🇸🇦خالد بن عبدالرزاق آل كمال
🇸🇦خالد بن عبدالرزاق آل كمال

@Khalid_Al_Kamal

19 تغريدة 22 قراءة Mar 11, 2023
1
لماذا تنزل المصائب أحيانا بشكل جماعي على الناس؟
نحن لا ندرك على وجه اليقين الحكمة من نزول أي مصيبة، ولن يختلف هذا الأمر من حيث كون المصيبة فردية أو جماعية، فقد تكون المصيبة واحدة في نزولها على مجموعة كبيرة من الناس إلا أن الحكمة في إصابتها لكل فرد منهم تختلف من شخص لآخر،
2
وهذه الحكمة ليست موضع بحثنا لأنها أمر غيبي في علم الله، لكن الذي يقع في دائرة علمنا وتكليفنا أن نزول المصيبة لا يتنافى مع العدل الإلهي، وأن لكل صابر نصيب من الثواب ومن تكفير الذنوب ومن تزكية النفس وتحسين الخُلق.
ونزول العذاب الجماعي لا يكون إلا بعد قيام الحجة على الناس وظهور
3
ال الحق. ومع ذلك، قد يتساءل البعض: ما ذنب الأفراد الصالحين الذين يكونون وسط تلك الجماعة الفاسدة؟ وسنجيب على السؤال بعد التفريق بين حالتين:
الحالة الأولى: الاستئصال الجماعي بإهلاك أمة أو شعب ما نتيجة إصرار عامة الناس على العناد والكفر والظلم. ولكي تتضح لنا الصورة بكل أبعادها،
4
سنناقش ثلاث نقاط أساسية:
أولا: قد تكون هناك فئة من المجتمع لا تمارس الظلم والكفر، إلا أنها راضية بالمنكر أو لا تقوم بواجبها في محاولة تغييره، فلو حاول الصالحون أن يغيروا لنجى القوم كلهم، كما تقول الآية {وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون} [هود:117]، لكن تقصير الصالحين
5
قد يؤدي إلى العذاب الجماعي كما يحذرنا القرآن الكريم بقوله {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب} [الأنفال: 25]، فالفتنة تعم الجميع عندما يعم المنكر.
ثانيا: عندما قضى الله على بعض الأمم السابقة بالاستئصال، وذلك بعد أن أقام الأنبياء عليهم الحجة
6
وأصروا سنوات طويلة على الكفر والظلم والعناد، فقد أوحى الله لأنبيائه بأن يخرجوا مع أتباعهم الصالحين من قراهم قبل حلول ساعة الهلاك، مثل النبيين نوح ولوط عليهما السلام، ليحل الهلاك بالجاحدين المعاندين فقط، كما تقول الآية {فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا..
7
الذين ظلموا} [الأعراف: 165].
ثالثا: بالرغم من نجاة الصالحين في القصص التي ذكرها القرآن الكريم، فإن نزول الهلاك على أمة ما بوجود الصالحين فيها لا ينفي عدل الله تعالى، فالهلاك نفسه قد لا يكون هو الإجراء العقابي الذي استحقوه، بل هو بالأحرى استئصال للشر الذي عمّ بسبب فسادهم،
8
فيموتون جميعا بما فيهم الفئة الصالحة، أما العقوبة فتكون في الآخرة وليست في لحظة نزول الكارثة التي لا يدوم عذابها إلا ساعة من نهار.
وفي حديث يروى عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن السوء إذا فشا في الأرض فلم يُتناه عنه، أرسل الله بأسه على أهل
9
الأرض، فقالت: يا رسول الله، وفيهم الصالحون؟ قال: نعم، وفيهم الصالحون يصيبهم ما أصابهم، ثم يقبضهم الله إلى مغفرته، ورضوانه [رواه أحمد]. كما تروى عدة أحاديث بذات المعنى، ومنها “إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم، ثم بعثوا على أعمالهم” [رواه البخاري].
10
ويمكننا أن نفهم من هذين الحديثين أن الموت نفسه ليس مصيبة، فنزول القضاء بهلاكهم الجماعي يكون لتخليص الأرض من السوء الذي فشا على يد أهلها، ثم يحاسب الله كل فرد منهم بالعدل يوم القيامة، فمن كان صالحا وقام بما يقدر عليه من الإصلاح نجا من العذاب إلى رضوان الله، وهذا أدوم وأبقى من
11
نعيم الدنيا أو عذابها.
وحتى لو قلنا إن ساعة نزول الكارثة الجماعية تتضمن من الفزع ما يكفي لاعتبارها عذابا، فإنا لا ندري ما يحل بقلوب الصالحين حينئذ، فطالما كنا مؤمنين بعدل الله وقررنا أن هذا الفزع بمثابة العذاب للعصاة فمن البديهي أن نفترض أن الله تعالى سيربط على قلوب الصالحين،
12
فيقبض أرواحهم في تلك الساعة دون خوف، أو يجعل تلك الساعة من العذاب بمثابة كفارة لذنوبهم كما هو حال المؤمن الصابر على أي مصيبة أخرى، والله أعلم.
الحالة الثانية: نزول المصائب الجماعية على أمة أو شعب أو فئة من المجتمع دون هلاك، وما قلناه في مناقشة نزول المصائب الفردية على الناس
13
يمكن أن يقال هنا، فالحكمة الإلهية في المصيبة الفردية قد تكون هي ذاتها الحكمة من وراء ابتلاء كل شخص على حدة عندما ينزل البلاء على الجميع.
ولو قلنا إن مدينة يسكنها الملايين تعرضت لزلزال مدمر، فإن كل فرد من أهلها سينال ثوابه وتُكفر ذنوبه على قدر صبره واحتسابه، كما سيتحقق له من
14
فوائد المكابدة واللجوء إلى الله ما يتحقق أيضا في حال نزول مصيبة أخرى عليه وحده.
ولو أدت الكارثة إلى مقتل بعضهم، فقد يكون في ذلك عقوبة معجلة لبعضهم، وراحة من كبد العيش وتكفيرا للذنوب للبعض الآخر. فلا أحد يعلم استحقاقات كل فرد إلا الله، كما لا يعلم أحد ما يحل بكل فرد من راحة
15
ونعيم وصبر وعذاب وجزع إلا الله وحده.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم “عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا،
ومن سخط فله السخط” [رواه الترمذي وقال حديث حسن]، وقال أيضا “أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل” [رواه أحمد].
16
ولا يعني ذلك أن هناك سنة كونية تقتضي أن يبتلي الله الأمة المؤمنة بالمصائب، فقد كان النبي نوح عليه السلام يعِد قومه بالرخاء إن آمنوا، كما نقلت عنه آيات التالية: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا}
17
[نوح: 10-12]، فالابتلاء يمحّص إيمان الناس ليتبين صدقهم من عدمه، والفرد المؤمن الذي يزداد تلذذا بقربه من الله تهون عليه المصائب إلى درجة الاعتياد عليها، حتى تصبح لذة استشعار تذكير الله له بالمصائب أحب إليه من لذة الرخاء الذي يترافق مع الغفلة والتراخي، وهذه درجة عالية من الصفاء
18
الروحي لا تُعمم على الناس.
إذن فنظرة الإنسان للمصيبة وأثرها النفسي تغير مفهومه جذريا إزاء ما يكمن في المصيبة من خير وشر، فما يراه البعض شرا يراهآخرون خيرا، وهذه النسبية تكفي لاعتبار المحاججة نفسها غير كافية للاستدلال بها على وجود إله مطلق
19
ومنزه عن خيارات الإنسان وقناعاته وأهوائه.
انتهى
من قراءة اليوم - السبيل
@rattibha

جاري تحميل الاقتراحات...