خرج عبدالرحمن ذو الثمان أعوام في أواخر الخمسنيات الهجرية من بلدته (رغبة) ميمما وجهه شطر العاصمة الرياض، طفلا ريفيا يتيما، في رحلة شاقة على عمره، استغرقت يومين وليلتين على الجمال، في دروب الصحراء الموحشة.
تعرف معي على عبدالرحمن أول من أدخل الكمبيوتر للسعودية..
تعرف معي على عبدالرحمن أول من أدخل الكمبيوتر للسعودية..
ينتمي الشيخ عبدالرحمن الجريسي إلى أسرة كريمة أبرز رموزها الأمير علي بن محمد الجريسي الذي تولى إمارة بلدة (رغبة) في عهد الإمام محمد بن سعود رحمه الله، وكذا ابنه الأمير خالد.
يقول: بعد وفاة والدي وأنا عمري حينها سنتين، قررت والدتي (هيا بنت ناصر الجديد) رحمها الله، الانتقال إلى منزل والديها في بلدة (ثادق) القريبة من (رغبة)، بعد قضاء مدة العدة.
ويضيف.. أصرت جدتي لأبي أن أبقى عندها، وعشت في رعايتها ما يقارب سبع سنين، أنعم بدفء حنانها وحزم تربيتها. لقد كانت جدتي أهم شخصية في حياتي، فهي أبا ناصحا وأما رؤوما وحجرا دافئا لروحي، وملاذا آمنا لنفسي.
توفيت جدتي وكان عمري يقارب عشر سنوات، وكانت وفاتها فاجعة جديدة، لقد لاحقني اليتم ملاحقة الخصم لخصمه، ومات والدي وعمري سنتان، وهاجرت والدتي لأهلها ولم أعد أراها إلا في أوقات متباعدة، فكان يتما على يتم.
إن السنوات الثمان التي أمضاها عبدالرحمن الجريسي في (رغبة) كانت ملأى بالظروف القاسية، لكن تلك البيئة قد أكسبته قوة ومناعة، وأسهمت في بناء شخصيته ونضجه مبكرا.
عندما وصل عبدالرحمن للرياض توجه برفقه جدته فورا إلى بيت عمه محمد، والذي كان بمثابة الأب والسند والمعين بعد وفاة والده، (فقد أحببته حب الابن لأبيه).
لم يقتصر عمل الجريسي مع الشيخ عبدالعزيز بن نصار في الدكان، بل امتد إلى السكن والعمل في بيته، يساعد في تقديم الطعام وإعداد القهوة والشاي، والقيام بواجب الضيافة لزوار الشيخ. وكان يحصل على الطعام والشراب وكسوة ثوب جديد كل عام وأحيانا ثوب في موسم الحج.
يقول عبدالرحمن الجريسي: (عزمت على ترك العمل عند ابن نصار بعد انقضاء ثلاث سنوات، وكنت حريصا على ألا أضر بالشيخ أو أسبب له أي إزعاج.. ولم أكن أعلم عن الراتب شيئا إلا عندما قام الشيخ بتصفية مستحقاتي والبالغة 720 ريالا وبأجر شهري عشرون ريالا).
ويضيف الجريسي: (استلمت المبلغ كاملا، ولكن الطريف في الأمر أنني لم أنفق منه فلسا واحدا، إذ اقترضه مني أحد أقربائي ثم لم يتمكن من رده لي وسامحته حيا وميتا).
وبعد أن ترك الجريسي العمل لدى ابن نصار عرض عليه ابن عمه محمد الجريسي مشاركته في عمل مستقل من خلال نقل البضائع بين الرياض ورغبة والقصب وشقراء، وبخاصة تجارة الملح، حيث إن ابن عمه لديه سيارة فورد موديل 1946.
ويقول الجريسي: (وافقت على الشراكة مع ابن عمي، وشرط علي أن يبقى هو في عمله وأتولى وحدي إدارة العمل التجاري على أن نقتسم الربح معا، واتفقنا على استئجار محل لبيع الأدوات المنزلية في قيصرية (أشيقير).
ويصف عمله الجديد: (عشت مشاعر جديدة خلال ست شهور لم أعشها طوال ثلاث سنوات عند ابن نصار، وهو شعور بالاستقلالية والخصوصية مشوبا بالمسئولية الكبيرة).
لم يكن المحل يبعد عن دكان ابن نصار سوى أمتار معدودة، وكان يزور الجريسي لتشجيعه والاطمئنان على أحواله. كان لدى ابن نصار فراسة وذكاء ليعرف ما يعانيه الجريسي وثقل ما يتحمله وحده.
فاجأ ابن نصار الجريسي بأن طلب منه أن يعود للعمل معه مرة أخرى، فطلب الأخير أن يستأذن من شريكه ابن عمه لتصفية شراكتهما، ثم عاد إلى عمله السابق.
وكانت المفاجأة في عمل الجريسي الجديد، أن زاد ابن نصار راتبه من 20 ريالا الذي كان يتقاضاه سابقا إلى 60 ريالا شهريا، وهي قفزة كبيرة غير متوقعة وتحفيز للبقاء معه.
تعتبر الثمان سنوات التي قضاها الجريسي في محل ابن نصار في المرحلة الثانية، مرحلة مهمة جدا من حياته، اكتسب خلالها الخبرات بالعمل التجاري والإداري خاصة وأنه وصل لعمر الخامسة والعشرون.
انتهت علاقة الجريسي بالشيخ عبدالعزيز بن نصار بعد أن أكمل أعوامه الثمان لديه، وتم تصفية حقوقه من الرواتب والعمولات والتي بلغت 27 ألف ريال.
افتتحت مؤسسة بيت الرياض في شارع الوزير بجوار مركز الشرطة، وهي عبارة عن محل لبيع جميع ما تحتاج البيوت من أواني وأدوات منزلية. وخلال السنتين الأوليتين منيت المؤسسة بخسائر كبيرة.
يقول الشيخ الجريسي: (عرضت على المشعل أن نفك الشراكة بسبب الخسائر، لكنه نصحني بأن نستمر ونعتبر السنتين الماضيتين للتأسيس، ثم تحققت الأرباح لاحقا).
لم تمض سنوات معدودة من نجاحات (بيت الرياض) حتى ظهرت بعض المشكلات والخلافات بين الشريكان الجريسي والمشعل، والتي استمرت حتى العام 1968 بعد أن أخفقت كل جهود الإصلاح بينهما.
وحتى تنتهي المشاكل ولا تخسر المؤسسة سمعتها، عرض الجريسي على الشيخ المشعل أن يشتري حصة الأخير والبالغة مليون و800 ألف ريال منها 600 ألف ريال تدفع فورا وحالا والباقي أقساط لمدة 12 شهرا.
لم يجد الجريسي إلا صديقه مبارك باعارمة مدير البنك الأهلي في الرياض ذلك الوقت لعرض المشكلة عليه، والذي قال (حوله علي ولا تقلق) بشرط أن يسدد الجريسي البنك خلال ست شهور، وهي مجازفة ومغامرة من باعارمة.
طموح الجريسي كبير، فهو يسعى لأن يكون مثل تجار الرياض في المرحلة الأولى كالمقيرن والحقباني وأبناء ابن سيار ومحمد الجريسي والشقري وابن كليب والتخيفي وابن سليم، إضافة إلى التجار الذين جاؤوا من بعدهم مثل ابن نصار وسليمان الجاسر وابن منديل والملوحي.
كان الجريسي يعي أهمية إتقان اللغة الإنجليزية، فحرص على الاستعانة بدروس خصوصية حتى أتقنها وصار يتحدث فيها ويقرأ الخطابات أمام الآخرين، فأضاف هذه المهارة إلى حبه وشغفه بمادة الحساب.
لاحقا تحولت (بيت الرياض) إلى بيع الأثاث المكتبي، وبعد زيارة الجريسي للبحرين وشراء آلة حاسبة وبيعها بالرياض فورا بسبب الإقبال، بدأ استيراد الآلات المكتبية وأدوات رسم الخرائط وآلات النسخ.
هكذا دخل الجريسي الأواني المنزلية ثم الأثاث المكتبية ثم الأجهزة المكتبية فالحاسبات وأخيرا دخل خدمات الأنترنت، ليصبح من أكبر رواد تقنية المعلومات والتجهيزات المكتبية.
جاري تحميل الاقتراحات...