دجوليــــــــــــوس
دجوليــــــــــــوس

@djolios

21 تغريدة 25 قراءة Mar 24, 2023
#الحجاب
قال لي صديقي: هل الحجاب فرض على المرأة؟
فقلت: هذا سؤال تافه.
ضحك وقال ساخرا: لقد أفحمني جوابك.
فقلت: يا صديقي، إنّ العالم وصل إلى المرّيخ بينما نحن ما زلنا نتساءل عن الحجاب وما لفّ لفّه من الشكليّات الفارغة.
فقال: أعرف ذلك ولكنّنا فقط نتجاذب أطراف الحديث ونتبادل الآراء.
فقلت: إذن فإنّ الحجاب يدخل في باب الحريّة الشخصية.
قال: في هذه الحالة فإنّ النقاب أيضا حريّة شخصيّة.
قلت: لا، لأنّ حريّتك تنتهي حين تبدأ حريّة غيرك، ولا بدّ أن يكون الناس في الفضاء العام مكشوفي الوجوه يرون بعضهم بعضا، سواء لدواعي أمنيّة، أو لأسباب أخرى قد فصّل المشرّعون فيها الكلام، بينما الحجاب فهو مثله مثل القبعة أو الطربوش وغير ذلك من الملابس التي لا تخفي الوجه.
قال: لقد فهمت أنّه حريّة شخصيّة وكلّ شخص حرّ فيما يلبس ما لم يخالف القانون، ولكنّك لم تجبني، هل أنّ الحجاب، من الناحية الدينيّة، فرض على المرأة؟
قلت: لا بدّ إذن من جولة تاريخيّة سريعة حتّى يتبيّن الأمر:
أوّل نصّ قديم يذكر الحجاب يعود إلى ألف سنة قبل الميلاد أثناء حكم الملك الأشوري تغلث فلاسر الأول، وقد جاء في تلك الألواح الطينيّة: " ينبغي على النساء المتزوجات (...) اللواتي نزلن إلى الشوارع ألّا يكشفن رؤوسهنّ.
وبنات الرجل الحرّ (...) يكنّ محجبات" وسبب هذا القانون هو التفريق بين المرأة الحرّة والمرأة المملوكة. والأمر نفسه كذلك في اليونان حيث يخبرنا هيرودوت في القرن الخامس قيل الميلاد أنّ النساء في اليونان محجّبات.
وفي روما كانت النساء يضعن على رؤوسهنّ حجابا لونه بنفسجي حين يخرجن إلى الشارع.
وكانت النساء يغطّين شعورهنّ ووجوههنّ في بلاد فارس، كما أنّنا نجد الحجاب وكذلك النقاب مذكورين عند اليهود في التوراة في سفر التكوين وفي نشيد الإنشاد وفي أسفار المكابيين وفي سفر إشعياء.
وعند العرب في الجاهليّة كذلك، فقد كنّ يضعن على وجوههنّ برقعا أو نقابا، فيقول مثلا النابغة الجعدي: مَلَكْنا فلم نكشفْ قناعا لحرّة *** ولم نستلب إلّا الحديد المسمّرا أو كما يقول السليك بن عمرو:
وما عجزتْ فكيهة يوم قامت *** بنصل السيف وانتزعوا الخمارا أو كما قال الشنفرى: "فقد أعجبتني لا سقوط قناعها *** إذا ما مشت ولا بذات تلفّت، إلى آخره من الأبيات والأمثلة. ولكن هذا لا يعني أنّ جميع النساء في الجاهليّة كنّ متحجّبات فقد كان فيهنّ المتبرّجات أيضا، ولذلك يقول القرآن:
"ولا تبرّجن تبرّج الجاهليّة الأولى"
وقد خلصتْ الباحثة الإيطالية (Maria Giuseppina Muzzarelli) في كتابها تاريخ الحجاب (انظر غلاف الترجمة الفرنسية لكتابها في الصورة المرافقة) إلى أنّه " مهما كانت الأزمنة أو المناطق أو الثقافات، فإنّ النساء كنّ يرتدين الحجاب باستمرار على رؤوسهن"
قال لي صديقي: هذا يعني أنّ الحجاب كان مجرّد عادة عند أغلب شعوب العالم القديم، فهل هناك ديانة اعتبرته فريضة وواجبا على المرأة؟
قلت: نعم، أوّل ديانة اعتبرتْ الحجاب فرضا من الله على كلّ امرأة هي الديانة المسيحيّة.
قال: عجيب، كنت أعتقد أنها الديانة اليهوديّة.
قلت: لا يوجد نصّ مباشر يأمر بارتداء الحجاب في التوراة وفي أسفار الأنبياء اليهود الأخرى، ولكنّ رجال الدين اليهود تكفّلوا بالمهمّة، فيما بعد، فنقرأ مثلا في التلمود البابلي في برخوت 24أ: "صوت المرأة عورة" فإذا كان صوتها عورة فما بالك بشعرها ووجهها.
لكنّ النصّ المباشر والواضح والصريح الذي يأمر بلبس الحجاب، وخاصة أثناء الصلاة، يبدأ مع المسيحيّة ومع القديس بولس تحديدا في رسالته الأولى إلى الكورنثيين في الإصحاح الحادي عشر.
قال صديقي: فماذا عن الإسلام؟
قلت: لا يمكن أن يكون الإسلام خارج عصره، وخارج العادات والتقاليد في زمنه، فلم يكن هناك منظمات نسوية في مكة أو المدينة تطالب بالمساواة ولا معارضين سياسيين يستعملون حقوق المرأة كوسيلة ضغط بينما هم أنفسهم لا يؤمنون بها، فكلّ هذه المفاهيم حديثة منبثقة من عصرنا الحديث،
ورغم أنّ القرآن أعاد إلى المرأة بعض ما سلبته إيّاها اليهوديّة، لكنّه لم يتجاوز في المجمل قيم ذلك العصر، فالرجال أعلى درجة من النساء (سورة البقرة، آية 228) وللذكر مثل حظّ الأنثيين (سورة النساء، آية11)
وللرجل الحقّ في أن يضرب زوجته إن نشزت وتكبّرت عليه (سورة النساء، آية 34) وإلى آخره من الأمثلة. وإن كان القرآن حمّال أوجه ويمكن تأويله بما قد يناسب قيم عصرنا وحقوق الإنسان، فإنّ رجال الحديث لم يألوا جهدا في الحطّ من قيمة المرأة في بعض الأحيان،
ورغم ذلك برزت نساء ذوات شخصيات قويّة فرضن الاحترام رغم "سفورهنّ" ومنهنّ مثلا عائشة بنت طلحة، حفيدة أبي بكر الصديق وخالتها عائشة زوجة الرسول، فيقول الذهبي في سير اعلام النبلاء: "كانت عائشة أجمل نساء زمانها وأرأسهن، وحديثها مخرّج في الصحاح".
وقد كان عاتبها زوجها مصعب بن الزبير على سفورها فقالت له: "إن الله تبارك وتعالى وسمني بميسم جمال أحببت أن يراه الناس، ويعرفون فضلي عليهم، فما كنت أستره، والله ما فيَّ وصمة يقدر أن يذكرني بها أحد"
ثمّ قلت لصديقي: سواء اعتبرت الحجاب فرضا من الله أو حريّة شخصيّة، فإنّي أحذّرك شيئا واحدا فقط.
قال: وما هو؟
قلت: إيّاك أن تعتبر الحجاب دليلا على العفّة وحسن الأخلاق، وترى المرأة غير المتحجّبة أقلّ أخلاقا. فإنّ هذه مجرّد شكليّات، ولا يسقط فيها إلّا جاهل وضيّق التفكير،
فكم من فتاة لبست الحجاب لأنّها تبحث عن زوج أو بسبب ضغط أهلها والمجتمع ولكن دون اقتناع، وكم من فتاة لا تضعه عن اقتناع ولكنّ أخلاقها أنقى من الثلج، فإيّاك أن تحكم على الناس بالمظاهر.
#مزامير_الوعي

جاري تحميل الاقتراحات...