كنت أرجو أن أراها في حلمي تلك الليلة، لكن الكوابيس التي تسكن رأسي دون دفع الإيجار أصرت على أن تكون مقدم الحفل وضيف الشرف والجمهور.. استيقظت كعادتي قبل رنين المنبه، وتعمدت ألا أتذكر ما اختلق دماغي حين نومي بل بادرت بشرب قهوتي قبل أن تبرد..
اتجهت في صمت إلى ذلك المختبر الكئيب دون أن أحيي أو أحيى، وجلست على مكتبي أتأمل الجرذان حقيقة ومجازا إذ وصل البريد المعتاد؛ «تـقـريـر»، ففتحته باحثة عن اسم معين لكنني صعقت باسم آخر شلت لرؤيته كل خلايا جسدي، فكأنما «أردت عمرا وأراد الله خارجة»..
قرأت الاسم أكثر من ألف مرة، وكلما أعدت قراءته ازددت يقينا أن المنبه لم يرن بعد، وفجأة ورد اتصال قطع الشك باليقين، و«عند جـهـينـة الخبر اليقين»؛ لقد ماتت؛ مات آخر جزيء أكسجين في حياتي؛ مات آخر شعاع في ظلمة البحر.. كلا، لم تكن أكيمي بل كنت أنا من مات، ولم أتصور يوما أنني سأبعث..
نظرت حولي فلم أر إلا القوارير الزجاجية والعقارات الملونة وأربعة جدران شديدة البياض كأنها معترضة على سواد قلبي، ثم عدت ببصري إلى التقرير محاولة التركيز.. لم تمت أكيمي بل قتلت، وقتلتها يستعبدونني! هيهات هيهات! فخرجت ودموع عيني كأنها طوفان نوح، وعلموا حين رأوني ما أفكر فيه فسجنوني..
زارتني جميع ذكرياتي في السجن الانفرادي، فكنت أبتسم لحظة لذكرى سعيدة، وأبكي ساعات على الذكرى ذاتها، فأي ذنب اقترفت حتى أعيش في أحضان الغربان؟ وأي مصيبة جرها علي أبواي؟ لقد مررت بهذا الموقف مرات لا تحصى، لكن هذه المرة الوحيدة التي أنا موقنة فيها أن المنبه لن يوقظني..
ماذا سيفعلون بي؟ أسيقتلونني أم سيعذبونني؟ بدأ عقلي يمارس هوايته المفضلة، ويفكر بأسوء الاحتمالات، وشيئا فشيئا تراخت قبضتي، وسرعان ما انفلت من يدي آخر حبل للحياة، فلجأت إلى شقيقي؛ إلى الدواء الذي فرح به والداي قبل أن يفرحا بي، وعلمت حين نظرت إليه أن فيه خلاصي، فتناولته غير مترددة..
يا ويلتى ماذا يحل بي؟ أألقيت في قدر فرعون أم أنا في نار جهنم؟ إن عظامي تذوب كقطعة ثلج في صحراء قاحلة، وقلبي يخفق كمطرقة يضرب بها قاض غضبان.. أهكذا شعرت أيها المتحري؟ لا أصدق أن صورتك هي آخر ما أرى.. ثم أظلمت الدنيا، وشعرت براحة لا مثيل لها وغططت في نوم عميق.
كانت أول نومة لي خالية من الكوابيس من سنين، واستيقظت على صوت خطوات أقدام لا يخفى صاحبها.. أما زلت حية؟ فتحت بصعوبة عيني وأدركت بسرعة ما حدث فزحفت إلى المخرج الوحيد، إذ سئمت سماع صوته مناديا «شيري»، ويبدو أن مكب النفايات يليق بي فلست إلا بقية إنسان مستعمل..
كانت السماء تمطر بغزارة تغسل عني سوادي فيما كنت أسير ببطء محاولة ألا أشرد في تأمل العالم الجديد، ولم يخطر في بالي وقتها إلا عنوان واحد فسرت إليه لعل عدوي يكون لي طوق نجاة، أجر ردائي الأبيض في زحام من البشر والمظلات دون أن يلتفت إلي أحد، والحق أني لم أرد لأحد أن يلتفت إلي..
حتى دخلت ذلك الزقاق بعد أن بلغ مني النصب كل مبلغ، ومشيت مترنحة في اتجاه ذلك القصر الموحش، خطوة فخطوة أمشي بشق الأنفس متوسلة إلى قدمي ألا تخذلاني، لكنني أنا من خذلتهما إذ انطفأت الأنوار فجأة ولم أعد أحس في نفسي بردا ولا أسمع للمطر صوتا، بل لم أشعر بصلابة الأرض حين وقعت منهارة..
لم يخل نومي هذه المرة من الكوابيس، وفوجئت حين استيقظت بشيخ جالس إلى جواري، فرمقني بنظرة حانية ومد إلي دون أن يتكلم كوبا من عصير الليمون الدافئ.. تأملت في وجهه لكنه لم يبدُ مألوفا ولم أسأله عن شيء ولم يسألني عن شيء بل أغلق الباب وخرج.. وبت ليلتي أفكر في منعطفات الساعات الأخيرة..
أصبحت على فطور فيه رائحة الأهل وطعم العائلة، ولا أدري كيف خولت لي نفسي إفشاء كل أسراري لذلك الشيخ.. حدثته عن كل ما كان كطفلة تتكلم مع أبيها بعد أول يوم لها في المدرسة، وصمت طويلا حتى شعرت أني قد أثقلت عليه فأطبقت فمي وأرهفت سمعي موقنة أنه سيطردني في أحسن الأحوال..
ما كنت لألومه لو فعل، فقد آوى مجرمة رفيعة المكانة في منظمة بلغت في الشر مداه، لكن أول ما سمعت أذناي كان صوته الحاني يقول: «حللتِ أهلا ونزلتِ سهلا! أما الماضي الذي تخشين فقد ولى، وأما المستقبل الذي ترجين فله تطلعي، وأما المتحري الذي تطلبين فهو مشغول بالجمع والطرح مع أقرانه»..
تمنيت لحظتها لو أن أكيمي بجانبي كي ترى أن في الناس ذوي قلوب بيضاء، ولا أصدق أني أبدلت بالغربان مثل هذا الشيخ.. عدت إلى غرفتي الجديدة وبكيت طويلا وما كنت قبل بالبكاءة، ولم أزل أبكي حتى غشيني النعاس فنمت، وزارني في منامي طيف أكيمي فحدثتها بخبري وبشرتها بخروجي من الظلمات إلى النور..
ذهبت صباح اليوم التالي إلى المدرسة بعد أن شهدت بعث الأموات وانحجاب الغيوم وسكون الأمواج، وسألته في نفسي: «إن كنت لك أدلر، فهل تكون لي هولمز؟»
- مذكرات: هايبرا آي
✍️ هانزوا
- مذكرات: هايبرا آي
✍️ هانزوا
جاري تحميل الاقتراحات...