ماجد الماجد
ماجد الماجد

@majed_i

18 تغريدة 260 قراءة Mar 22, 2023
بتهمة تقديم رشى لممثلة أفلام إباحية من أجل شراء صمتها عن علاقة آثمة أقامها معها، توقع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب اعتقاله اليوم الثلاثاء.
في مثل هذه المواقف والمحاكمات، دأب ترمب على استخدام تعبير "Witch Hunt" أو مطاردة الساحرات لوصف الأمر
ماذا يعني؟
وما قصته؟!
حياكم تحت
الزمان : أواخر القرن ال17
المكان: المستعمرات الأوروبية في أميركا، تحديدًا بلدة سالم الواقعة شمال شرق الولايات المتحدة الأمريكية حاليًا
الحدث: ثلاث فتيات أكبرهن سنًا في الحادية عشر، عُرفن بفتيات بوسطن، ظهرن فجأة في صورة نفسية غير معهودة، حيث أصبن بشيء أقرب إلى نوبات صرع عنيفة
تشمل الأعراض كما تداول الناس حينذاك، النبح كالكلاب والزمجرة كالقطط، فيما قال البعض الآخر أن عروقهم ومفاصلهم كانت تبرز في أشكال مخيفة، وقال آخرون أنهم "كانوا أحيانا يطيرون كالإوز" عبر الرفرفة بأيديهم وغير ذلك مما هو غير معهود ويدلل على جنون الشخص أو عدم استوائه نفسيًا.
مع عجز الأطباء عن إرجاع تلك الأعراض لأي من الأمراض المعروفة، تفتحت الأبواب أمام الخُرافة كي تكون هي المُفسِرة والمُسيطرة على مجريات الأمر، خصوصًا مع ظهور تلك الأعراض على شابات أخريات في القرية، فيما سادت أجواء من الرعب والهلع بين الجميع.
بالإضافة إلى ما سبق توافقت تلك الحادثة مع وقوع بعض الظواهر الأخرى غير الاعتيادية، ما بين موت متتالي للرضع، وتلف كثير من المحاصيل، فضلًا عن خلافات شديدة بين الطوائف المختلفة، ومع غياب تفسير مقنع لكل هذه الأحداث اتجه الناس لنسبتها إلى قوى خفية.
هل أصيبت هذه البلدة باللعنة؟! هكذا ارتسم السؤال في أذهان العامة آنذاك، وراح الجميع يستطرد في التفسير، مُرجِعًا كل ما يحدث إلى قوى خارقة شريرة، تحديدًا إلى الشيطان وأعوانه من السحرة والمشعوذين، لم يقف الأمر عند العامة بل كانت الكنيسة حينذاك في مقدمة من تبنى وأشاع هذا الرأي.
حين وجهت بعض الشابات المصابات اتهامًا مباشرًا لعدد من الأشخاص في القرية بالتسبب في إصابتهن بالسحر، وجد الجميع في هذا الاتهام طوق نجاة وتأكيد لما يعتقدوه، الأمر الذي أشعل حماس السلطات فقامت بالقبض عليهن، تطور أمر الاعتقال ليشمل كل من يدور حوله شك بأنه يمارس السحر.
بلغ الذعر مداه إلى تلك الدرجة التي صار فيها الأزواج يتهمون زوجاتهم، والإخوة يتهمون بعضهم البعض، لقد تفتت المجتمع وصارت مطاردة الساحرات هي المهمة الأبرز لمجموع أفراده، لعلهم بتلك المطاردات ينجون من هذا السحر ويتخلصون من ظواهره الجالبة للجنون والموت.
بمعاونة الكنيسة، وبالأخص القس كوتن ميذر وصلت أعداد من تم اعتقالهم بتهمة ممارسة السحر إلى 185 شخصًا، معظمهم من النساء، تراوحت أعمارهم ما بين خمس سنوات، وثمانين سنة، في حالة وصفت بالهلع الجماعي والشحن والخوف من السحر.
كوّن عمدة بلدة سالم، سير ويليام فيبس، محكمة للنظر في قضايا السحر، وعُقدت أولى جلساتها في 27 مايو 1962، قام فيها بجمع ستة من وجهاء البلدة وشخصياتها الكبار من أجل تفحص الحالات وإصدار أحكام بحق من تثبت بحقه التهم.
بعد سلسلة من جلسات الاستماع و المحاكمات للأشخاص المتهمين بممارسة السحر؛ أسفر الأمر عن إعدام 19 شخصاً أكثرهم نساء فضلًا عن كلبين، دون أدلة قطعية، وهو ما جعل الحادثة تخلد في التاريخ كرمز للظلم والجهل، وعجلت لاحقًا بتخلص الغرب من تحكم الكنسية.
كانت التحقيقات تتم بطرق وحشية، منها على سبيل المثال إغراق من يعتقد أنهن ساحرات في الماء، فإن عاشت ثبت أنها ساحرة، وإن غرقت تثبت براءتها!!، أما الإعدامات فقد تعددت طرقها ما بين الحرق والسحق بحجارة ثقيلة فضلًا عن الشنق.
اعتمدت محاكمات ساحرات سالم على أنواع ظنية من الأدلة في إدانتها للمتهمين، مثل الاعتراف والذي يتم في العادة تحت التعذيب، ومنها كذلك شهادة اثنين بممارسة المتهم للسحر، ومنها ما عرف بالأدلة الطيفية، في إشارة إلى الأحلام والظواهر التي يعتقد أنها خارقة.
كان الاعتقاد السائد أن المرأة التي تفكر بشكل مستقل، بالضرورة أفكارها شريرة، وهذا يفسر توجيه اتهامات السحر في الأغلب إلى النساء، وبناء على ذلك الاعتقاد اتسع نطاق الاعتقال والاتهام، ليشمل كل امراة قوية لا تبدو على الضعف والانكسار المفترض بالنساء في ظنهم.
سُنت قوانين تقضي بإعدام كل من يثبت تلبسه بالسحر، وحصدت مثل هذه القوانين الكثير من الأرواح، وبقيت "محاكمات سالم" من بين أكبر الوقائع من حيث عدد المدانين وقسوة الأحكام، وحالة الذعر الشعبي التي ارتبطت بها.
لا يزال الأمريكيون حتى اليوم يحيون ذكرى ضحايا محاكمات سالم،حيث أقيمت عام 1992 ذكرى مرور 300 عام على الواقعة، تحدث فيها عدد من الشخصيات المهمة على رأسهم الكاتب المسرحي الكبير آرثر ميلر، بالإضافة إلى ذلك تم افتتاح حديقة تذكارية تحتوي على مقاعد حجرية بعدد الضحايا الذين تم إعدامهم
ومن الطريف أن أحد البيوت التاريخية المهجورة التي تعود ملكيتها لواحدة من ساحرات سالم، بيع عام 2018 بقيمة تجاوزت 970 ألف دولار، وقال مالكوه الجدد أنهم يستهدفون إنقاذه وإعادة ترميمه.
وقعت محاكمات سالم في إطار هلع عقائدي وحشد وغسيل دماغ جماعي، جعلهم يؤمنون بفكرة مجنونة ويدافعون عنها بكل إصرار وعنف.
وهكذا الجهل في كل مكان يعمي، ويسير بمعتنقيه إلى ما لا يحمد عقباه لهم وللجميع.

جاري تحميل الاقتراحات...