجودات.
وإنْ كان الإشكال لدى البعض في نص المادة (190)من نظام الإجراءات الجزائية، التي لا ترتب على بطلان الإجراء السابق بطلان الإجراءات اللاحقة عليه إن لم يكن مترتبة عليه، فذلك يؤيد حديثنا، إذّ أنّ كل ما يقرره هذا النص هو حصانة للإجراء اللاحق، لا علاقة به بإجراء باطل أصلاً أو ثبت بطلانه.
فإجراء التفتيش إنْ ثبت بطلانه تعيّن إبطال الأدلة الناتجة عنه لشبهة سوء النية كما ذكرنا ولكون ذلك يرتبط بقرينة أصل البراءة وبقاعدة الشك يفسر لمصلحة المتهم، ولا يوجد في نصوص النظام ما يدعو إلى الأخذ بالدليل الناتج عن إجراء باطل، ويلجأ بعض المحامين إلى عدم الاعتداد بهذا الدفع
رغم أنه صحيح وموافق للنظام، وعدم أخذ المحكمة به لا يعني عدم صحته، بل هو خطأ المحكمة في تطبيق القانون، ولكن قد يكون الدليل الذي أخذت به المحكمة وبنت منه اقتناعها لا علاقة له بالتفتيش،
بل هو دليل آخر قد يكون اعتراف المتهم، أو ثبوت إيجابية تحليل المتهم للمخدرات، إذ أنّ ضبط المادة المخدرة ليس ركناً في جريمة التعاطي بل هو دليل عليها، وللمحكمة أن تبني قناعتها من أية دليل يوافق القانون ومنتج في الدعوى، طالما كان هذا الدليل ليس ناتجاً عن إجراء ثبت بطلانه.
فهذا الاعتراف أو التحليل لم يكن مبنياً ل على التفتيش ويجوز أنْ تتم محاكمة المتهم بناءً على هذا الاعتراف أو أية دليل آخر طالما لم يُستمد من الإجراء الباطل كشهادة مُجري التفتيش. وهذا مثال على (م190) من نظام الإجراءات الجزائية.
ويجدر الإشارة إلى نقطة مهمة، أنّه في حالة طلب رجل الضبط من المشتبه به تفتيشه أو أمره فاستجاب المشتبه به أو المتهم للتفتيش دون معارضة، فقد يؤخذ التفتيش هنا على أنّه تفتيش رضائي، والتفتيش الرضائي لا داعي لأن يستند على إذن، لأنه من قُررت له المصلحة قد تنازل عنها.
هذا والله أعلم.

جاري تحميل الاقتراحات...