دجوليــــــــــــوس
دجوليــــــــــــوس

@djolios

16 تغريدة 3 قراءة Apr 02, 2023
نظرت إليّ بشيء من الارتباك وقالت:
- أنا فتاة حساسة، قد لا أبدو لك بريئة، لكنني بالتأكيد صادقة، لا أرى سوى الخير في الناس، غريبة الأطوار لأني أحب رجلين في وقت واحد، أحب المطر لكنني أخشى كآبة الشتاء، أحب الصيف لكني أكره الضجر،
أحب الربيع لكنه أراه مرحلة انتقالية، أحب الخريف لكن أحبابي يرحلون فيه كما طيور أيلول، أتأثر بالأفلام الرومانسية، أبكي كلما أشاهد فيلم تايتانك، أحب أن أشعر بالأمان، أحلم أن يكون لي بيت دافئ وأسرة جميلة، أحلم أن أسافر إلى كل بلدان العالم،
أن أتحدّث الإيطالية والألمانية بطلاقة أهلها، لأني أجيد الفرنسية والإنكليزية، أتمنى أن أكون مشغولة دومًا بما يلهيني عن عواطفي لأنها حارقة وملتهبة ومتدفقة كمطر شتائي وربما ستجرني إلى منزلقات غير محمودة فتسبب لي معاناة أخلاقية! أنا أتأثر بكل شيء مكتوب أكثر من المرئي والمسموع،
أحب رائحة التراب، أحب أحمر الشفاه، أحب الشاي والطعام المالح، وأكره الحلو والحلويات، أحب أن يكون أصدقائي أوفياء، وهكذا! أريد أن أخرج من متاهتي هذه قبل انتهاء مرحلة الجامعة، لا أريد أن أكون متعبة النفس دائمًا، أعترف الآن بأنني شهوانية، شبقة،
لكني لا أحب إنسانًا من أجل شهوتي به بل أحب أن تتكامل الروح والشهوة، ومع ذلك مجنونة أنا بآدم الأفريقي مع أنه لا يحبني وإنما يشتهي جسدي! متناقضة، نعم، أعترف بذلك!
نظرت هي إلى نقطة بعيدة، أدركت أنها ليست هنا وإنما في عالم الذكريات، تأملت جسدها المكبوت والضاج بالرغبات، وقلت لها:
- الشهوة لحظات وتخمد، لكنها تبقى مثل النار تحت رماد الجمر، وهج لا ينطفئ.
- وصف جميل، لكن أنا أسعى إلى الاحترام، ما نفع إنسان يريدني لليلة لأنه أحب جسدي ثم يحتقرني بعد أن يقذف ماءه فيّ، ثم يمضي ليجدد مغامرته مع امرأة أخرى، هذا احتقار لي،
أنا نفسي لن أطلب أن يبقى جسدي مشتعلًا دائمًا.
- لحظة اللذة ربما تخمد، لكن ذكراها لن تنطفئ، وتبقى مثل الوهج تحت الرماد كما قلت لك، وهي التي تدفعنا للمواصلة.
نظرت إليّ وقالت بما يشبه اللا مبالاة:
- لا أدري، لا أحب اللحظات العابرة، ولا الأسرّة العابرة، ولا العلاقات العابرة، لذا أنا قليلة الأصدقاء!
تأملت ضجرها ولمحت ظلًّا من الحزن ارتسم على محياها، فابتسمت لها مواسية وقلت:
- أنت تتحدثين بلغة شعرية، لكن الأمر ليس سفسطة لغوية ولا استعارات أدبية وإنما فعل جسدي بيولوجي يا حواء.
نظرت إليّ نظرة متأملة لكن بدا واضحًا أنها تفكر بشيء ما، ثم قالت:
- أريد ثباتًا من نفسي يشبه ثبات الله، لأن الله موجود فيّ.
شعرت بغضب خفي، إذ شعرت أنها استفزت حواء الملحدة التي في داخلي، فقلت بنبرة صارمة:
- هذه سفسطة يا حواء، أنت تحتاجين إلى شيءٍ آخر.
ارتبكت قليلًا وقالت بخجل:
- أعرف، أدرك أن هذه سفسطة لغوية، لكني أريد فعلًا أن أكون ثابتة على الأقل في مبادئي، أنا لا أطلب من الناس أن يكونوا كما أريد، يصطفلوا كما نقول باللبناني، بالمناسبة، ربما أنت تعتقدين بما أنني محجبة فهذا يعني أنني منغلقة، ومتعصبة، ومتزمتة، لستُ كذلك،
مرة قرأت في لقاء ما لكاتب روائي مشاكس يقول بأن الدين يقود إلى الإلحاد، وأعتقد أنه محق، فالدين كما أكد ماركس سابقًا أفيون الشعوب وزفرة العقول اليائسة.
فوجئت بها، جاءتني رغبة بأن أقترب منها وأحضنها وأقبل شفتيها، لكني وجدتُ نفسي أقول لها:
- الجملة ناقصة كما أعتقد، ماركس يقول الدين زفرة الكائن الحالم بعالم أفضل.
فقالت بنبرة ممتزجة باحتجاج وعصبية مكتومة:
- لكنني أمقت الدين الذي يعرفه الناس، وأحب ديني أنا، ديني القائم على الله وكل الأديان الوضعية والسماوية،
فأنا أحب الهندوسية والبوذية، واليهودية، والمسيحية والإسلام، لكني لا أحب التابعين، أحب بوذا وأنبياء الأديان السماوية، لكني أكره المسلمين واليهود والمسيحيين لأنهم شوهوا أنبياءهم، شخصيًّا أرى الله فيّ، أنا أرفض التسميات والألقاب،
يكفيني أن رأسي لا يشبه من حولي في مدينتي الصغيرة أو ضيعتي بشكل أدق جنوب بيروت.
كنت مأخوذة بطريقة تقديمها لنفسها، لا سيما التقاطاتها المتنافرة لكن الجميلة بين حب رائحة التراب وأحمر الشفاه والطعام المالح، وحديثها الغريب عن الله، ولم أشأ أن أقول لها بأنني ملحدة كي لا أنفرها مني،
فسألتها:
- وماذا بعد؟
من حوار بين حواء كازابلانكا وحواء البارحي
عن رواية متاهة الانبياء
#مزامير_الوعي

جاري تحميل الاقتراحات...