عندما تجلس إليهم أو إلى كلامهم ترى مجرد رقم حجرية محنطة، إن خوطبت لا تفهم، وإن تكلمت أتت بالمصائب والنوائب، قزمت عقولهم على حالة من الجهل الذي لو دخله العلم لأولوه على الباطل والغلط، مصيبتهم واحدة في كل طور:
لا يجلسون إلا مع أنفسهم، ولا يخاطبون إلا ذواتهم، وبهذا يقل العلم، ويزيد الوهم، وتنمو الأمراض، ويكثر الصغير من الكلام حتى يكون هو كل ما يفكرون به، ويقولون به ألفاظهم، ومشكلتهم الكبرى أنهم لا يقرؤون، ولا يستمعون
إذ وقفت علومهم عند كلمات حفظوها قديماً، فتوقف الزمن عندها، وانتهت الأفهام على حدود تلك العلوم القليلة، ولو خرجوا فقرؤوا وتعلموا لاكتشفوا خيراً عظيماً قد فاتهم، ولعلموا مقدار أغلاط أوهامهم، ولاتسعت مداركهم.
الوهم مرض ينشأ من الركود والجمود، وعلاجه فتح الأبواب للعلم، والقراءة، ومباحثة الرجال، وترك التقليد، ومغايرة الإلف والعادة، وحين تنشأ أمراض العقول تصطبغ بها النفوس، فتصبح خلقاً غالباً، وكذلك العكس، فمرض العقول الناشئ من الجمود يعود على العقل بالوهم والجهل، وكل ذلك مفسد للرجل
ومفسد لقوله، ومفسد لرأيه، ولذلك وجب على كل أحد أن يقرأ، ويعرف العالَم، ويكثر النظر في القرآن وتفسيره، وعلومه العظيمة لتزكو نفسه، ويكثر المراجعة للسنة النبوية الشريفة ولسيرة المصطفى ، وقراءة التاريخ: القديم والحديث، وينظر في كتب التزكية السنية
ويطالع أقوال أهل العلم وكلامهم الحكيم، بهذا يعرف العالم، وتاريخه المتعلق بالإيمان: صعوداً وهبوطاً.
الجلوس مع الذات وإدمان الحديث مع الموافق، وكثرة النظر في كلام واحد يُعطّل العقل، ويفسد رؤى المرء وكلامه وأحكامه، ولذلك وجب تعدد العلوم التي يطلبها العاقل، ومن أوجب الواجبات اليوم أن نعرف حقيقة عالَمِنا، وما يحاك لنا، ومَن نحن في العالَم، وما هي حقيقة هذا العالَم
حتى نتعامل تعامل الكبار، الذين يذهبون في تفكرهم لتغيير هذا العالَم، ومن كانت همته عظيمة رأى موقعاً له في العالَم كله، ولا يتحرك كالفأر بمقدار جحره وجرمه، وحين تكبر قضايا المرء تكبر همّته، وحين يرى مَن خصمه من طواغيت العالَم الكبار وشياطينهم الذين يقودون مسيرة الشر
وضع نفسه موضع رجال التاريخ، فترى هذا ينصبغ على كلامه وأحكامه ومقالاته، ومن صغُرت نفسه صغُرت معاركه، وصغُر خصومه، وكل ذلك لجهله وخسة نفسه.
من صغُرت معاركه لم يحتج لغيره، فلا يضره أن يعادي الناس جميعاً، ذلك لأنه لا يحتاج إليهم لصغر ساحة حربه، وقلة حاجته الأدواه، وأما من نظر إلى قضايا أُمّته تعامل بحكمة هذا الموضع، وما يحتاجه، وذلك لأن حكمة المجموع تغاير حكمة الذات والفرد، يعرف هذا كل من تعامل بكلام أهل العلم وفقههم.
الكثير من العاملين للإسلام ما زالوا يعيشون خصومة المساجد، ومناظرات الكتب التي نشأت بين جماعة وأخرى في داخل الحي الواحد والمدينة الواحدة، وتعجبهم أصوات الطحن بين شخوص يستحضرونهم في أذهانهم، فلا ينشغلون إلا بتحصيل غلبة هؤلاء، وبالتالي تصبح عقولهم مصبوغة بهذه الصبغة
فكل معاركهم في هذا الإطار، وحين يكتبون فانما في أذهانهم الواحد من هؤلاء، مع أن المعارك الكبرى تدور حولهم، وعالم المكر مشغول بهم، وهم مشغولون بأنفسهم، وهذا لعمر الله مؤذن بالاستبدال.
كن عظيماً، وفكر بعيداً عن محيطك وخصومك الشخصيين، وانظر إلى ساحة الأُمّة وما فيها من قضايا كبيرة، وتعامل بمقدار ما هيأك الله له ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾
أُمّتنا الآن في عين العاصفة، والواحد من المجاهدين والعلماء يشغل حيزاً كبيراً في أذهان مؤسسات المكر الشيطاني، فلا بُدّ من أن نتعامل مع هذا الواقع، وهذا يوجب التعامل مع أُمّة مسلمة، لا جماعات ولا تنظيمات فقط
وحين نكتب على مستوى ما ينتظرنا، وليس على مستوى ما يحقق نصرنا على مخالفينا من إخواننا.
الكثير مما يكتب بين المسلمين حالة مرضية، وهو أشبه بالمعارك الذاتية لتحقيق انتصار على واحد أو اثنين، نشغل أذهاننا بهما أو بإحدهما، وهذا سيء جداً، وخاصة إذا صدر ممن يسمع له من الناس.
أسأل الله تعالى أن يرفع الهمم، ويجمع القلوب، ويصلح أمراضنا، ويزيل أهواء نفوسنا منا.
والحمد لله رب العالمين.
والحمد لله رب العالمين.
جاري تحميل الاقتراحات...