فهد الْيِـِحَيَا
فهد الْيِـِحَيَا

@drfalyahya

31 تغريدة 2 قراءة Apr 04, 2023
سأبدأ في سرد .. بل في اكمال سوارح وبوارح من ذكرياتي في جميع نواحي حياتي
في منتدى (ربما دار الندوة) كتبت "أوراق من كراس الطايف" وفي تغريدات عدة استعدت ذكريات متناثرة هنا وهناك
وفي هذه السلسلة سأحكي عن خبرة ربما تكون فريدة:
=
من يريد أن يتخصص في التحليل النفسي (أي نوع من أنواعه) بحاجة إلى التدريب والدراسة 4 سنوات. وأثناءها عليه هو أن يندرج في التحليل النفسي. أي أن يذهب إلى محلل نفسي 5 مرات في الأسبوع على مدى 4 سنوات خلا الإجازات الرسمية وشهر أغسطس في بريطانيا حيث يتمتع كل المحللين النفسيين بإجازتهم =
(أنا هنا أتحدث عن بريطانيا) أما من يريد التدريب فحسب فهو بالخيار! لكن والمطلوب منه اختيار 4 حالات لتطبيق علاج التحليل النفسي "القصير" في 9 أشهر (36 جلسة تخصم منها الغيابات والإجازات).
في السنة الثالثة (والرابعة) من التدريب في معهد الطب النفسي اخترت التدريب في "التحليل النفسي"=
وكنتُ أنوي الحد المطلوب 9 أشهر ولكني قضيت 15 شهرا!
قلت لمشرفتي في قسم التحليل النفسي إني أود رؤية محلل نفسي (على حسابي طبعا) لـ "مجرد" الاستفادة من فترة التدريب. وفرحت كثيرا وسألتني إذا كنت أفضل محللا نفسيا رجلا أو امرأة فأجبتها بأنه لا يهم الجنس بل الخبرة والجودة فرشحت لي =
محللا رجلا أ.ك. ولأمر ما كان المحللون يتجمعون في منطقة سويس كويتج في لندن وليست بعيدة عن سكني ولله الحمد!
لماذا سويس كويتج؟ لأن فرويد كان يقيم هناك وكذلك ابنته وتلاميذه ويمارسون عملهم هناك. حتى أولئك الذين انشقوا وأنضووا تحت مدارس تحليل نفسي خاصة بهم
=
ولمنع أن تسيطر مدرسة واحدة في التحليل النفسي حصل اتفاق "جنتلمان" في جمعية التحليل النفسي البريطانية على الاعتراف بالتدريب في التحليل النفسي الفرويدي والتحليل النفسي الكلايني (نسبة إلى البريطانية ميلاني كلاين) والمدرسة البريطانية الموسومة بـ Object relationship =
لم يهمني مدرسة من تختاره لي المشرفة لأن ا كان يهمني أن أن أتعرف على خفايا نفسي وعلى "تقنيات" التحليل النفسي لأن الفرق الأساس -عموما- بين المدارس يكمن في "التاويل" التحليلي النظري لكل مدرسة =
ذهبت إلى المحلل النفسي في الموعد المضروب! وحسب الطريقة الحديثة كان مقعدينا متقابلان بشكل قطري، وعلى يمينه أريكة تحليل متواضعة ومحل الرأس إلى يمنيه نوعا ما.
على أحد الجانبين طاولة بسيطة عليها ساعة لا تصدر عقاربها صوتا.
لأنها المقابلة الأولى كانت في يديه كراسة صغيرة يدون عليها =
ملاحظات. وبعد هذه المقابلة يقرر إذا ما كان سيبقل بي كـ "متعالج" إن قبل فلا كتابة أثناء الجلسات وكل منها 50 دقيقة حتى ولو كان الكلام المتبادل فيها (وأكثره مني أو من يقعد مكاني) دقائق أو كانت كلها "قرقر".
قلت له بداية: لا مشاكل كبيرة لي No major Problems ولكني جئتُ هنا كي أستفيد =
من فترة التدريب في العلاج التحليلي!
علت وجهه شبح ابتسامة ساخرة غامضة ولكنها أشعلت غضبا كتمته داخلي "من يظن نفسه هذا المتعالم؟ يبدو إنه لا يأخذ كلامي محمل الجد"
ومن ضمن الحديث المتبادل قلت له إني مدخن وإني أنوي التوقف عن التدخين يوم الجمعة الحزينة Good friday =
من أيام عيد الفصح Easter!
قال: آه، الجمعة الحزينة إذاً! هذا مثير للاهتمام!
قلت في سري هذي فرصتك يا ولد كي تسدد طعنة نجلاء لهذا المتعالم! فصحت فيه: "هون عليك! الجمعة الحزينة لا تعني شيئا عندي ولا عيد القيامة (الفصح). أنا ببساطة مسلم"!
وابتسمت ابتسامة المنتصر! لكنه لم يبالِ =
وأكمل المقابلة.
[ هنا أفتح قوسا لأتحدث عن طريقة التدريب على العلاج التحليلي في المعهد: البرنامج مكثف: قراءة وتقديم عرض عن مواضيع وتقديم حالات من قبل الاستشاريين وضيف من خارج المعهد كل أسبوع وورشات عمل وجلسات حوارية.
ولكل مجموعة متدرين مشرف (أخصائي أول) واستشاري يجتمع بهم أسبوعيا=
كانت مجموعتنا 4 متدربين! وجهتنا المشرفة إلى دولاب "حصين" فيه مجموعة من الملفات لـ "متعالجين" تحت الانتظار! تمت مقابلة كل واحد منهم ساعة ونصف من قبل استشاري في العلاج التحليلي وكتب ملخص المقابلة والصيغة التحليلية Formulation.
قبل المقابلة على المتقدم للعلاج أن يملأ عدة استمارات =
فيها أسئلة عن تفاصيل دقيقة عن حياته ثم يأتي لمقابلة الاستشاري في موعد مضروب ثم ينتظر أن يدعونه إلى بدء العلاج مع متدرب!
طلبت منا المشرفة أن يختار كل منا 4 حالات لتحديد مواعيد لبدء العلاج التحليلي. وأخترت 4!
وبدأت في الجلسات العلاجية: لا ورقة ولا قلم. 50 دقيقة أذني مصغية =
والكلام (من طرفي) بحسبان. وما أن يخرج المتعالج "أتناول ملفا خاصا سري جدا أكتب فيه ما دار في الجلسة ووصفا للحركات والسكنات!
وفي كل أسبوع نجتمع باستاذنا الاستشاري وبوجود المشرفة حيث يقدم اثنان على الأقل ما دار في الجلسة العلاجية ويبدأ النقاش التعليمي الممتع حول كل حالة بالدور =
كانت تلك الفترة (15 شهرا) من أجمل فترات التدريب: الجميع يقبلك كما أنت! وكل "خربوطة" تقولها عن نفسك أو الأخرين لها أهميتها ولك احترامك كأنك المعلم وكبير القعدة وأنت بالكاد تركب جملتين على بعض وكلمتين في العلاج التحليل]
=
أعود لاكمال خبرتي الشخصية في هذا المجال الممتع الذي حرمتني البيروقراطية الإدارية ونيافة رئيس القسم بسلطاته الواسعة من الاستمرار فيه .. (وهو أمر لن أتطرق إليه فيما بعد)
المهم =
بدأت رحلتي التحليلية مع أ. ك. (سأسميه كين من الآن فما بعد). وكنت سعيدا بأني "كسفته" وإن الجمعة الحزينة لا تعني لي شيئا من قريب ولا بعيد ولكني اخترتها لأنها ستكون إجازة نهاية أسبوع طويلة 4 أيام من الجمعة إلى الاثنين!
بدأت معه جلسة في الأسبوع ثم جعلتها اثنتين ثم ثلاث (!!!)
=
طبعاً كنتُ أتكلم عفو الخاطر؛ وحتى وإن بدأتُ بموضوع في بالي يتشب الحديث بالتداعي الحر "Free Association" (لا أحب ترجمتها بالتداعي الحر لكن لا يحضرني غيرها) ويقوم هو بالتأويل النفسي ويكون مختلفا ومعاكسا لظاهر قولي مما يثير غضبي.
وهذا دعاني أكثر من مرة أن أذكره بأن علمه محدود =
وإنه ظن إن الجمعة الحزينة تعني لي شيئا! وقال ذات مرة :"تراك صجيتنا! كل شوي تجيب طاري الجمعة الحزينة وإني ظننتُ أن لها معنىً خاصا عندك وبينتَ لي إنك مسلم" وأردف
=
"طبعا لا أمنعك من أن تقول ما تشاء وأن تردد هذه الجملة كثيرا ولكن الأفضل -إني وافقتني- أن نرى لمَ أخذت هذه الأهمية لديك"!
لا ادري في أي جلسة (رقم كم) كانت هذه المداخلة ولكني قبلتها بسهولة وبالطبع في هذا النوع من العلاج أنا (المتعالج) من يحدد الموضوع وسير الحديث =
ولا أذكر إنني تطرقت إلى الحديث حول هذه الجملة لاحقا"!
واستمرت الجلسات
=
واستمرت الجلسات وزدتها إلى مرتين في الأسبوع ثم ثلاث!
وكنت أتحدث عفو الخاطر ثم يأتي كين "بتأويل" نفسي لا أراه صحيحا وأقول له: هذا ليس صحيحا!
فيكون جوابه إما "كما تشاء" أو "ما تشعر حيال هذا" أو "تأمله لاحقا"!
=
وفي إحدى المرات كنت مستاءً للغاية أو كنتُ أبكي (لا أذكر) فقال لي: من الذي كان يقول لا توجد عندي مشاكل كبيرة؟؟!!
هنا علي أن أفتح قوسين للتوضيح:
=
[التحليل النفسي أو أنواع العلاج التحليلي Analytic psychotherapy approches وتُسمى العلاج الدينامي Dynamic psychotherapy تعمد إلى كشف المخبوء في أعماق النفس واضعاف آليات الدفاع النفسي بل وفي أحيان كثيرة تتوسل إثارة القلق Anxiety prov ذلك إن القلق هو "النار الذي يعجل نضج الطبخة"]=
وفي هذا العلاج تعود الذكريات القديمة والتي تكون نسيتها أو تكن قد "كبتت" في اللاوعي أو ما دون الوعي!
أذكر في يوم كان عندي امتحان العملي وجاءت السيرة وقال: "غريب أنك لم جلسة معي في ذات اليوم"
- لم أكن أعلم إنه يمكنني طلب جلسة خارج المواعيد المتفق عليها!
- لأنك لم تسأل! =
كان الامتحان صباحا وأتيت إليه في موعد بعد الظهر .. وكان مصيبا باقتراحه فقد بكيت بكاءً مرا!
ومع أن العلاج التحليلي بأنواعه ليس مباشرا ولا يقدم مواساة أو تعاطف إلا أنها كانت جلسة مفيدة جدا جدا!
=
ذات يوم قال لي: أفكر أن أرفع رسم الجلسة فكم تحب أو تقدر أن تدفع (كانت بـ 25 جنيها إذا لم تخني الذاكرة)؟ لا أريد جوابا الآن ولكن في الجلسة القادمة!
وعندما عدت قلت له: أستطيع أن أدفع ما بين 28 و 30 جنيها!
ويا ليتني لم أقل: استلمني في عدة جلسات لمَ لمْ تحدد وقلت بين كيت وكيت!
=
في العلاج التحليلي -مرة أخرى- كل شيء له دلالة وكل شيء له معنى: تجئ متأخرا إلى الموعد أو تأتي قبل وقتك أو تأتي في الوقت المحدد بالضبط له معنى! أي كلام تقول له عفو الخاطر أو عن قصد له معنىً وتأويل ربما -وهو الأرجح- لا تدركه!
لذا فعلا "طّلع" عيني في جري إلى هذه "المعضلة" =
من المؤكد إنه يعني شيئا توقعه ولكنه لا يريد أن يفضي بي لي بل يريدني -إن كانت افتراضه صحيحا- أن اتوصل إليه!
وإعادة هذا الأمر وتكراره أثار غضبي ونزقي عدة مرات ولا أدري كيف توقف الحديث في هذا الأمر ولا كم الرسم الجديد الذي اتفقنا عليه!
ولكن انتهت دراستي في لندن ولم أعرف الجواب =
لكن ما تبينته هو إن تعاملي مع المال غريب! أفرح بالحصول عليه واصرفه بسرعة!!
لماذا؟ هذا كان سؤاله ..
"يا بلشة الحضران" ما اخلص من شيء حتى يجد أمراً أخر مثيرا للجدل!!
ربااااه!!!
=

جاري تحميل الاقتراحات...