ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

21 تغريدة 148 قراءة Mar 28, 2023
في منتصف الليل انقلب كل شيء رأساً على عقب، الليل المدلهم صار نهاراً ساطعاً، والنيام استيقظوا عنوة، الشمس تقذف بحممها الملتهبة نحو الأرض بسرعات جنونية، الجميع تيقن أنها النهاية، إنها العاصفة الشمسية الأقوى في التاريخ، والتي حدثت فقط قبل 164 عامًا من الآن.. ما القصة؟
حياكم تحت
في الأول من سبتمبر عام 1859 وبينما عالم الفلك الإنجليزي ريتشارد كارينغتون منهمك كعادته في مراقبة البقع الشمسية عبر تليسكوبه، إذ انطلق من الشمس فجأة وميض أبيض متوهج غير معتاد، ولشدة توهجه فقد كارينغتون على إثره اتزانه البصري للحظات.
ظن كارينغتون بداية أن مرشح الوقاية في التليسكوب ربما تعطل عن العمل، لكن مع استبداله بآخر ومعاودة النظر، رأى نفس التوهج ووقع في عينيه نفس التأثير المرهب الجامح، لكنه لم يكن يتوقع أن لمثل هذا الضوء الأبيض عواقبه المروعة الوخيمة.
في غضون يوم واحد من هذا الحادث ومع انتصاف الليل، أنارت السماء فجأة بضوء أحمر ملتهب، ضوء حول هذا الليل إلى نهار تام، خرجت على إثره العصافير من أعشاشها، واستيقظ كثيرون استعدادًا لمباشرة أعمالهم، لكنه لم يكن النهار ولم يكن ضوءًا عادياً أنار السماء!
لم تكن أوروبا وحدها هي من سجلت هذا الحدث، بل سيطرت هذه الأضواء المتوهجة كذلك على أمريكا الشمالية، فاستيقظ عمال مناجم الذهب في جبال روكي في الواحدة ليلاً بالتوقيت المحلي، وشرعوا في إعداد القهوة ووجبات البيض باللحم المقدد، ظناً منهم أن الشمس قد أشرقت وأن يوماً جديداً قد بدأ.
في تلك الأثناء تأكد في ظن كارينغتون أن الحدث مرتبط حتماً بتلك الحمم المتوهجة التي شاهدها تنطلق من الشمس أمس، وأن ما يشاهده الآن ليس إلا أثراً من أثار عاصفة جيومغناطسية عملاقة ضربت الأرض، عاصفة لم يقو الغلاف الجوي الأرضي على صدها، لذلك عاثت هكذا في الأرض فسادا.
ذلك الفساد بدا واضحاً بشدة حين أتت تلك العاصفة على أكثر الآلات التقنية حداثة في ذلك الوقت، وهو التليجراف، حيث تسببت في انطلاق الشرارات الكهربائية من بطارياته، الأمر الذي أدى إلى اشتعال كثير منه، وامتدت شراراته فتسببت في حرائق كثيرة في زمامها.
بعض العاملين في شبكة التليجراف انتبهو سريعًا وأزال كثير منهم البطاريات، لكن بفضل فائض الشحنات الكهربائية المتعاظم في الجو بفعل العاصفة، استمرت الأجهزة في العمل وكأن البطاريات لم تزال منها، واستمر عمال الشبكة في التراسل فيما بينهم لساعات دون أي مصدر كهربائي.
اخترقت فائض الشحنات الكهربائية كذلك أجسام كثير من البشر، وتعرض عديد من الناس لصعقات كهربائية مميتة
لم يدرك الذين عايشوا هذه اللحظات أنهم يتعرضون لعاصفة شمسية هي الأقوى في التاريخ البشري، تحدث هذه العواصف أو التوهجهات الشمسية نتيجة إعوجاج فيزيائي في الحقل المغناطيسي للشمس، وفي مرحلة ما تنفث الشمس كل الطاقة المكبوتة في داخلها، لتسطع بهذه التوهجات المغناطيسية العنيفة.
الأمر أشبه بثوران بركاني، لكن المفارقة أن هذه البراكين الشمسية أقوي 10 ملايين مرة من براكين الأرض المعتادة، حيث يطلق التوهج الشمسي الواحد مليارات الأطنان من البلازما والإشعاعات، والتي تنطلق نحو الكواكب المختلفة بسرعات جنونية تصل إلى 966 كم في الثانية الواحدة.
لمزيد من تقريب الأمر أوضحت دراسة أجريت عام 2021 أن الإشعاع الذي صدر عن حدث كارينغتون يحوي كميات من الطاقة تُعادل الطاقة المتولدة عن 10 مليار قنبلة نووية، لا يتوقف أثر هذه الإشعاعات المغناطيسية عند سطح الأرض، بل تتوغل إلى باطنها متلفة خطوط نقل الطاقة والاتصالات.
من لطف الله بالبشر والأرض أن هذه العاصفة التي تعد الأسوأ في تاريخ البشرية حدثت في زمن لم يمتلك فيه البشر شبكات كهرباء أو أجهزة سهلة التأثر بالمجالات المغناطيسية كمثل التي نمتلكها الآن، وهو أمر ساهم في تقليل آثارها وعواقبها، لكن ماذا لو ضربت عاصفة مثل هذه كوكبنا الآن؟
لفهم الآثار التي يمكن أن تخلفها مثل هذه العاصفة، نعود بالزمن قليلاً إلى الثالث عشر من مارس عام 1989، حيث استيقظ الناس في أميركا الشمالية على عاصفة شمسية أقل حدة من عاصفة كابنتجون بحوالي ثلاث مرات، توهجت فيها الشمس وانطلقت منها بعنف سحب غازية بوزن مليار طن.
كانت العاصفة في كيبك بكندا من الشدة بمكان، بحيث تماست شحنات البلازما والفوائض الكهربية مع شبكة كهرباء الولاية، ولم يستغرق الأمر سوى 90 ثانية حتى انقطعت الكهرباء، وأدى هذا الانقطاع الذي استمر 9 ساعات متواصلة إلى شل حركة النشاط الاقتصادي لأكثر من 6 ملايين شخص!
وفي الوقت ذاته تشكلت فيه في سماء المدينة وأجزاء أخرى من القارة شفق قطبي غير معتاد، يحمل في داخله زخماً كثيفاً من ألوان مبهرة أرهبت بعض الناس فيما استمتع آخرون بجمالها، بالإضافة لذلك وبسبب العاصفة فقدت مراكز التحكم السيطرة على عدد من الأقمار الاصطناعية، ومحيت جميع بياناتها.
كان هذا في أواخر الثمانينيات، حين كان اعتمادنا على التقنية يتركز في أشياء بسيطة جداً مقارنة بما نحن عليه اليوم، لذلك إذا ما ضربت عاصفة شمسية قوية الأرض الآن، ستكون العواقب وخيمة والأضرار الاقتصادية غير متخيلة، فعلى سبيل المثال سوف تغوص الأرض في ظلام معتم قد يمتد لشهور
العاصفة ستسبب ضررًا كبيرًا لمحولات الجهد العالي التي يصعُب استبدالها بنفس الوقت، ما سيؤدي إلى تعطيل الأسواق المصرفية، والبنوك، والاتصالات، والمعاملات التجارية، وخدمات الصحة والإسعاف، وآلات ضخ المياه، ووسائل نقل الطعام والوقود، وستختل الأقمار الصناعية ونظام الجي بي إس.
والذي تعتمد عليه السفن في البحار والطائرات في السماء، والبنوك في المصادقة على التحويلات المالية المختلفة وفرق الإنقاذ في الوصول وتقديم الدعم، وكثير من التطبيقات والشركات فضلاً عن السيارات ذاتية القيادة، لذلك بمجرد توقف الجي بي إس، ستنهار كثير من الأشياء حول العالم!
يتزايد قلق العلماء من حدوث عاصفة شمسية قوية مثل كارينغتون، خاصة أنهم يعتقدون أنها تحدث مرة كل 500 عام، لكن في الوقت ذاته تراقب كثير من الأقمار الاصطناعية حركة الشمس وما يحدث عليها على مدار الساعة، وهي من القدرة بمكان بحيث تستطيع التنبؤ وإصدار تحذيرات قبلها بمدة كافية
زفرة بسيطة من الشمس قد تعيدنا لعصر ما قبل التقنية .. !

جاري تحميل الاقتراحات...