برصاصة متفجرة اخترقت حوضه مسببة تهتكًا في الأمعاء والأوعية الدموية الرئيسية، وأخي ظافر يتم تجهيزه لينقل في سيارة الإسعاف لمستشفى في رام الله لتجرى له عملية جراحية طارئة بعد أن أصيب بثلاثة طلقات من الرصاص الحي في صدره.
قررتُ أن أترك أهلي برفقة جواد وأصعد على متن الإسعاف مع ظافر، وفي حين أن أولويتنا الأولى كانت هي إبقاؤه مستقرًا لحين وصولنا المستشفى، إلا أننا كان لابد لنا من التحقق من وجود حواجز إسرائيلية على الطريق، إذ أنه وبحالة وجود حاجز فإن أحد الإحتمالين سيحدث
الأول: أن يتم إيقافنا بشكل متعمد لتركه ينزف حتى الموت، والآخر: أن يترك لينزف حتى الموت ويحتجز جثمانه فنمنع من حقنا في دفنه ووداعه.هذه هي وحشية الإحتلال الإسرائيلي، يغتالُ شابًا في التاسعة عشر باطلاق ٣ رصاصات مميتة نحو صدره واذا أتيح له عرقلة الإسعاف وخطف الجثمان فإنه لا يتوانى
لقد عشتُ كل هذه التفاصيل المرعبة، عشت هذه الأحداث التي لا تفارقني ولا أعرف طريقة لمحوها أو حتى تناسيها.
تمكنا من الوصول للمستشفى، طوال الوقت كنت أراقب علاماته الحيوية وعينيه المغلقتين، أستجديه بصمت ليستفيق. في لحظة وصولنا المستشفى توقف قلب عزيزي ظافر عن النبض
تمكنا من الوصول للمستشفى، طوال الوقت كنت أراقب علاماته الحيوية وعينيه المغلقتين، أستجديه بصمت ليستفيق. في لحظة وصولنا المستشفى توقف قلب عزيزي ظافر عن النبض
بدأ الفريق الطبي بإنعاشه، ولا زالت عيناي في عناق مستمر مع عينيه تستجديهما للعودة للحياة، ولا زلتُ متمسكة بأمل أن يعود ظافر معنا إلى البيت. في هذه الأثناء تلقيتُ اتصالا من أمي لتقول "جواد استشهد، احكيلي انه ظافر بخير، بتحملش اخسرهم الاتنين"
أدركتُ حينها بأن ظافر لن يعود، كيف له؟ هو لن يترك جواد وحيدًا، أدركت حينها بأنني خسرت جواد وظافر للأبد.
بدأ الأمر كله عندما سمع جواد وظافر بإقتحام لقرية كفرعين التي تبعد عن بيتنا بضع أميال، وكعادتهم هرعوا للدفاع عن أرضهم والتصدي لهذا الإقتحام.
بدأ الأمر كله عندما سمع جواد وظافر بإقتحام لقرية كفرعين التي تبعد عن بيتنا بضع أميال، وكعادتهم هرعوا للدفاع عن أرضهم والتصدي لهذا الإقتحام.
احتدت المواجهات بين الشبان وقوات الإحتلال الإسرائيلية، ولمن لا يعرفُ ماهية هذه المواجهات فهي في حقيقتها المبسطة قوات جيوش غفيرة مدججة بأحدث أنواع الأسلحة والقنابل والدروع والرصاص، يواجههم شبانٌ بقلوب لا تعرف الخوف ولا الذعر، يواجهونهم بصدروهم العارية وما تيسر لهم من صخور الأرض
قد يتساءل البعض "لماذا يختارُ الفلسطينيون المقاومة مع علمهم الكامل بأن العدو الإسرائيلي يفوقهم بمراحل كثيرة بالعدة والسلاح والذخيرة؟ لماذا يختارُ الفلسطيني أن يقاوم مع علمه بأنه يضع حياته على المحك بذلك؟" أما أنا فأقول لهؤلاء؛ السؤال الحقيقي هو ماذا كنت ستفعل في وجه هذا الظلم؟
أي خيار آخر قد يختاره الإنسان الشريف تحت وطأة هذا الذل والقمع؟أذكرُ بوضوح شديد اقتحام الجيش الإسرائيلي لقريتنا بيت ريما وارتكابهم مجزرة في حينها أسفرت عن ارتقاء ١٥ شهيدًا ومئات من الجرحى، أذكر الذعر الشديد الذي شعرتُ به، وأذكر بكاء جواد المستمر الذي لم يتجاوز عمره سنةً واحد حينها
والموقف الذي لا يُمحى من ذاكرتي هو عندما قررت أمي أن تأخذنا لبيت جيران لنا إذ أن بيتنا كان مهددًا بالقصف، ولنصل لبيت جيراننا كان يجبُ علينا أن نقطع حقلًا يقابلُ شارعًا يغزوه أنذال الأعداء بقناصاتهم الموجهة نحو رؤوسنا.. أوصتني أمي بأن أرفع يدي عاليًا في إشارة لهم بأن جسدي الصغير..
بأن جسدي الصغير الذي لم يتجاوز الثالثة في حينها لا يشكل تهديداً، مشيت على أطراف أصابع قدمي ورفعت يدي عاليًا الى أن شعرت بتمزق عضلاتي من كثرة الشد، مشيتُ بذعر شديد لأن أكبر مخاوفي كان بأنني قصيرة القامة، صغيرة الجسد، قد لا يبصر العدو يدي المرفوعتين فيطلق نحوي الرصاص.
عندما كنتُ في الخامسة من عمري وكان جواد في حدود الثالثة وظافر لا يزالُ رضيعًا اقتحمت قواتُ الإحتلال الإسرائيلي بيتنا عنوة في مشهد بات اعتياديًا لنا.. قاموا بتكبيل أبي أمام أعيننا وقناصاتهم موجهةٌ نحونا، أذكر الذعر الشديد الذي كان يعتلي وجه جواد في حينها، أذكر عينيه الخائفتين،
واذكر محاولاتي باصطناع الشجاعة في محاولة لتهدئته. أي ظلم هذا! وأي حياة هذه! ماذا يفعل الإنسان الحرّ في وجه كل هذا الظلم؟ في وجه كل هذا الألم والتعذيب والتنكيل؟ لا يُترك للإنسان خيارٌ الا أن يقاوم حتى وإن كان بحجر لكي لا يخسر أمله في الحرية المسلوبة، لكي ينتقم لكرامته الإنسانية.
إن الشعب الفلسطيني لا يختار الموت بل يختار وفي كل مرة العيش الكريم.
إن القول بأنني خسرتُ اخوتي في الحادي عشر من نوڤمبر الماضي مبسط للغاية، مبسط ولا ينصف حقيقة الخسارة وشدة وقعها!
إن القول بأنني خسرتُ اخوتي في الحادي عشر من نوڤمبر الماضي مبسط للغاية، مبسط ولا ينصف حقيقة الخسارة وشدة وقعها!
لم يكن جواد وظافر يومًا اخوتي فحسب، أنا خسرتُ أشخاصي المفضلين، ورفاق دربي، وأحب العالمين لقلبي إلى الأبد. قناص اسرائيلي قرر وبلحظة أن يسلبنا إياهم وإلى للأبد. كيف سمح العالم لهذا أن يحدث؟ كيف للإنسانية أن تغض البصر عن حقوقنا؟
كيف تم تبخيس قيمة حياة الفلسطيني للحد الذي بات قتلنا حدثًا روتينا عاديًا!
اليوم أخصص هذا الرثاء لأخي جواد الذي تخرج من جامعة بيرزيت بعد أن تخصص ادارة الأعمال ليعمل بعدها في البنك العربي الإسلامي، لجواد صاحب الأحلام الكبيرة الذي لطالما خططنا أنا واياه لمشروعه الذي يريد أن يبدأ به ودائمًا ما كان يقول بإصرار "أنا ما بدي أشتغل في شركة، انا بدي أكون صاحبها
ولأخي ظافر المتميز بذكائه وشغفه اللامسبوق، من تخرج من الفرع العلمي بمعدل ٩٨،٤ أي أنه كان من أعلى المعدلات على مستوى الوطن وليس مدرسته فحسب، ليلتحق بعدها بجامعة بيرزيت ليتخصص هندسة الحاسوب، ولطالما قال لنا بإصرار "انا رح ألف العالم ورح آخد امي معي".
قتل الإحتلال الإسرائيلي جواد على عمر يناهز ٢٢ قبل أن يبدأ مشروعه، وقتل ظافر على عمر يناهز ١٩ قبل أن يتخرج وقبل أن يتمكن من السفر خارج إطار الوطن.
أنا أعلم جيدًا بأن كل الرثاء وكل الكلام لن يعيد جواد وظافر، وأعلم جيدًا بأن هذا الألم لن يخففه شيء، لكنني أصر على الحديث وبشكل مستمر إيمانًا مني بأن الخير لا زال موجودًا، وإيمانًا مني بقوة الكلمة وأثرها الممتد، وإيمانًا مني بأن الحديث عن جواد وظافر وتخليدهم هو شكل آخر للمقاومة
اذ أنه من المجحف أن يغيبهما التاريخ وتمحو ذكرهم الأيام. هذا الألم لا يصح له أن يتكرر، لا يصح لأخت أخرى أن تفقد شقيقيها، ولا لأم أن تعيش حسرة أبنائها، ولا لعائلة أن تدفن سعادتها في يوم واحد وإلى الأبد. لابد لهذا الظلم أن ينتهي، وأعلم جيدًا بأنه سينتهي
وأعلم بأن شمس الحق وإن طالت بغيبتها ستشرق يومًا، وأعلم يقينًا بأن جواد وظافر اسمين سيخلدهما التاريخ وتحكي قصتهم الأجيال.
جواد وظافر قدما روحيهما في سبيل أن يستيقظ العالم من غفلته، وهل هناك أغلى من الروح؟
جواد وظافر قدما روحيهما في سبيل أن يستيقظ العالم من غفلته، وهل هناك أغلى من الروح؟
جاري تحميل الاقتراحات...