خفية الضوء 🌼
خفية الضوء 🌼

@sarab_sr

14 تغريدة Feb 16, 2023
كان يا مكان وفي مدينة لا ترى لها نهايات تصلها الأقدام سيرًا ..
كان يبدأ سيره ليجوب الطرقات كلما بزغت خيوط الفجر ..
يوزع الجرائد حتى ترهقه أشعة الشمس حينها يختار التوقف قليلًا عند الكرسي المجاور للمتجر الذي يبتاع منه بعض الخبز ..
يجلس وحيدًا وظله يرفقه كرفيق وفي ..
يقضم ما يسد به جوعه والأطراف التي الجافة لا يرمي بها؛ يضعها في قصاصات من الجرائد التي يجدها ملقاة ..
ويضعها في جيوب بنطاله ..
يسلك الطرقات المعقدة ..
يعرف الكثير من أصحاب البيوت التي يضع عند بوابتها الجرائد ..
يعرف اللطفاء منهم والبؤساء والغلظاء ..
ويعرف المناضلون منهم والمحتالون الذين يلوكون الكلمات كما تُلك الأطعمة غير الشهية ..
فيتجاوزهم وقد تعلم من تلك الوجوه :
أن السعي لتهذيب الذوات مناط أمره على التربية الذاتية بنسبة كبيرة ..
فلا تهم المسميات أو الألقاب أو حتى المناصب أو عروق القبيلة كُلها مادامت الألفاظ التي تنسل من بين الشفتين فظة تنفر الأرواح من جوارها ..
وما يثير سواكنه يحاول جاهدًا أن تتساقط من ذهنه تساقط ورق الشجر من الأغصان حين تجف ..
يتجه نحو البحيرة التي يفد إليها الكثيرون قبيل الغروب في الساعات التي ينشغل فيها كثيرهم ..
فيجلس في مكانه الذي اعتاد عليه ..
شجرة عملاقة معمرة منذ صباه وهو يحوم حولها كطائر يراها عشه الوحيد في هذا الكون الشاسع ..
يستند عليها ويمد قدميه ..
يتأمل الماء الذي يرى نهايته في الجهة الأخرى ..
صغار من بعيد يركضون ..
وعيون أمهاتهم كعيون صقور ترقبهم بهدوء ..
صوت تغاريد عصافير يقترب ..
رفع رأسه فوجد أعشاشًا تتفاوت أحجامها بين الأغصان المتعانقة ..
ونسيم يحرك أوراق الشجر الخريفية من جواره بكل رقة ..
وكأن هشاشتها كافية لئلا يتم زحزحتها بقسوة ..
حمل مجموعة من الورق تأملها عن قرب ..
إحداهن تحمل تشعبات تشبه أشعة الشمس ..
وثانية بلونها الترابي الباهت وكأن الصحراء لفظتها ..
وأخرى لونها الأخضر ينتحب في زواياه وبؤرة من وسطها كثورة بركان ..
جميعها ذات ألوان دافئة ومض تساؤل في عقله:
هل كل الأشياء التي يغلبها الدفء تصبح هشة ..؟!
أم أن الهشاشة تبدأ سيرتها ما أن يتلاشى الدفء ..؟!
علت تنهيدة من أعماقه نحو فوهتها ..
أنزل الورق من يديه ووضعها جانبًا كما لو أنهن صغيرات يستحققن اللين والرحمة ..
أطلق بصره في الكون متأملًا ..
طيور في جو السماء ..
بط يجوب الماء وكأنه من سلالة ملكية ذات بروتوكلات صارمة ..
تذكرت بقايا الخبز الذي في جيبه ..
نهض من مكانه نهوض من حظي بنصيبه من الغنائم ..
أخرجها من جيبه وجردها من الجرائد التي حفظتها كل هذا الوقت فرمى بها ..
توافدت الأسماك الصغيرة سريعًا ..
والطيور توشك على أن تحط رحالها أيضًا ..
كان يظن أنه الوحيد المبتهجة أساريره بهذا العطاء مُسقطًا من إدراكه ربما سرور السمك بالطعام المفاجئ ..
والطيور التي ترقب الأسماك لتنال نصيبها من الغذاء ..
وبعد أن يمم وجهته نحو الطرقات وضجيج المدينة وعلى محياه ابتسامة من حظي بفرصة البذل سمع ما اجبره على الالتفات ..
طيران تعاركا على قطعة خبز ..
فجالت الذكرى من مرقدها في ذهنه ..
صديقه الذي أوقعه في شراك الخديعة ليسلب منه كل ما يملك ..
صديقه الذي كان يرى فيه نفسه رماه على أبواب الفقر لثقته به ذات يوم ..
قاتلا كثيرا من أجل الوصول وقبل القمة وجد روحه ترتطم في الهاوية وحيدًا ..
وقبل أن يستيقظ شعور خيبته كُله يمم وجهه ثانية للطرقات ..
ركض بكل ما يملك من طاقة راميًا بنفسه في ضجيج المدينة حتى لا يسمع صوته الذي يؤنبه دومًا ..
ومع تسابق قدميه تطايرت الدموع من عينيه تطاير الشرار ..
دموع المشاعر التي عاشت الخديعة والأقنعة المزيفة ..
دموع مشاعر فقدان الوفاء والخيانة..
دموع مشاعر كثيرةلم يستطع يومًا التعبير عنها سوى بسكبها على خديه..
ضاع بين الجموع بهندامه الممزقة أطرافه..
وحقيبته التي يضع فيها ملابسه على ظهره كمسافر من بلد إلى بلد..
علق في الزحام كما يعلق الكثير في مشاعرهم لسنوات..!
#إيقاع_جنوني
#نمير_البيان

جاري تحميل الاقتراحات...