معن السلطان
معن السلطان

@Maan_AlSultan

5 تغريدة 1 قراءة Dec 22, 2023
يستيقظ المرء من النوم مرات عديدة ولكنه عندما يستيقظ هل حقًا استيقظ؟ أتساءل هنا عن اليقظة الذهنية التي ترافق بعض الصدمات والنوبات النفسية. كيف لأزمة نفسية واحدة أن توقظ الإنسان من غفلة اللاوعي وتكثف حضوره الذهني وتجعله يميل إلى الروحانية وحب الحياة والطبيعة؟
كيف يشعر بعدها المرء بعمق، كيف يذهله شروق الشمس، كيف يطربه تغريد الطير، كيف ينتشي لرؤية السحب الكثيفة، كيف يندهش من جذع شجرة شاهق، كيف تتجلَّى لديه براءة الأطفال، كيف تتهيَّج عاطفته رأفةً بجميع المخلوقات؟ ماذا حدث في كيميائية عقله؟ ما تفسير ذلك علميًا؟
المصائب تأتي على عدة أشكال (انفصال علاقة، موت مفاجئ لقريب، حرب، نوبة اكتئاب حادة، خسارة مالية كبيرة..)، كلها -في نظري- تؤدي إلى نتيجة إيجابية طويلة الأمد على الشخص ذاته إذا استطاع تحويرها إلى منفعة. أنا مفتونٌ بهذا العلاقة القوية بين الانهيار النفسي واليقظة الروحية، بين الصدمات النفسية والإفاقة والازدهار. ربما أن لحظاتنا الدُنيا تملك بداخلها قدرة على التحوّل، ربما أن أسوأ الأحداث بإمكانها استخراج أفضل ما فينا. هؤلاء -من تعرضوا إلى أحداث حياتية مُؤلمة- بدلًا من أن يعترض الحدث السيء سبيلهم زادهم ذلك قوة وتركونا ننظر بإعجاب إلى نجاحهم. ما يجعلني أتساءل: كيف لمن عركتهم الحياة أن يصبحوا أكثر حِنكة وأدبًا وحِكمة؟
للخراب أن يتحول إلى بُستان، إلى حقل مُمتد شاسِع، فقط إذا آمنا أن كل حدث يعترض حياتنا له غاية، يود إخبارنا بشيء ثمين له أن يُغيرنا إلى الأفضل. قد نلاحظ أن معظم الذين تعرضوا لظروف حياة قاسية أصبحوا أكثر نُضجاً من أقرانهم، يعود السبب هنا إلى النظرية العلمية التي تسمى بـ: "نُمو ما بعد الصدمة". ومفهومها هو أن الصدمة لها جانب إيجابي رغم جوانب الألم والمعاناة والكرب والمشقة، وجوانب القوة هنا تمنح الفرد الصلابة وتؤدي إلى إحداث تغييرات إيجابية في حياته كما ترفع من قدرة المرء على الصمود أمام المتاعب التي يُجابهها. والنمو هنا يحصل في الشخصية، والعلاقات الاجتماعية، وفلسفة الحياة، والروحانية، كما يحصل زيادة تقدير للحياة وللطبيعة وللذات.
يشعر المرء عندها بشكلٍ عميق، يُذهله الشروق، ينتشي لرؤية التقاء السحب مع سطح البحر، يطرب لتغريد العصافير، يتنعّم بالنظر إلى سماء تتزيّن بألوان الطيف أثناء الغروب، إلى جِذع شجرة قائم، إلى بدر اكتمل ضوؤه، وإلى فراشة زاهِية تقع على زهرة يافِعة. يفرح لفرح الآخر، يُبهره الجمال أينما كان. يبدأ يُصغي للأشياء التي لها أن تولِّد الشعور، يُدرك فجأة بأن كل الأشياء تُغنِّي، الأشجار، الصخور، الزهور، الفراشات، النباتات، الماء، والكلمات التي يقرؤها، يجعل ذلك حياته أكثر عُمقاً وحيوية.

جاري تحميل الاقتراحات...