محمد الهمزاني
محمد الهمزاني

@mhamazni

48 تغريدة 166 قراءة Mar 29, 2023
خرج عبدالرحمن ذو الثمان أعوام في أواخر الخمسنيات الهجرية من بلدته (رغبة) ميمما وجهه شطر العاصمة الرياض، طفلا ريفيا يتيما، في رحلة شاقة على عمره، استغرقت يومين وليلتين على الجمال، في دروب الصحراء الموحشة.
تعرف معي على عبدالرحمن أول من أدخل الكمبيوتر للسعودية..
كانت الرحلة إلى الرياض برفقة جدته التي لا تفارق صورتها مخيلته. ويقول عن هذه الرحلة: (أذكر أن الوقت صيفا والرحلة متعبة جدا، وخفف من مشقتها جدتي وزوجة عمي محمد، ثم بدأ العد التنازلي للوصول عندما لاحت لنا معالم الرياض من بعيد، وأخذ القلب يخفق بشدة، إنها نقلة كبيرة من قرية صغيرة إلى…
هذا هو عبدالرحمن بن علي الجريسي الذي ولد بعد سنة السبلة بثلاث سنوات، العام 1351 ـ 1932م حسب ما أخبرته والدته وبعض أعمامه وعماته.
يصف الجريسي الحياة في بلدة (رغبة) في منتصف القرن الماضي، بأنها قاسية جدا، لكنها امتازت ببساطتها، ومجتمعها يعتز كثيرا بدينه، ويتمسك بعاداته وتقاليده الأصلية.
سلسلة تغريدات نقتبسها من كتاب (الجريسي) لمؤلفه الدكتور خالد بن عبدالرحمن الجريسي، والذي يحكي قصة والده رجل الأعمال.
ينتمي الشيخ عبدالرحمن الجريسي إلى أسرة كريمة أبرز رموزها الأمير علي بن محمد الجريسي الذي تولى إمارة بلدة (رغبة) في عهد الإمام محمد بن سعود رحمه الله، وكذا ابنه الأمير خالد.
سرعان ما افتقد عبدالرحمن الجريسي عماد أسرته والظل الذي كان يفترض أن ينمو في حجره ويفيء إليه. (ليس لدي ذكريات مشاهدة لوالدي رحمه الله، فقد توفي وأنا ابن سنتين. كنت دائما أرسم له صورة في مخيلتي وأبحث في وجه جدتي (مهرة) وعمي محمد عن ملامحه).
يقول: بعد وفاة والدي وأنا عمري حينها سنتين، قررت والدتي (هيا بنت ناصر الجديد) رحمها الله، الانتقال إلى منزل والديها في بلدة (ثادق) القريبة من (رغبة)، بعد قضاء مدة العدة.
ويضيف.. أصرت جدتي لأبي أن أبقى عندها، وعشت في رعايتها ما يقارب سبع سنين، أنعم بدفء حنانها وحزم تربيتها. لقد كانت جدتي أهم شخصية في حياتي، فهي أبا ناصحا وأما رؤوما وحجرا دافئا لروحي، وملاذا آمنا لنفسي.
توفيت جدتي وكان عمري يقارب عشر سنوات، وكانت وفاتها فاجعة جديدة، لقد لاحقني اليتم ملاحقة الخصم لخصمه، ومات والدي وعمري سنتان، وهاجرت والدتي لأهلها ولم أعد أراها إلا في أوقات متباعدة، فكان يتما على يتم.
إن السنوات الثمان التي أمضاها عبدالرحمن الجريسي في (رغبة) كانت ملأى بالظروف القاسية، لكن تلك البيئة قد أكسبته قوة ومناعة، وأسهمت في بناء شخصيته ونضجه مبكرا.
عندما وصل عبدالرحمن للرياض توجه برفقه جدته فورا إلى بيت عمه محمد، والذي كان بمثابة الأب والسند والمعين بعد وفاة والده، (فقد أحببته حب الابن لأبيه).
التحق عبدالرحمن الجريسي في بداية تعليمه في الرياض بالكتاتيب، ثم لاحقا التحق بالمدرسة التذكارية وهي أول مدرسة نظامية في عهد الملك عبدالعزيز يرحمه الله، وأتم حتى الصف الرابع ورفع إلى الخامس وعمره حينها 14 عاما.
عمل في البداية لدى الشيخ عبدالعزيز بن نصار من أهل (البير) إحدى القرى القريبة من بلدة (رغبة)، وكان يبيع الأواني المنزلية في قيصرية ابن سيار مقابل محراب جامع الإمام تركي، وكانت هي بداية معركة الحياة ومنها كان المنطلق، حيث كانت المنافسة مع شاب آخر يعمل في الدكان وهو حضرمي.
لم يقتصر عمل الجريسي مع الشيخ عبدالعزيز بن نصار في الدكان، بل امتد إلى السكن والعمل في بيته، يساعد في تقديم الطعام وإعداد القهوة والشاي، والقيام بواجب الضيافة لزوار الشيخ. وكان يحصل على الطعام والشراب وكسوة ثوب جديد كل عام وأحيانا ثوب في موسم الحج.
بدأت خبرة الجريسي تزداد تدريجيا بالتجارة وبأمور الحياة عامة، حتى الدكاكين المجاورة صار يتأملها ويستكشف ما تضمه في جنباتها من ألوان البضائع.
يقول عبدالرحمن الجريسي: (عزمت على ترك العمل عند ابن نصار بعد انقضاء ثلاث سنوات، وكنت حريصا على ألا أضر بالشيخ أو أسبب له أي إزعاج.. ولم أكن أعلم عن الراتب شيئا إلا عندما قام الشيخ بتصفية مستحقاتي والبالغة 720 ريالا وبأجر شهري عشرون ريالا).
ويضيف الجريسي: (استلمت المبلغ كاملا، ولكن الطريف في الأمر أنني لم أنفق منه فلسا واحدا، إذ اقترضه مني أحد أقربائي ثم لم يتمكن من رده لي وسامحته حيا وميتا).
وبعد أن ترك الجريسي العمل لدى ابن نصار عرض عليه ابن عمه محمد الجريسي مشاركته في عمل مستقل من خلال نقل البضائع بين الرياض ورغبة والقصب وشقراء، وبخاصة تجارة الملح، حيث إن ابن عمه لديه سيارة فورد موديل 1946.
ويقول الجريسي: (وافقت على الشراكة مع ابن عمي، وشرط علي أن يبقى هو في عمله وأتولى وحدي إدارة العمل التجاري على أن نقتسم الربح معا، واتفقنا على استئجار محل لبيع الأدوات المنزلية في قيصرية (أشيقير).
ويصف عمله الجديد: (عشت مشاعر جديدة خلال ست شهور لم أعشها طوال ثلاث سنوات عند ابن نصار، وهو شعور بالاستقلالية والخصوصية مشوبا بالمسئولية الكبيرة).
لم يكن المحل يبعد عن دكان ابن نصار سوى أمتار معدودة، وكان يزور الجريسي لتشجيعه والاطمئنان على أحواله. كان لدى ابن نصار فراسة وذكاء ليعرف ما يعانيه الجريسي وثقل ما يتحمله وحده.
فاجأ ابن نصار الجريسي بأن طلب منه أن يعود للعمل معه مرة أخرى، فطلب الأخير أن يستأذن من شريكه ابن عمه لتصفية شراكتهما، ثم عاد إلى عمله السابق.
وكانت المفاجأة في عمل الجريسي الجديد، أن زاد ابن نصار راتبه من 20 ريالا الذي كان يتقاضاه سابقا إلى 60 ريالا شهريا، وهي قفزة كبيرة غير متوقعة وتحفيز للبقاء معه.
ومن ضمن الحوافز التي قدمها ابن نصار للجريسي ـ أيضا ـ أن أعطاه نسبة من الأرباح في المحل، الأمر الذي جعله يستمر في العمل الجديد ثمان سنوات، وخلالها شهدت الرياض تطورات كبيرة وتغيرات متسارعة.
تعتبر الثمان سنوات التي قضاها الجريسي في محل ابن نصار في المرحلة الثانية، مرحلة مهمة جدا من حياته، اكتسب خلالها الخبرات بالعمل التجاري والإداري خاصة وأنه وصل لعمر الخامسة والعشرون.
انتهت علاقة الجريسي بالشيخ عبدالعزيز بن نصار بعد أن أكمل أعوامه الثمان لديه، وتم تصفية حقوقه من الرواتب والعمولات والتي بلغت 27 ألف ريال.
المبلغ الكبير الذي حصل عليه عبدالرحمن الجريسي شجعه على أن يشارك الشيخ محمد المشعل في التجارة، ويبدآن بتأسيس مؤسسة بيت الرياض عام 1377 ـ 1958، بمبلغ أربعون ألف ريال لكل شريك دفع منها 27 ألف ريال والباقي تسترد أثناء العمل بالمؤسسة.
افتتحت مؤسسة بيت الرياض في شارع الوزير بجوار مركز الشرطة، وهي عبارة عن محل لبيع جميع ما تحتاج البيوت من أواني وأدوات منزلية. وخلال السنتين الأوليتين منيت المؤسسة بخسائر كبيرة.
يقول الشيخ الجريسي: (عرضت على المشعل أن نفك الشراكة بسبب الخسائر، لكنه نصحني بأن نستمر ونعتبر السنتين الماضيتين للتأسيس، ثم تحققت الأرباح لاحقا).
بدأت المؤسسة بالأرباح وتكسب سمعتها في السوق، الأمر الذي شجع الجريسي على السفر لدول أوروبا واكتساب مزيد من الخبرات بحضور المعارض الدولية المتعلقة بالتقنية والمنتجات المكتبية.
لم تمض سنوات معدودة من نجاحات (بيت الرياض) حتى ظهرت بعض المشكلات والخلافات بين الشريكان الجريسي والمشعل، والتي استمرت حتى العام 1968 بعد أن أخفقت كل جهود الإصلاح بينهما.
وحتى تنتهي المشاكل ولا تخسر المؤسسة سمعتها، عرض الجريسي على الشيخ المشعل أن يشتري حصة الأخير والبالغة مليون و800 ألف ريال منها 600 ألف ريال تدفع فورا وحالا والباقي أقساط لمدة 12 شهرا.
وبعد أن تم التسوية اشترط المشعل أحضار من يكفل الجريسي للتسديد، فكفله صديقه حمد الحنطي، لكن المشكلة كيف يتدبر مبلغ 600 ألف ريال حالا.
لم يجد الجريسي إلا صديقه مبارك باعارمة مدير البنك الأهلي في الرياض ذلك الوقت لعرض المشكلة عليه، والذي قال (حوله علي ولا تقلق) بشرط أن يسدد الجريسي البنك خلال ست شهور، وهي مجازفة ومغامرة من باعارمة.
تم تسديد البنك الأهلي وتم تسديد المشعل وأصبحت ملكية مؤسسة بيت الرياض كاملة للشيخ عبدالرحمن الجريسي وحده عام 1389 ـ 1969 .
طموح الجريسي كبير، فهو يسعى لأن يكون مثل تجار الرياض في المرحلة الأولى كالمقيرن والحقباني وأبناء ابن سيار ومحمد الجريسي والشقري وابن كليب والتخيفي وابن سليم، إضافة إلى التجار الذين جاؤوا من بعدهم مثل ابن نصار وسليمان الجاسر وابن منديل والملوحي.
كان الجريسي يعي أهمية إتقان اللغة الإنجليزية، فحرص على الاستعانة بدروس خصوصية حتى أتقنها وصار يتحدث فيها ويقرأ الخطابات أمام الآخرين، فأضاف هذه المهارة إلى حبه وشغفه بمادة الحساب.
لاحقا تحولت (بيت الرياض) إلى بيع الأثاث المكتبي، وبعد زيارة الجريسي للبحرين وشراء آلة حاسبة وبيعها بالرياض فورا بسبب الإقبال، بدأ استيراد الآلات المكتبية وأدوات رسم الخرائط وآلات النسخ.
أولى الوكالات التي حصل عليها الجريسي هي (ريكس روتاري) الدنماركية، ثم شركة (أولمبيا) الألمانية. أما النقلة الكبيرة الثانية بإدخال أجهزة الكمبيوتر إلى المملكة عن طريق شركتي (وانج) و(أبل ماكنتوش). وبذلك اتجهت المؤسسة للاهتمام بالتقنية المكتبية.
هكذا دخل الجريسي الأواني المنزلية ثم الأثاث المكتبية ثم الأجهزة المكتبية فالحاسبات وأخيرا دخل خدمات الأنترنت، ليصبح من أكبر رواد تقنية المعلومات والتجهيزات المكتبية.
امتاز الجريسي بالمرونة العالية بالتفكير، فقد بدأ تاجرا تقليديا في الستينات الميلادية يبيع ويشتري الأواني المنزلة، ثم في السبعينات يبيع الأثاث المكتبي والآلات والأجهزة المكتبية والكمبيوتر.
كما أنه دخل في التصنيع والاتصالات في الثمانينات، ثم أصبح من رواد تطوير نظم المعلومات في التسعينات، ولاحقا أصبح من أهم مزودي خدمات الأنترنت.
مسيرة حافلة بالنجاح وتحقيق الإنجازات، توجت بانتخابه نائبا لرئيس غرفة الرياض في الدورة (1409 ـ 1413)، وفي الدورة التي تليها أصبح رئيسا واستمر لعشرين عاما.
كان للشيخ عبدالعزيز بن نصار (يرحمه الله) دور كبير في احتضان الجريسي وهو صغيرا وتعليمه واكسابه الخبرات وزرع الثقة فيه.
تعلمه الإنجليزية وسفرياته للدول الأوربية أكسبته الكثير من الخبرات والعلاقات مع الموردين.
خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان يحفطه الله، دائما ما يدعم القطاع الاقتصادي ورجال الأعمال منذ أن كان أميرا لمنطقة الرياض.
شكرا للدكتور خالد بن عبدالرحمن الجريسي، الذي أمتعنا بكتابه عن والده العصامي الذي نشأ يتيما، وعاشا مكافحا صبورا حتى كون امبراطورية الجريسي.

جاري تحميل الاقتراحات...