عدي الحربش
عدي الحربش

@AdiAlherbish

23 تغريدة 30 قراءة Apr 12, 2023
هناك علاقة وطيدة تربط إنسان هذه الأرض بالنخل، لولاها ما اختيرت النخلة رمزًا يزيّن شعار بلدنا منذ الخمسينيات، والسعودي -في نظري- شخص يحسن تعهّد النخل، وتأبيرها، وخرافها، ويستطيب جناها، والأهم من كل ذلك يتحرّك لمرآها، ويتجاوب معها وجدانيًا كما لا يتجاوب مع شجرة أخرى.
وقبل الشروع في ذكر شواهد أربعة على ما أنا بصدده عن النخل، أؤكد على رمزيتها الإسلامية أيضًا، فالنخلة هي الشجرة التي لجأت إليها مريم بنت عمران حين أدركها المخاض؛ مشهد تختص به الرواية الإسلامية دون المسيحية، فبينما يذكر إنجيل لوقا كيف ولدت مريم ابنها، ولفته بقماط، وأنامته في مذود =
مما جعلهم يمثلّون ولادته في حظيرة، يحكي القرآن كيف ولدته في أكمة، ويفصّل عن حالتها ومكابداتها النفسية، واليأس الذي كاد يعنف بها، إلى أن جاءتها رسالة ربها حادبةً مُطمئنة، فإذا بالماء يجري تحتها، وإذا بالرُطَب يسّاقط حولها، وإذا هي ليست وحيدة، بل محاطة بحفظ ربها وعنايته.
منذ ذاك، وأمهاتنا ينتخبن الرطب للولادة، وإن أنس لن أنسى تعنيفي زوجتي حين خالست الممرضة وابتلعت بضع تمرات في وقت يُفترض فيه أن تمسك عن الأكل، لكني وأنا أتذكّر الآن أذوب حنوًا، لقد كانت تلك التمرات بمثابة صلاة كي يكون الله معها كما كان مع مريم في مجاز الحياة والموت المسمّى «ولادة».
أما أعجب ما قرأت عن النخل، والمشاعر التي يثيرها في نفس العربي، فرواية صادفتها في تاريخ الطبري، تحكي كيف أنّ المسلمين حين أصبحوا من اليوم الثالث من القادسية، وقد قُتل منهم ألفان، أقبل الذين يجمعون القتلى يحملونهم إلى المقابر، ويبلّغون الرثيث إلى النساء، وكان عليهم حاجب بن زيد =
فمرّ حاجب وبعض أهل الشهداء وولاة الشهداء في أصل نخلةٍ بين القادسية والعُذيب، وليس بينهما يومئذ نخلةٌ غيرها، فكان الرثيث إذا حُمِلوا فانتُهي بهم إليها وأحدهم يعقل، سألهم أن يقفوا به تحتها، يستروح إلى ظلّها، ويجود بما بقي من حشاشته أسفلها، فقال رجل يُدعى بجيرًا وهو مستظلٌ بظلّها:
ألا يا اسلمي يا نخلةً بين قادسٍ * وبين العُذيبِ لا يجاوركِ النخلُ؛ ثم جيء بآخر من بني ضبّة يُدعى غيلان، فأنشد: ألا يا اسلمي يا نخلةً بين جَرعةٍ * يجاوركِ الجُمّانُ دونكِ والرّغلُ؛ ثم جيء بثالث من تيم الله، فأنشد: أيا نخلة الجَرعاء يا جرعة العِدى * سقتكِ الغوادي والغيوثُ الهواطلُ.
ثم جيء برابع، فأنشد: أيا نخلة الرُّكبان لا زلتِ فانضُري * ولا زال في أكنافِ جَرعائكِ النَّخلُ؛ ثم جيء بخامس، فأنشد: أيا نخلةً دون العُذيبِ بتَلعةٍ * سُقيتِ الغوادي المُدجناتِ من النخلِ؛ قصة فاتنة، أعجب ما فيها هو تكرر الأثر الذي تركته النخلة في كل هؤلاء الرجال وتطابقه.
هؤلاء نفر خمسة، توافدوا من أماكن شتّى من جزيرة العرب، فإذا هم في أرض السواد التي لم يتعاف العرب من وخامتها حتى ابتنوا الكوفة والبصرة، وإذا بهم أمام الفيلة التي حُكي أنّ خالد بن الوليد حين بعث أحدها إلى المدينة كي يُرى شرع ضعيفات النساء يسألن: أمن خلق الله ما نرى، ورأينه مصنوعًا.
ثم إذا بأعرابنا الخمسة يُجرحون بأيدٍ غريبة، ويموتون في أرض غريبة، حيث لا يعرفهم أحد، ولن يبكي عليهم أحد، ويرون نخلةً مفردة محاطةً بالرَّغل والسرمق والحشائش الغريبة، فإذا هم يصدرون عن نفس العاطفة، ويجودون بنفس النفثة، ولو كانت شجرة أخرى أو كانوا عِرقًا آخر لما تحرّكوا هذا التحرّك.
ومثل ذلك يُقال عن عبدالرحمن بن معاوية الداخل الذي أسس ملكًا له في الأندلس، حين استقدم فسيلةً من رصافة العرب وزرعها قرب الوادي الكبير، حتى إذا اشمخرّت وازدهت بطلعها قال يناجيها ويبكي حاليهما: تبدّت لنا وسط الرصافة نخلةٌ * تناءت بأرض الغربِ عن بلدِ النخلِ =
فقلت شبيهي في التغرّبِ والنوى * وطولِ التنائي عن بنيَّ وعن أهلي * نشأتِ بأرضٍ أنتِ فيها غريبةٌ * فمثلكِ في الإقصاءِ والمنتأى مثلي؛ والأبيات ذائعةٌ مشجية، لولا أنه بالغ في الرمز والشرح، إلى درجة هبطت بها إلى مصير يشبه مصير النخلة التي جُلبت من بعيد وزُرعت قسرًا في أرض ليست أرضها.
مهلًا، أنا معجب بصقر قريش، مولع بأبياته، أعدّها من أبرع ما قالته الخلفاء والأمراء، لكنك إذا أردت اختيار النخلة رمزًا وإفرادها بالخطاب فليس يحسن إلا أن تبكي مصيرها دون أن تشرح شبَهَ غربتك بغربتها ونأيك بنأيها، هذا إطناب وتحكّم نجم في العصر العباسي ويندر أن تجده قبله.
دونك مثلًا أبيات عمر بن أبي ربيعة التي يقول فيها: أيا نخلتي وادي بُوانةَ حبّذا * إذا نام حُرّاسُ النخيل جناكُما * فطيبكُما أربى على النَّخْل بهجةً * وزاد على طُول الفَتاءِ فَتاكما؛ لا تحتاج طويل شرح كي تعلم أنّ أبا الخطاب لا يعني النخلتين، وإنما امرأتان كان لا شك رآهما هناك.
ولو لم يكن لابن أبي ربيعة من الأيادي إلا إخراجنا من خطاب المفرد إلى المثنى لكفاه، صحيح أننا نتورّع عمّا كان يوهمه من تعدد وتفسّخٍ و polygamy بطريقة لا نملك إلا أن نسأل الله السلامة منها والمغفرة له، لكنه قادنا -بفتحه باب المثنى- إلى أشهر نخلتين في الشعر العربي وهما نخلتا حلوان.
حدّث مطيع بن إياس الليثي في قصة طويلة مفادها أنه كان يتعشّق امرأةً من بنات الدهاقين كان نازلًا إلى جنبها في دار لها بالري، فلما اضطر إلى السفر مع الأمير ومفارقتها، نزلوا في طريقهم حلوان، فجلس ينتظر ثَقَله وعنان دابته في يده، وهو مستند إلى نخلة على العقبة، وإلى جانبها نخلة أخرى =
فقال حين أشجاه المنظر وذكّره ابنة الدِهقان: أسعِدَاني يا نخلتي حُلوانِ * وابكيا لي من ريبِ هذا الزمانِ * واعلما أنّ ريبه لم يزل يَف * رقُ بين الألّافِ والجيرانِ * ولعَمري لو ذُقتما ألمَ الفر * قةِ أبكاكُما الذي أبكاني * أسعِداني وأيقِنا أنّ نحسًا * سوفَ يلقاكُما فتفترقانِ.
ومع أنّ أبيات مطيع لا تبرأ من المثالب التي أخذتها على عبدالرحمن الداخل، إلا أنّها تبزّها باعتمادها على بحر الخفيف الذي أجده أنسب للبكاء وأجدر بالترنّم، ولما يميّزها من تدفق وتدوير حتى لكأنها انبجاس الدمع نفسه، ثم تلك القافية النونية التي إذا انكسرت مرارًا لن تسمع شيئا أحسنَ منها.
بلغ من شهرة الأبيات السابقة أن وُضِعت عدّة أساطير تتصل بها، من ذلك أنّ الخليفة المهدي أوكل حارسًا بتعهد النخلتين -وقد كان همّ بقطعهما- إلى أن راجعته جاريته حَسَنة وروت له أبيات مطيع، ومنها أنّ الرشيد قطع إحدى النخلتين استشفاءً بجمّارها ثم لحقه شؤمهما فمات في طريقه إلى طوس.
أما أطرف القصص وأقربها إلى ما أنا آخذٌ فيه، فقصة حماد عجرد حين مرّ بموضع النخلتين فقال يهجوهما: جعل الله سِدرتيّ قصر شيري * نَ فداءً لنخلتي حلوانِ * جئتُ مستسعدًا فلم يُسعِداني * ومطيعٌ بكت له النخلتانِ؛ فإذا علمت أنّ مطيعًا وحماد عجرد كانا صاحبين ازدادت الأبيات ظرفًا وملاحة.
رغم أنّ الشاعرين ينتسبان إلى عصابة قصفٍ واحدة، إلا أنّ مطيع بن إياس العربي تحرّك لمرأى النخلتين، بينما حماد عجرد الفارسي تحرّك لقصر شيرين ولم تصنع النخلتان فيه شيئًا، وفي هذا دلالة واضحة وتأكيد على ما شرعت بتبيانه عن ارتباط العربي بالنخل وجدانيًا، وتحرّكه لمرآها، وفهمه عنها.
ها قد رأيت أنّ العربي حين يرى نخلة مفردة يحسّ بالوحدة، وحين يرى نخلتين متجاورتين يتذكر أحبابه، ويجزع من صروف الدهر وعواديه، إما إذا دخل بستان نخيل أو حائط نخل، عندها سيلحقه إحساس خِصب لن ترى على وجهه نظيرًا له وإن رميته في الأمازون أو وسط الغابات الإستوائية الماطرة!
لذا ليس أشق على أذني من أولئك الذين ينادون باقتلاع النخيل واستبداله بأشجار أخرى ذات فيء أنفع وريٍ أقل، هم في دعوتهم هذه كمن ينادي باستبدال أهل هذه الأرض بأناس آخرين! لقد مرّت علينا سنون صعبة لم يصبر معنا فيها إلا هذا النخل وهذه الإبل، فليس أقلّ من أن نحفظ لهما حق الصحبة.

جاري تحميل الاقتراحات...