الصوت أقرب للروح من الجسد، فالصوت حيزه الزمان والجسد حيزه المكان، لذا تطفو الأرواح على نهر الزمان الجاري ومعها أصواتها، وتذوي الأجساد وتذوب الملامح حين يعبرها هذا النهر حتى تغرق في عمقه ويفنى وجودها الحسي، الزمان يحيط بالوجود ويحتويه بما فيه بُعد المكان، والمكان ليس قسيم الزمان=
بل خاضعٌ له، لذا نُخضع كل حركة زمانية للكم والعدد حتى يمكننا الأمساك بآثارها، فالزمان السائل صنعنا منه مفهوم"الوقت" وربطناه بحركة مادية كونية"دورة الشمس"وقسّمناه إلى ساعات وثواني، ثم طورنا الحفر على الشرائط والنبضات الكهربائية لحفظ صورة عن الأصوات لكن عبر الوقت والمدد والدقائق =
لأن الصوت ذاته لايمكن حفظه بل نحتفظ بصورة عنه، نكررها كلمّا أردنا، وتكرارها لايعيد الزمان الذي قيلت فيه والذي حفظت فيه، بل هو تكرار الصورة المحفوظة عنه، إذ أنه لايمكن أعادة الزمن ولاتكراره، كل ما في الأمر هو حفظ صورة عنه وتكرارها.
وهذا سر فتنة الصوت عندي؛ أنه لصيق الروح وأقرب لها من الملامح، ولا أعني بذلك جمال الصوت أو طبقته، بل سر يكمن في تفاصيله لايمكننا التعبير عنه، فبعض الأصوات تمنحنا من الأمان والسعادة والنشوة ما لاتفعله أعظم المباهج وتسافر بنا عوالم خارج عالمنا المحسوس.
وأنا أتفق مع "فانسون" كما في رواية البطء لكونديرا حين أكتشف هذه الحقيقة: (إنّ حظوظ الإنسان لاتتحدد بمظهره، بجماله أو قبحه، بقامته...بل بالصوت، الصوت هو مايحدد كل شيء).
ولا اظن فانسون يعني أي صوت! بل الصوت الذي يرتفع من طبقات الوجدان ويستمد مخارجه من مداخل القلب ومنافذ الروح.
ولا اظن فانسون يعني أي صوت! بل الصوت الذي يرتفع من طبقات الوجدان ويستمد مخارجه من مداخل القلب ومنافذ الروح.
للعقل الكتابة، أما القلب فله الصوت.
جاري تحميل الاقتراحات...