Gilgamesh nabeel
Gilgamesh nabeel

@GilgameshNabeel

19 تغريدة 5 قراءة Mar 31, 2023
المثقف اليساري وكره الذات: كل شيء إلا الثقافة المحلية
غالبًا ما أقول بأن اليساري شخص موتور ميّال للتمرد بهدف التمرّد، ومعارضة السائد (جيدًا كان أو سيء)، ومساندة الغريب والجديد أيًا كان، وكل ما هو مختلف ومهمّش. يعكس مثل هذا التوجّه عقلية أقلياتوية أو ردة فعل تجاه ثقافته السائدة
وكراهية متجذرة للذات. وينطبق هذا على اليساري في كل مكان، في الشرق كما في الغرب، بل أن الأمر تم تصديره من الغرب تحت مسميات التنوع وإعادة قراءة التاريخ والصوابية السياسية.
قبل أيام، أرسل لي صديق مسلم من الموصل خبرًا عن إصدار دار سك العملة الملكية البريطانية لسبيكة ذهبية تحمل صورة للكعبة. بحثتُ عن صحة الخبر وقلتُ له بأن الأمر ليس إصدار عملة بل سبيكة تذكارية بمناسبة رمضان فقط. بعد أيام، أرسل لي صورة لتزيين ساحة البيكاديلي – من قبل العمدة صادق خان،
الذي يشغل منصب عمدة لندن منذ أيار 2016 – احتفاءً بشهر رمضان للمرة الأولى في تاريخ البلاد. فكرتُ في أن هذا الاحتفاء يتناقض مع تعليقات المسلمين الرافضة مثلا لافتتاح معبد يهودي أو هندوسي في الإمارات أو كنيسة سيدة العرب في البحرين، على سبيل المثال لا الحصر.
صباح اليوم، أرسل لي ذات الصديق صورة لحفل إفطار أقامه متحف فيكتوريا وألبرت في لندن – وذات المتحف افتتح في مطلع آذار بافليون بمناسبة رمضان لأول مرة في تاريخ المتحف. قلتُ للصديق أن المنظر لم يرق لي، ولم أجد تناول الطعام في قاعة المتحف، وقد افترشوا الأرض، منظرًا حضاريًا أو أنيقًا.
عاد الصديق ليقول بأن الجمال والأناقة نسبية، فقلتُ له أنني لا أتفق مع هذا المبدأ "الليبرالي" الذي ذوّب المعايير وساهم في قبول كل شيء باسم نسبية الجمال. يذكرني ذلك بمنظر المصلين المسلمين في نيويورك العام الماضي، والذي تقبله اليساريون الأميركان باسم حرية الأقليات والتنوع،
فيما هاجمه اليساري الشرقي معتبرًا إياه استفزازًا وإزعاجًا ومحاولة لفرض هوية إسلامية في الغرب واستعراض عضلاتٍ فارغ.
في الواقع، سنجد أن اليساري الغربي، الذي يكتب X mass tree وHappy Holidays، ليحذف اسم أعياد ميلاد المسيح كراهية لثقافته المسيحية-اليهودية –
أول من يرحب باحتفالات إسلامية أو هندوسية أو بوذية في بلاده. هو ذاته من يصرّ على كتابة BCE أو قبل العصر الراهن بدل BC قبل الميلاد، بهدف حذف اسم المسيح مع أن هذا التقويم بدايته مع المسيحية، شاء أم أبى، وإذا ما كره ذلك فعليه اعتماد تقويم جديد كليًا.
على صعيدٍ آخر، ستجد أن اليساري الشرقي، الذي يكره مناظر رمضان والأعياد الإسلامية، يرحب محتفيًا بإضاءة أول مينوراه يهودية في اسطنبول علنًا في شتاء عام 2015 أو إضاءة زينة الميلاد في العراق ومصر وغيرها. قد يكون الجدل بأن الحالة الأخيرة لأقليات أصيلة غير مهاجرة،
ولكنه يناقض نفسه أيضًا لأنه سيتنازل عن أفكاره في تقبل حقوق الأقليات والمهاجرين في الغرب لأنها ترتبط بثقافة يكرهها (أي الثقافة الإسلامية السائدة في بلاده).
ومن أبرز أشكال التنقاضات اليسارية ما دار من جدل في بريطانيا مؤخرًا، بعد نشر احصاءات تظهر التوزيع الديموغرافي للأديان هناك.
ففي أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر 2022، كشفت الاحصاءات أن إنجلترا لم تعد ذات غالبية مسيحية، وأن أقل من نصف السكان في إنجلترا وويلز فقط يعرفون أنفسهم كمسيحيين للمرة الأولى في تاريخ البلاد، أي بتراجع قدره 5.5 مليون نسمة عن عام 2011.
وكشف الاحصاء أن أكثر من نصف سكان ست مناطق في جنوب ويلز لا يتبعون أي ديانة. الغريب أن هذا التراجع دفع اليساريين (المحبين للأقليات) للقول بأن المسيحية لم تعد أغلبية وكتبوا تعليقات تطالب بإلغاء أعياد الميلاد! تصوروا المنطق، أن تلغي أعياد يحتفل بها أقل من نصف الشعب لأنهم أقلية
وأن هذا فرض لثقافة لا تمثل الأغلبية، ولكنك تساند الاحتفال بمناسبات تحتفي بها نسب أقل بكثير باسم التنوع؟! المنطق اليساري ينتحر بالفعل، كان حريا بهم على الأقل أن يعتبروا الـ 45% من السكان مثلا أكبر الأقليات ويحترموا حقوقها كأقلية، ولكن مشكلة اليساري مع السلطة
ومع الثقافة السائدة أيًا كانت، وقد يساند حقوق أقلية أكثر تشددًا وأكثر بعدًا عنه وعن قيمه لأنها خارج السلطة، ويحارب هوية أكثر انفتاحًا لأنها في السلطة وتشكل الأغلبية والتاريخ الرسمي الذي يثير جنونه.
لذلك، دفعت تلك النتائج اليساريين لنقاش إصلاح لتغيير القوانين القاضية بضرورة تدريس المسيحية في المدارس وجلوس أساقفة كنيسة إنجلترا في مجلس اللوردات. تخيلوا أن محبي الأقليات يريدون منع الأساقفة من دخول المجلس لأنهم أصبحوا أقلية.
ذات اليساري سيحتفي بتعيين امرأة في منصب كنسي كبير، رغم كراهيته للكنيسة، لكنه يسعى لقلب السائد: احتكار المناصب الكهنوتية من قبل الرجال، حتى لو كان المنصب يمثل شيئًا لا يؤمن به.
من جانب آخر، نشرت الصحف العربية الخبر وكأنه دليل على زيادة المسلمين، في حين أن الحقيقة ليست كذلك، فقد كانت الزيادة لصالح الملحدين، وكانت اللغة الرومانية الأسرع في الزيادة بمقدار 472 ألف متحدثًا بالرومانية، تليها البولندية الأكثر شيوعًا كلغة أم إلى جانب الإنجليزية أو الويلشية.
المفارقة الأخرى أن الهوية الدينية الأسرع زيادة في بريطانيا هي الشامانية، ولا أظن أن في الإمكان القول بأن هذا دليل على نزعة عقلانية، بل مشكلة يسارية مع الهوية السائدة (المسيحية في بريطانيا) دفعتهم لاستبدالها بأية خرافات روحانية قديمة ستبدو على الموضة ما دامت تخالف السائد والقديم.
المثقف اليساري يسعى للمخالفة فقط لأن مشكلته مع السلطة، ولا يبحث عن العقلانية في الاعتراض لأنه قد يرحب بجديد أكثر تشددًا وأكثر بعدًا عن العقلانية، لكن ذلك يشعره بقوة ونصر رفض السلطة بهدف الرفض، وياله من موقفٍ طفولي.
#كلكامش_نبيل #تأملات #نقد_اليسار

جاري تحميل الاقتراحات...