قصة حاولت كتمانها عاما، وكلما هممت بالكتابة عنها اختنقت، وهربتُ من تفاصيلها هروب الجبان..
مر عام وما غابت عن ذهني أشتات ذكرى موجعة لو سمعتُها من الرواة لحَمَلْتُها مَحمَلَ المبالغة والاختلاق.
ما زلت أستجمع أحداثها، وأسرد بقاياها، وسأعود إليكم بعد قليل.
مر عام وما غابت عن ذهني أشتات ذكرى موجعة لو سمعتُها من الرواة لحَمَلْتُها مَحمَلَ المبالغة والاختلاق.
ما زلت أستجمع أحداثها، وأسرد بقاياها، وسأعود إليكم بعد قليل.
في رمضان الفائت وفي دولة عربية وقفت أمام شباك تذاكر المترو، واشتريت تذكرتي، وكان على جانب الشباك طفل في الثانية عشرة من عمره.. الناس يذهبون ويجيئون وهو في مكانه ساهم الوجه والعينين.. مَرآه يفجع القلب.. ملابسه ممزقة، ولون التراب يخفي لون بشرته، وشعره الرمادي امتزج بغبار الأرصفة...
وكأنما هو خارج من قبر ثم بُعِث للحياة دون حياة!
كان منطفئا من كل شيء إلا من نظرات فيها خوف وحياء، والذهول كل الذهول يتجلى في ملامحه، وكأنه لا يستوعب ما يحدث له، أو لا يصدقه!
اقتربت منه، ووضعت يدي على رأسه وسألته: إلى أين تريد الذهاب؟
قال: لا أدري، لكني أفكر في مكان أذهب إليه.
كان منطفئا من كل شيء إلا من نظرات فيها خوف وحياء، والذهول كل الذهول يتجلى في ملامحه، وكأنه لا يستوعب ما يحدث له، أو لا يصدقه!
اقتربت منه، ووضعت يدي على رأسه وسألته: إلى أين تريد الذهاب؟
قال: لا أدري، لكني أفكر في مكان أذهب إليه.
سألته: أين والداك؟
- فارقا الحياة!
- ألك إخوة وأقارب.
- لا.
- أين تنام؟
- في الشوارع.
- ماذا تأكل؟
- أي شيء.
- تحتاج إلى مال؟
- لا.
- معك ثمن التذكرة؟
مد لي يده وفيها نقود معدنية أظنها تعادل قيمة التذكرة.
كان مقطوعا من كل شيء لا من شجرة فحسب...
- فارقا الحياة!
- ألك إخوة وأقارب.
- لا.
- أين تنام؟
- في الشوارع.
- ماذا تأكل؟
- أي شيء.
- تحتاج إلى مال؟
- لا.
- معك ثمن التذكرة؟
مد لي يده وفيها نقود معدنية أظنها تعادل قيمة التذكرة.
كان مقطوعا من كل شيء لا من شجرة فحسب...
وفوق ذلك يبدو استيعابه أقل مما هو عليه لدى أمثاله.. تخرج الكلمات منه ببطء، ويجيب بعد وقت.
نعم بكيت، واختنقت، وانفعلت.. ثلاثة مشاعر أفقدتني اتزاني.
جذبت الطفل من يده، واتجهت لضابط أمن المحطة، وشرحت له ما رأيت، واقترحت عليه تسليم الطفل إلى ملجأ، وأن أتكفل برعايته على نفقة المحسنين.
نعم بكيت، واختنقت، وانفعلت.. ثلاثة مشاعر أفقدتني اتزاني.
جذبت الطفل من يده، واتجهت لضابط أمن المحطة، وشرحت له ما رأيت، واقترحت عليه تسليم الطفل إلى ملجأ، وأن أتكفل برعايته على نفقة المحسنين.
تحدث الضابط مع الطفل، وسأله عن والديه كيف ماتا؟
قال: أبي مات في حادث سير، وأمي جئت أوقظها من النوم فلم تستيقظ إلى اليوم.
تأثر الضابط كثيرا، وحاول الاتصال ببعض الجهات، ولم يرد عليه أحد، وعرضت أن آخذ الطفل معي، فقال: هي مسؤولية عليك وعليّ، ولا بد من إجراءات تطول، فقلت: وما الحل؟
قال: أبي مات في حادث سير، وأمي جئت أوقظها من النوم فلم تستيقظ إلى اليوم.
تأثر الضابط كثيرا، وحاول الاتصال ببعض الجهات، ولم يرد عليه أحد، وعرضت أن آخذ الطفل معي، فقال: هي مسؤولية عليك وعليّ، ولا بد من إجراءات تطول، فقلت: وما الحل؟
قال: أن يبقى قرب المحطة إلى الصباح، ثم نتدبر حلا.
عدنا نسأل الطفل: ألك أحد تذهب إليه هذه الليلة؟
قال: أذكر أناسا في المكان الفلاني أجلسوني عندهم مرة، وأحسنوا إلي، وسأذهب إليهم.
-تعرف مكانهم جيدا؟
- أذكر أني خرجت من المحطة ذات يوم ومشيت في طريق طويل ووجدتهم.
عدنا نسأل الطفل: ألك أحد تذهب إليه هذه الليلة؟
قال: أذكر أناسا في المكان الفلاني أجلسوني عندهم مرة، وأحسنوا إلي، وسأذهب إليهم.
-تعرف مكانهم جيدا؟
- أذكر أني خرجت من المحطة ذات يوم ومشيت في طريق طويل ووجدتهم.
لم أجد حلا سوى أني أخرجت له ورقة، وكتبت له فيها رقم هاتفي، ورقم هاتف أحد مواطني ذلك البلد الذي أعرفهم، وقلت له: غداً استعر جوالا من أحد، وهاتفني أو هاتف الرقم الآخر لنجد لك حلا، ووضعت في جيبه بعض النقود، وهو لا يعرف عددها ولا قيمتها.
ودعته، وودعني بنظرة حب لا أنساها، ومضى، وما زلت أنتظر اتصاله لأقهر معه الأيام التي قهرَتْه.
الموجع أن الذي منعه الاتصال أحد أمرين: ضياع الورقة، أو أن ذهوله المستمر أنساه كل ما دار بيننا!
انتهت. 🥹
الموجع أن الذي منعه الاتصال أحد أمرين: ضياع الورقة، أو أن ذهوله المستمر أنساه كل ما دار بيننا!
انتهت. 🥹
جاري تحميل الاقتراحات...