عـبـدالـعـزيـز
عـبـدالـعـزيـز

@AbdulAziz_Mohd

20 تغريدة 10 قراءة Apr 17, 2023
١. في هذه السلسلة أحب أن أتكلّم عن شيء أحب أن أسمّيه: ”معيار هرقل“. في صحيح البخاري و غيره من كتب الحديث، و كذلك يروي أهل الأخبار قصة حوار أبو سفيان بن حرب مع هرقل عظيم الروم. لست أراني بحاجة إلى ذكر القصة، إذ أظنّ أن القصة يعرفها أكثركم و كانوا يعلمونا في المدارس و نحن صغار.
٢. مختصرها أن هرقل سأل عن الرسول صلى الله عليه و سلم و بما أن أبو سفيان كان أقربهم منه نسبا فأجاب عن أسئلة هرقل. سأل هرقل أبو سفيان عدة أسئلة عن أمر الرسول صلى الله عليه مع قومه غير أني أريد أن أقف عند ثلاثة منها مع أجوبة أبي سفيان و تعليق هرقل عليها.
٣. قال هرقل: ”وسَأَلْتُكَ أشْرافُ النّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفاؤُهُمْ (هذا السؤال الأول) فَذَكَرْتَ أنّ ضُعَفاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وهُمْ أتْباعُ الرُّسُلِ.
٤. وسَأَلْتُكَ أيَزِيدُونَ أمْ يَنْقُصُونَ (هذا السؤال الثاني) فَذَكَرْتَ أنّهُمْ يَزِيدُونَ، وكَذلكَ أمْرُ الإيمانِ حتّى يَتِمَّ...
٥. وسَأَلْتُكَ أيَرْتَدُّ أحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ (هذا السؤال الثالث) فَذَكَرْتَ أنْ لا، وكَذلكَ الإيمانُ حِينَ تُخالِطُ بَشاشَتُهُ القُلُوبَ.“
٦. لاحظ معايير هرقل، المعيار الأول تتمثّل نوعا ما في المكانة الاجتماعية و المعيار الثاني عن حالة الأتباع، أهم يزيدون أم ينقصون و المعيار الثالث الردة.
٧. و أنا في الحقيقة أرى هذه المعايير قوية و في محلّها لاختبار الأفكار الجديدة التي ستستمر طويلا، إن كانت صالحة قريبة إلى الحق من تلك الأفكار البعيدة عن الحق و التي تملؤها الكذب و أستطيع الاستدلال على معاييره من القرآن الكريم و الأخبار المنسوبة إلى الرسول صلى الله عليه
٨. و لكن لست أراني بحاجة إلى ذلك لظهورها و الحمدلله رب العالمين إذ جعل كتابا مبينا فيه من هذه العلوم ما ليس في كتاب آخر. و لست أراني بحاجة إلى الاستدلال على صدق هذا فلسفيا، فإن في كتاب الله الكفاية لكن فقط أريد أن أضرب بعض الأمثلة.
٩. اليوم، حاول أن تختبر هذه الأفكار التي هي قريبة من الحق و فيها من الصواب الشيء الكثير مقابل تلك الأفكار التي هي مبنية على الباطل و فيها كذب عظيم. ستجد أن أكثر الناس كما قال الله سبحانه و تعالى: (يضلّوك عن سبيل الله) ستشعر هذا حقيقة.
١٠. ستختبر ذلك في مواقع التواصل الاجتماعي و في الكتب. الغالب أنّك ستجد أن الأفكار العظيمة يتبعها بادئ الأمر ضعفاء الناس و يزيد عددهم و لا يرتد أحد منهم عن طريقته. هل تريدنا نجرّب معيار هرقل على بعضها؟
لنأخذ مثلا دعوة أهل التنوير ضد التفكير الآبائي في الشرائع و المناهج
١١. المتعلّقة بالدين (اليهودية و النصرانية و الإسلام…الخ) ستجد أن الذين ينبذون الأصنام البشرية، و يكرهون تقديس الآباء و رفعهم مقامات لا تليق بالبشر و ينبذون التقليد الأعمى للآباء ستجد أن أصحاب هذه الدعوات الذين يتبّعونهم بادئ الأمر لا يكونون من أشراف الناس،
١٢. إنما من الضعفاء و من ليس لهم تلك المكانة الاجتماعية المرموقة و الذين ضدّهم من المتمسكين بالمنهج الآبائي يسخرون من أصحاب الدعوات التنويرية بأنّهم قلة و أراذل القوم. و من ثم إن خبُرت الأعداد، ستجد أن أتباع هذه الدعوات و من هم على نفس الخط و الطريقة في ازدياد و ليس في نقصان
١٣. بالرغم من القيود و التخويف الاجتماعي الذي قد يتعرّضون له أصحاب هذه الدعوات. و أخيرا ستجد أن أصحاب هذه الدعوات التنويرية لا يرجعون إلى النهج الآبائي في الغالب، بل أكثر من ”تنوّر“ و تحرر من قيود الأفكار الأحادية و الآبائية السلبية لا تراه يعود لها.
١٤. و مثال آخر، خذ مثلا المؤمنين بأرض الله الواسعة الممدودة و المبسوطة، ستجد أن الذين يعتنقون هذه الفكرة في الغالب هم من ضعاف المجتمع و ليسوا من الوزراء و ذوي المناصب و النفوذ في البلد. و ليسوا من أصحاب الشهادات العلمية الرفيعة أو لهم مكانة في المجتمع العلمي،
١٥. أناس عاديون، بسطاء (بمصطلح اليوم)، لا يُؤبه بهم. و لهذا خصومهم من المؤمنين بالكروية في كثير من الأحيان يسخرون منهم و يقولون بأنّهم جهلة و ضعفاء و نكرة لا يؤبه بهم و ما إلى ذلك.
١٦. و إن انت اختبرت عدد المؤمنين بالأرض المسطحة لوجدتهم في ازدياد و هذا يعرفه تقريبا كل رّاد مواقع التواصل الاجتماعي من المهتمين بهذه المواضيع. و أخيرا ستجد أن أكثر الذين كانوا مثلا يؤمنون بالنموذج الكروي إن اعتنق النموذج المسطّح يصعب جدا أن يعود ليعتنق النموذج الكروي،
١٧. بل الغالب أنّه سيبقى على ما هو عليه، لأن هناك إيمانا جازما لامس قلبه. قارن عدد الذين تركوا النموذج الكروي و اعتنقوا النموذج المسطّح من سنة ٢٠١٦ إلى هذه السنة و قارنهم بعدد الذين تركوا النموذج المسطّح و اعتنقوا النموذج الكروي مجددا، ليس هناك مجال للمقارنة!
١٨. و ما ذكرت قد يكون فيه بشارة لأصحاب هذه الأفكار، أعني تلك الأفكار التي يتبعها بادئ الأمر الضعفاء و من ثم يزدادون و أخيرا لا يتركون الحقائق التي ظهرت لهم خلف ظهورهم. ولا أقول هذا الكلام نظريا فحسب، بل تجربة عشتها بنفسي لست بحاجة إلى دليل لإثباتها.
١٩. فلو أنّك اليوم، جئتني بعشرات الأدلة و حشرت علي كل شيء، ما كنت لأترك ما أنا عليه و أعتنق الفكر الآبائي و أقلّدهم تقليدا أعمى و أعطّل عقلي و أطفئ شعلة التفكير الاستقلالي عندي لأني ذقت حلاوة الإيمان في شيء من الحق في هذا الموضوع.
٢٠. و كذلك في موضوع هيئة السماوات و الأرض، لن أعود و أعتنق النموذج الذي ارتددت عنه وإن زعم القوم بأن عندهم ألف دليل و دليل. فالإيمان خالج قلبي و اطمأن له قلبي طمأنينة جعلتني أقرب إلى الله و كتابه و ازداد حبي له سبحانه و تعالى و لكتابه و الحمدلله…

جاري تحميل الاقتراحات...