١. التشابهات و الروابط العجيبة بين سورتي البقرة و الأعراف كثيرة، و حقا لا أبالغ إن كتابا واحدا لن يستوعب ذلك في ذكر الفوائد و استنباط الحكم و ما إلى ذلك من هذه العلاقة العجيبة بل بحاجة إلى أجزاء و مجلدات ضخمة غير أننا لازلنا على الساحل مع عجائب القرآن…
٢. و في هذه السلسلة سأسلّط الضوء على لطيفة من اللطائف الرائعة في بين سورة البقرة و الأعراف…
٣. قال الله سبحانه و تعالى في سورة البقرة: ((وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ))
٤. و قال في سورة الأعراف: ((وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ)) لاحظ التشابه بين الآيتين لكن لا تغفل عن الفروق التي بينها.
٥. فمثلا قال في سورة البقرة (نجيناكم) و في سورة الأعراف (أنجيناكم) و هناك فرق و الفرق الثاني في آية سورة البقرة قال: (يُذبّحون) و في سورة الأعراف: (يُقتّلون) و هناك فرق.
٦. أولا الفرق بين (نجيناكم) و (أنجيناكم) ما الفرق؟ كتب أهل التفسير كثيرا في الفرق و لم يغفلوا عنه لكن أحسن من كتب عندي هو الدكتور فاضل السامرائي و لهذا أحب أن أقل كلامه للفائدة العامة: ”ترد في القرآن الكريم أفعال تأني تارة بصيغة (فَعّلَ) وتارة بصيغة (أفعَلَ)
٧. وقد يقترنان في آية أو آيات متتالية، وقد يردان في القصة نفسها في سورتي مختلفتين، وسنحاول أن نتلمس الفرق بينهما في الاستعمال القرآني. إن بناء (فعّل) يفيد التكثير والمبالغة غالبا نحو: (قطّع وكسّر وفتّح وحرّق وسعّر)،
٨. ومن مقتضيات التكثير والمبالغة في الحدث استغراقُ وقت أطول، وأنه يفيد تلبثا ومكثا ، فـ(قطّع) يفيد استغراق وقت أطول من (قطَع)، وفي (علّم) من التلبث وطول الوقت في التعلم ما ليس في (أعلم). تقول (أعلمت محمدا خالدا مسافرا) وتقول: (علمته الحساب)، ولا تقول (أعلمته الحساب).
٩. ومنه استعمال (نجّى وأنجى) فإن الملاحظ أن القرآن الكريم كثيرا ما استعمل (نجّى) للتلبث والتمهل في التنجية، ويستعمل (أنجى) للإسراع فيها. فإن (أنجى) أسرع من (نجّى) في التخليص من الشدة والكرب، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى:
١٠. (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ)
١١. (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) فإنه لما كانت النجاة من البحر تحتاج للسرعة ولم تستغرق وقتا طويلا استعمل (أنجى) فقال (فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون) بخلاف البقاء مع آل فرعون تحت العذاب فإنه استغرق وقتا
١٢. طويلا ومكثا فاستعمل له (نجّى) (وإذ نجيناكم من آل فرعون)
وكذا إن قارنا الآية السابقة بآية شبيهة في سورة إبراهيم وهي قوله تعالى:
وكذا إن قارنا الآية السابقة بآية شبيهة في سورة إبراهيم وهي قوله تعالى:
١٣. (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) ومثلها أيضا في الأعراف
١٤. (وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) نلحظ استعمال (أنجى) في هاتين الآيتين اللتين تتحدثان عن أمر واحد، والسبب فيه أنه في هاتين الآيتين
١٥. ذكر العذاب مضاعفا عما في البقرة فاقتضى ذلك الإسراع في الإنجاء.
أما البقرة فكان العذاب المذكور فيها أقل، فإنه في البقرة فسّر سوء العذاب أنه تذبيح الأبناء واستحياء النساء، أما في الأعراف وإبراهيم فقد جعل التذبيح شيئا آخر غير سوء العذاب بعطف التذبيح على سوء العذاب بالواو مما
أما البقرة فكان العذاب المذكور فيها أقل، فإنه في البقرة فسّر سوء العذاب أنه تذبيح الأبناء واستحياء النساء، أما في الأعراف وإبراهيم فقد جعل التذبيح شيئا آخر غير سوء العذاب بعطف التذبيح على سوء العذاب بالواو مما
١٦. يدل على أن هناك عذابا سيئا آخر غير ما ذكر فالعذاب ها هنا أشد من العذاب الذي ذكره في البقرة فاستدعى الأمر ذكر السرعة في النجاة فقال (أنجيناكم وأنجاكم)، والأمر نسبي حسب لحالة التي نتحدث عنها أو المنظار الذي نشاهدها به في موطن معين يختلف عن موطن آخر،
١٧. فإننا قد نقول في مقام (الدنيا طويلة) ونقول في مقام آخر (الدنيا قصيرة) فلكل مقام مقال.“
كما ترون كلامه حسن و قد يبدو وجاهته و جزاه الله خيرا على هذه الفوائد التي نشرها لنا في منشوراته المقروءة و المرئية.
كما ترون كلامه حسن و قد يبدو وجاهته و جزاه الله خيرا على هذه الفوائد التي نشرها لنا في منشوراته المقروءة و المرئية.
١٨. و بما أني عوّدت قرّاء مواضيعي في لفت انتباههم لهم إلى معانٍ غير مسبوقة من باب اضافة القيمة للقارئ أقدّم هذا للقارئ فأقول بالاضافة إلى ما قاله أهل التفسير و الدكتور فاضل، إن المتأمل في سورة الأعراف سيلحظ أمرا و كأنه نمط في السورة.
١٩. أن الله ذكر قصص الأنبياء فيها مع أقوامهم و ما أصاب أقوامهم من العذاب الأليم، و نلحظ أنّه في كلّها يخبرنا الله عز و جل بأنّه أنجاهم (بالألف)، و إليك الأمثلة، في سورة الأعراف في ذكر قصة نوح: (فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين)
٢٠. و في قصة هود: ((فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين)) و في قصة لوط: ((فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين)) و في قصة موسى و بني إسرائيل مع فرعون:
٢١. ((وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)) و في قصة أصحاب السبت: ((فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون)) لاحظ في كلّها ستجد صيغة (أنجى) و ليس (نجّى)
٢٢. إذن هناك نمط في السورة، و بما أن هناك هذا النمط فناسب أن تكون آية سورة الأعراف فيها (وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ) بدلا من و إذ (نجّيناكم) هذه المناسبة الأولى الاضافية.
٢٣. و المناسبة الأخرى، أنّك ستجد في سورة الأعراف ذكر تفصيل قصص الأنبياء من الدعوة إلى نهاية الأقوام الذين كذبّوا المرسلين، فمثلا فيه ذكر قصة نوح و دعوته و من ثم مصير قومه الذين كان الغرق و كذلك بقية الرسل و مصير أقوامهم و هذا التفصيل غير موجود في آية سورة البقرة
٢٤. التي فيها (نجّينا) و العجيب أنّك تجد في آية سورة البقرة التي تليها و التي فيها ذكر غرق آل فرعون نجد فيها صيغة (أنجينا) و ذلك في قوله سبحانه: ((وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)) وهذا يعطينا إشارة إلى التمييز بين (نجيناكم) في سورة البقرة و (أنجيناكم)
٢٥. في سورة الأعراف و هو أنّه في سورة البقرة يذكّر الله سبحانه نعمه على بني إسرائيل، نعمة تلو نعمة و فضل من بعد فضل و هذا يناسب ما ذكره في سورة البقرة: ((يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين))
٢٦. و الذي يقرأ سورة البقرة سيجد أن الله يذكر تفصيل هذه النعمة و التفضيل من ذكره نجاتهم من آل فرعون و من الغرف و من عفوه بعد أن اتخذوا العجل و إتيانه لموسى الكتاب لعلهم يهتدون ثم من بعثهم بعد الموت بعد أن طلبوا رؤية الله و تظليل الغمام و إنزال المن و السلوى و ما إلى ذلك
٢٧. و لهذا كان مناسبا جدا أن يذكر في سورة البقرة: ((وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَاءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ)) مما لا يدل فقط على المبالغة و المكث الطويل،
٢٨. إنّما يدل على تعداد النعمة في تنجية الله لهم، فإن آل فرعون كانوا يسومون بني إسرائيل سوء العذاب فيحتاجون معه نجاة و يذبّحون أبناءهم و كذلك يحتاجون نجاة و كذلك استحياء نسائهم يعني النجاة كانت بالغة و لكن كانت متنوّعة وعلى فترات.
٢٩. أما النجاة من الغرق بعد أن فرق البحر فهذا حالة واحدة و تدخل مع قرب حلول العذاب. و لكن في سورة الأعراف ليس فيها تعداد هذه النعم بالتفصيل المذكور في سورة البقرة و هذا من دقائق الملاحظات التي سيفرح بها متدبّر القرآن بإذن الله و هذه هي المناسبة الثانية.
٣٠. و المناسبة الثالثة أنه في سورة الأعراف هناك تفصيل لذكر ما أصاب بني إسرائيل من آل فرعون كما قالوا لموسى عليه السلام:
٣١. ((قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ)) و في سورة البقرة هناك اختصار لما لاقوه من آل فرعون فناسب أن يقول: (نجيناكم) ما يدل على
٣٢. تعدد الأوجه في التنجية و المبالغة و ما إلى ذلك مما ذكرتُ من قبلُ و خاصة أن في نجّيناكم تجد الشَدّة و الذي تدل على الشدة التي لاقوها باختصار في الكلمة نفسها و لكن هذا يأخذنا إلى مبحث آخر بخصوص الأحرف و لن يطيقه أكثر الناس.
٣٣. و ليس هذا فحسب، فإن الملاحظ في سورة البقرة أنّه قال ذلك قبل ذكر غرق آل فرعون و لكن في الأعراف بعده. و في الأولى من كلام الله سبحانه و تعالى و في الثانية قد يكون كما يقول بعض أهل التفسير من كلام موسى لبني إسرائيل و لكني شخصيا لا أرجّح ذلك…
٣٤. ما ذكرت سابقا كان بخصوص الفرق بين (نجيناكم) في البقرة و (أنجيناكم) في الأعراف. لكن هناك فرق آخر بين آية سورة البقرة و الأعراف و هي ذكر سوء العذاب الذي لاقوه من آل فرعون ففي سورة البقرة نجد: (يذبّحون) و في سورة الأعراف نجد: (يقتّلون) فما الفرق و لماذا؟
٣٥. الفرق أن القتل عام و الذبح نوع من أنواع القتل، القتل قد يكون بالذبح و قد يكون بطرق أخرى. و بحثا عن الحكمة تكلّم البعض في هذا إن لم تخنّي الذاكرة كان هو الدكتور فاضل السامرائي و استخلص أنه في سورة الأعراف فيه تفصيل لقصة موسى و بني إسرائيل و آل فرعون فناسب أن يذكر (يُقتّلون)
٣٦. هكذا بالعموم و لكن في الحقيقة لم يضعف من شعلة شغفي في التفكّر في هذه المسألة.
من قرأ بعض كتبي و مقالاتي، سيعرف أني أركّز على موضوع أسمّيه النمط، و هذا مرحلة أجدها متقدّمة على السياق و الذي هو مهم جدا أيضا.
من قرأ بعض كتبي و مقالاتي، سيعرف أني أركّز على موضوع أسمّيه النمط، و هذا مرحلة أجدها متقدّمة على السياق و الذي هو مهم جدا أيضا.
٣٧. و بحثت في سورة البقرة فوجدت مناسبة قد يفهمها الإنسان المتعمّق في دراسة هذه المواضيع و هذا هو الجديد و القيمة المضافة التي أحب أن أقدّمها في هذه الجزئية من هذا المبحث المتواضع.
٣٨. نجد في سورة البقرة (يذبّحون) بدلا من (يُقتّلون) و قد وجدت مناسبة ناسبتني جدا، و هي أنه في سورة البقرة نجد فيها قصة البقرة مع بني إسرائيل و الأمر بذبحها و هي المرة الوحيدة التي تُذكر في القرآن كلّه >
٣٩. ((وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين )) و في سورة الأعراف لا وجود لذكر قصة البقرة و الأمر بذبحها فناسب أن يذكر في البقرة (يذبّحون) و في الأعراف (يُقتّلون) فتأمل هذا. و أحب أن ألفت القارئ إلى أمر آخر في
٤٠. الفائدة في ذكره سبحانه (يُذبّحون) في سورة البقرة و ذلك أني قلت في هذه السلسلة من قبل أن في قوله (نجّيناكم) ما يفيد شدّة ما لاقوه فناسب تعدد و المبالغة في ذكر التنجية و من أشد أنواع القتل و الذي يسفك دما كثيرا هو الذبح، و فيه من مباشرة القاتل لمقتوله في سفك دمه بخلاف الأنواع
٤١. الأخرى التي ممكن أن تقع من دون هذه المباشرة. و سأقوم بتخصيص سلسلة خاصة عن المعاني التي استلهمتها من آية سورة البقرة لأن ذلك سيطول و أكتفي عند هذا القدر في الكتابة عن الفرق بين آية سورة البقرة و آية سورة الأعراف.
جاري تحميل الاقتراحات...