صالح بن عيسىٰ العَبْرِي
صالح بن عيسىٰ العَبْرِي

@Saleh_Abri_OMN

19 تغريدة 83 قراءة Mar 12, 2023
وداعًا عبدالحميد
وداعًا خميس
١
قبل أقل من ثلاثة أسابيع وقف الطبيب على سريري الأبيض يعدد مخاطر العملية الجراحية ومما عدده أن هنالك احتمالية للوفاة بنسبة ٨٪ استوقفته وقلت له إذن هي أقل من المعدل الطبيعي للوفاة؟!
قال: كيف ذلك؟
فقلت: أن احتمالية الوفاة للشخص السليم هي ٥٠٪ عند كل زفير وشهيق، فمن أدخل الهواء إلى رئتيه لا يأمن أن يخرجه، ومن أخرجه لا يأمن أن يدخله مرة أخرى.
{إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَیُنَزِّلُ ٱلۡغَیۡثَ وَیَعۡلَمُ مَا فِی ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِی نَفۡسࣱ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدࣰاۖ وَمَا تَدۡرِی نَفۡسُۢ بِأَیِّ أَرۡضࣲ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرُۢ}
فقال: نعم ولكن هذه مخاطر يجب أن نشرحها لكل مريض، وله الحق في الموافقة عليها أو لا، اخلاء للمسؤولية، وتنفيذا للبروتكول المعمول. فأجبته: { أَیۡنَمَا تَكُونُوا۟ یُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِی بُرُوجࣲ مُّشَیَّدَةࣲۗ}.
توكلت على الله.
فقال: يعني أنت جاهز، قلت له نعم، أنا جاهز للعملية، أما الموت فمن منا يتجرأ ويقول أنه جاهز له!
رغم أنه يراود كل واحد منا، ويطرق أبوابنا في كل حين!
أتمرح إن شاهدت نعشًا لهالكٍ
إليكَ أكف الحاملينَ تشير
ورغم أنه اثر عن نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- دعائه أن يكون الموت خيرا حيث قال: "واجعل الموت خير غائب ننتظره، والقبر خير بيت نعمره، واجعل لنا ما بعده خيرا لنا منه يارب العالمين"
الموت لا يأتِ إلينا لينظر استعدادنا، بل هو طارق إن أتى لا ينفع معه طبيب ولا يمنعه حبيب. يخطف الخطفة ويغادر.
الموت يأتِ بغتة
والقبر صندوق العمل
قبل يومين كان على السرير جواري الكل مشغول ومنهك، في محاولةِ انعاشٍ مضنية، لشابٍ لم يصل الثلاثين من عمره، رغم القلق من الجميع، إلا أنه في لحظة ما تنفس الجميع الصعداء أن عاد النبض للقلب المُجهَد!
حينها كانت عملية انعاشٍ CPR ناجحة، هنأ الطاقم الطبي بعضه، أن سخرهم الله لهذا الإنسان فعاد نبض قلبه له.
فشكرًا لكل من أُجْهِدَ نفسًا وبدنًا {وَمَنۡ أَحۡیَاهَا فَكَأَنَّمَاۤ أَحۡیَا ٱلنَّاسَ جَمِیعࣰاۚ}
نُقل المريض بالإسعاف إلى مستشفى ثانوي في مركز المحافظة، ثم بعد ذلك إلى مستشفى ثالثي في العاصمة، جلستُ أفكر ماذا لو كان لدينا اسعاف طائر! وقسطرة جاهزة للتدخل مباشرة عند مثل هذه الحالات، ألا يمكن أن يتم انقاذ هكذا حالات! ووقف نزيف الشباب! فعامل الوقت في هذه الحالة مهم جدا جدا.
عندما كنت مستلقٍ في السرير المجاور، سألتُ أحد أقاربه، من هذا الشاب؟ فقال: هذا عبدالحميد، ياااه عبدالحميد!
ذلكم الشاب الخلوق المهذب! جاورنا فترة من الزمن عندما كان عَروسًا! رياضي البنية، مُشرق الوجه، حسن المحيا، لطيف المعشر، هادئ الطبع، متعاونًا مع الجميع
الموت لا يعرف هذه الصفات، فهو يأت للجميع.
فكم من صحيح مات من غير علةٍ
وكم من سقيمٍ عاش حينًا من الدهر
انتشرت في السنوات الأخيرة مثل هذه الحالة! الجلطات القلبية، وموت الفجأة! بلا سابق انذار، سألتُ ذات مرة أحد استشاريي القلب في المركز الوطني لطب وجراحة القلب هل معدل مثل هذه الحالة ارتفع بعد كورونا؟ فأجابني لا يوجد هنالك ارتفاع مقلق، نعم يوجد ارتفاع بنسبة قليلة.
لم اطلع على دراسات اجريت في السلطنة للوقوف على أسباب ارتفاع عدد هذه الحالات، للوصول إلى سبل الحد منها، أو الطرق المثلى للتعامل معها ومعالجتها، كما لا اعلم حقيقة هل أن جميع الممارسين الصحيين يقوموا كل سنتين بتجديد الشهادة الاساسية BLS!
فضلا أن يكون هنالك ممارسين صحيين في كل نوبة يحملون الشهادة المتقدمة التي هي بالمناسبة ليست اجبارية لأغلب الممارسين الصحيين، سوى للفئات العليا من الأطباء الذين لا يوجدون في مراكز الرعاية الصحية الأولية أصلا.
رحل عبدالحميد، ورحل خميس، بذات السبب، فقد أصيبا في ذات اليوم، وهو ذات اليوم الذي افتتح فيه في الشيراتون مؤتمر القلب، بتنظيم الجمعية العمانية للقلب،وحضره اكثر من ٤٠٠مشارك، من مختلف دول العالم،وقدمت أوراق عمل من خبراء وأطباء قلب عالميين! على مدى ثلاث أيام! وكأنها ترمز لأيام العزاء!
من لم يمت بالسيف مات بغيره
تعددت الأسباب والموت واحد
رحم الله عبدالحميد ورحم الله خميس، فالمصاب جلل، والفقد عظيم، وليس هنالك كلام يعزي هكذا احداث مفجعة، ولا جبر لهكذا شعور بالكسر متشظي
ولكن الله عزّى كل مصاب إن رضي وصبر بقوله
{ ٱلَّذِینَ إِذَاۤ أَصَـٰبَتۡهُم مُّصِیبَةࣱ قَالُوۤا۟:
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّاۤ إِلَیۡهِ رَ ٰ⁠جِعُونَ
أُو۟لَـٰۤىِٕكَ عَلَیۡهِمۡ:
١- صَلَوَ ٰ⁠تࣱ مِّن رَّبِّهِمۡ
٢- وَرَحۡمَةࣱۖ
٣-وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ (157)
أحسن الله عزائكم، وغفر لفقيدكم، وألهمكم الصبر والسلوان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
#صالح_العبري
١٨شعبان ١٤٤٤هـ
١١مارس ٢٠٢٣م

جاري تحميل الاقتراحات...