تتمّة
بعد أن بيّنت السلسلة السابقة أنّ القراء السبعة في قراءاتهم متّبعون لآثار من تقدّمهم
فقد يتساءل البعض..
إذا كان مبنى الأمر على الأثر، فلماذا نجدهم يحتجّون ويعلّلون قراءاتهم بالمعنى والعربية ونحوها؟ أليس هذا أدلّ دليل على اجتهادهم وقراءتهم بالرأي؟
بعد أن بيّنت السلسلة السابقة أنّ القراء السبعة في قراءاتهم متّبعون لآثار من تقدّمهم
فقد يتساءل البعض..
إذا كان مبنى الأمر على الأثر، فلماذا نجدهم يحتجّون ويعلّلون قراءاتهم بالمعنى والعربية ونحوها؟ أليس هذا أدلّ دليل على اجتهادهم وقراءتهم بالرأي؟
فالجواب:
يجب أوّلًا التفرقة بين أمرين:
1. الاجتهاد في تقديم واختيار قراءة مأثورة على قراءة مأثورة أخرى.
2. والاجتهاد في اختراع قراءة ليست مسبوقة ولم تُنقل لقارئها بالأثر.
والقراء السبعة قد اجتهدوا فعلًا في قراءاتهم...
يجب أوّلًا التفرقة بين أمرين:
1. الاجتهاد في تقديم واختيار قراءة مأثورة على قراءة مأثورة أخرى.
2. والاجتهاد في اختراع قراءة ليست مسبوقة ولم تُنقل لقارئها بالأثر.
والقراء السبعة قد اجتهدوا فعلًا في قراءاتهم...
ولنضرب خمسة أمثلة واقعيّة تدلّ على هذا الأمر، وتوضّح الفرق بين الاجتهاد لاختراع قراءة، والاجتهاد لاختيار وتقديم قراءة مأثورة، وأنّ النظر السطحيّ المتسرّع في تلك الأمثلة يحملها على الاختراع، ثم النظر الدقيق يؤكد أنّ اجتهاد القراء وتعليلهم إنّما كان لما تحمّلوه من قبل بالأثر:
المثال الأول:
قراءة الكسائي بتنوين (لثمود) في قوله تعالى: (ألا إن ثمودًا كفروا ربهم ألا بعدا لثمودٍ)
انفرد الكسائي بهذا الوجه من بين السبعة
وسئل عن سبب تنوينه له، رغم أنّ أصله عدم تنوين (ثمود) إلا المنصوب
فقال: (نوّنته لقُربه من الكلمة المنوّنة الأخرى [أي: ألا إن ثمودًا])...
قراءة الكسائي بتنوين (لثمود) في قوله تعالى: (ألا إن ثمودًا كفروا ربهم ألا بعدا لثمودٍ)
انفرد الكسائي بهذا الوجه من بين السبعة
وسئل عن سبب تنوينه له، رغم أنّ أصله عدم تنوين (ثمود) إلا المنصوب
فقال: (نوّنته لقُربه من الكلمة المنوّنة الأخرى [أي: ألا إن ثمودًا])...
والنظر السطحي العَجِل سيحكم بأنّ هذا صريح من الكسائي في اختراعه لهذه القراءة بالقياس
وهذا ما قاله بعض أرباب العجلة، بل زاد وردّ على الإمام الداني، فقال: (وعليه فلا يقبل قول أبي عمرو الداني، فإنه بعد أن ساق هذه الرواية قال: "وذلك بعد أن روى الإجراء عن سلفه وتلقاه عن أئمته")...
وهذا ما قاله بعض أرباب العجلة، بل زاد وردّ على الإمام الداني، فقال: (وعليه فلا يقبل قول أبي عمرو الداني، فإنه بعد أن ساق هذه الرواية قال: "وذلك بعد أن روى الإجراء عن سلفه وتلقاه عن أئمته")...
والنظر الدقيق يحكم بأنّ كلام الكسائي وقوله: (نوّنته لذلك) ليس إلّا لتوجيه اختياره وسبب قراءته لتلك القراءة المأثورة
فهو لم يخترع القراءة بتنوين (ثمود) في الموضعين في الآية، بل تلقّاها عن سلفه، فتعليق الداني: (وذلك بعد أن روى الإجراء [التنوين] عن أئمته) تعليقٌ عن علم ومعرفة...
فهو لم يخترع القراءة بتنوين (ثمود) في الموضعين في الآية، بل تلقّاها عن سلفه، فتعليق الداني: (وذلك بعد أن روى الإجراء [التنوين] عن أئمته) تعليقٌ عن علم ومعرفة...
والبرهان اليقينيّ على ذلك:
أنّ الأعمش (ت148هـ) أحد قراء الكوفة الكبار، وشيخ شيوخ الإمام الكسائي، قرأ بتنوين (ثمود) في جميع القرآن، ومن ذلك (ألا إن ثمودا... بعدا لثمود) كقراءة الكسائي في تلك الآية سواء.
بل وزيادة على ذلك، أنّ الكسائيّ نفسُه روى هذه القراءة عن الأعمش
أنّ الأعمش (ت148هـ) أحد قراء الكوفة الكبار، وشيخ شيوخ الإمام الكسائي، قرأ بتنوين (ثمود) في جميع القرآن، ومن ذلك (ألا إن ثمودا... بعدا لثمود) كقراءة الكسائي في تلك الآية سواء.
بل وزيادة على ذلك، أنّ الكسائيّ نفسُه روى هذه القراءة عن الأعمش
وقد نصّ قطرب - وهو من معاصري الكسائي- على قراءة الأعمش بتنوين (ثمود) مطلقًا
وكذلك نصّ الإمام الطبري على قراءة الأعمش
وذكر الفراء أنّ بعض القرّاء قرأ كذلك ولم يسمّه، والظاهر أنّه يقصد الأعمش
وكذلك نصّ الإمام الطبري على قراءة الأعمش
وذكر الفراء أنّ بعض القرّاء قرأ كذلك ولم يسمّه، والظاهر أنّه يقصد الأعمش
فالظاهر أنّ أبا عبيد (ت224هـ) ذكر في كتابه في القراءات هذه القراءة عن الأعمش، وقد أسند قراءة الأعمش من رواية الكسائي.
ولهذا قال الداني - وهو ممّن اطّلع على كتاب أبي عبيد- أنّ ما ذكره الكسائي من العلّة لاختياره، إنّما هو بعد أخذه لتلك القراءة عن سلفه.
ولهذا قال الداني - وهو ممّن اطّلع على كتاب أبي عبيد- أنّ ما ذكره الكسائي من العلّة لاختياره، إنّما هو بعد أخذه لتلك القراءة عن سلفه.
فهذا المثال الأول، يبيّن أنّ قول القارئ: (قرأت كذا لأجل علّة كذا) لا ينبغي أن يؤخذ بسطحيّة وعجلة فيتوهّم منه اجتهاد القارئ في اختراع القراءة بالرأي والقياس.
فقد ثبت بشاهدٍ محسوسٍ أنّ نحو تلك العبارات جاءت في مواضع وليست إلّا في الاجتهاد في "التخيّر من المأثور".
فقد ثبت بشاهدٍ محسوسٍ أنّ نحو تلك العبارات جاءت في مواضع وليست إلّا في الاجتهاد في "التخيّر من المأثور".
المثال الثاني:
قراءة يعقوب برفع (فأجمعوا أمركم "وشركاؤكم") برفع الهمزة بدل النصب.
انفرد بهذا الوجه من بين القراء الثمانية
وذكر في سبب اختياره لهذه القراءة: أنّها مكتوبة في المصحف بالواو
والنظر السطحيّ العِجَل يفهم من نحو هذه العبارات أنّه اخترعها بالرأي كذلك ليوافق المصحف...
قراءة يعقوب برفع (فأجمعوا أمركم "وشركاؤكم") برفع الهمزة بدل النصب.
انفرد بهذا الوجه من بين القراء الثمانية
وذكر في سبب اختياره لهذه القراءة: أنّها مكتوبة في المصحف بالواو
والنظر السطحيّ العِجَل يفهم من نحو هذه العبارات أنّه اخترعها بالرأي كذلك ليوافق المصحف...
أما النظر الدقيق فيحكم بأن ذلك ليس إلا سبب اختياره لهذه القراءة التي تلقّاها من قبل بالأثر، وتلقى خلافها أيضًا، وليس أنّه اخترعها بالرأي
يدلّ على ذلك أمران:
يدلّ على ذلك أمران:
الثاني: أنّه قد جاءت هذه القراءة عن قراء البصرة السابقين ليعقوب البصري
فذكر قطرب البصري والفرّاء في كتابيهما - وكلاهما معاصران ليعقوب، بل وقطرب من أهل بلده-: أنّها قراءة الحسن البصريّ
أي هي قراءة سائرة في البصرة قبل أن يولَد يعقوب البصري
فذكر قطرب البصري والفرّاء في كتابيهما - وكلاهما معاصران ليعقوب، بل وقطرب من أهل بلده-: أنّها قراءة الحسن البصريّ
أي هي قراءة سائرة في البصرة قبل أن يولَد يعقوب البصري
المثال الثالث: المباحثة بين الإمامين القارئين اللغويين الكبيرين:
ابن أبي إسحاق الحضرمي البصري (ت117هـ) -جد يعقوب أحد القراء الثمانية-
وأبي عمرو بن العلاء (ت154هـ) - أحد القراء السبعة-.
قرأ ابن أبي إسحاق: (فإذا بَرَقَ البصر) بفتح الراء
وقرأ أبو عمرو: (بَرِقَ) بكسر الراء
ابن أبي إسحاق الحضرمي البصري (ت117هـ) -جد يعقوب أحد القراء الثمانية-
وأبي عمرو بن العلاء (ت154هـ) - أحد القراء السبعة-.
قرأ ابن أبي إسحاق: (فإذا بَرَقَ البصر) بفتح الراء
وقرأ أبو عمرو: (بَرِقَ) بكسر الراء
وروى الإمام أبو عبيد عن هارون مباحثة جرت بين الإمامين في القراءتين.
قال هارون:
((سألت أبا عمرو عنها، فقال: ("برِقَ" بالكسر، يعني حارَ).
وسألت ابن أبي إسحاق فقال: ("برَق" بالفتح، إنّما "بَرِق" الحنظل اليابس، و"برَق" البصر)...
قال هارون:
((سألت أبا عمرو عنها، فقال: ("برِقَ" بالكسر، يعني حارَ).
وسألت ابن أبي إسحاق فقال: ("برَق" بالفتح، إنّما "بَرِق" الحنظل اليابس، و"برَق" البصر)...
فذكرت ذلك لأبي عمرو، فقال: (إنّما بَرَق الحنظل والنار والبرق، وأما البصر فـ"برَق" عند الموت.
فأخبرت بذلك ابن أبي إسحاق، فقال: (أخذت قراءتي عن الأشياخ نصر بن عاصم وأصحابه).
فذكرت ذلك لأبي عمرو، فقال: (لكني لا آخذ عن نصر ولا عن أصحابه)، كأنه يقول: أخذ عن أهل الحجاز)) انتهى
فأخبرت بذلك ابن أبي إسحاق، فقال: (أخذت قراءتي عن الأشياخ نصر بن عاصم وأصحابه).
فذكرت ذلك لأبي عمرو، فقال: (لكني لا آخذ عن نصر ولا عن أصحابه)، كأنه يقول: أخذ عن أهل الحجاز)) انتهى
فأنت ترى أنّ كلّ واحد منهما بدأ بالكلام والبحث والتعليل أخذًا من اللغة، حتى يتوهّم ذو النظر السطحي أنّ كلًّا منهما إنما اخترع قراءته بما يراه الأوفق للّغة.
ثم انتهت نوبة المباحثة إلى أن بيّن كلٌّ منهما مأخذه من القراءات المأثورة السابقة عليه، فظهر أنّه لم يخترع أحدٌ منهما قراءته
ثم انتهت نوبة المباحثة إلى أن بيّن كلٌّ منهما مأخذه من القراءات المأثورة السابقة عليه، فظهر أنّه لم يخترع أحدٌ منهما قراءته
فهذا شاهد قوي يبيّن فساد تلك النظرة السطحية لنصوص الأئمة وعباراتهم في التعليل والتوجيه والاحتجاج.
وتلك ثلاثة أمثلة، احتجّ فيها الأئمة لقراءاتهم، وثبت أنّ اجتهادهم إنّما كان فيما تلقّوه من قبل بالأثر.
وبقي مثالان من الخمسة، يختلفان نوعًا ما عن ذلك.
وتلك ثلاثة أمثلة، احتجّ فيها الأئمة لقراءاتهم، وثبت أنّ اجتهادهم إنّما كان فيما تلقّوه من قبل بالأثر.
وبقي مثالان من الخمسة، يختلفان نوعًا ما عن ذلك.
المثالان الرابع والخامس لعبارات بعض العلماء المتأخرين عن السبعة، التي قد يتوهّم منها أنّ القراء اخترعوا القراءات بالاجتهاد من غير تمسّك بالأثر:
المثال الرابع: قول أبي عبيد في (لِأَهب):
(وكان أبو عمرو يقرؤها (ليهب لك) بالياء، يذهب إلى أنّ جبريل عليه السلام أراد: (ليهب الله لك)... وهذا الذي ذهب إليه أبو عمرو وجه لا يخفى على أحد ولكنه مخالف لخط المصاحف كلها، وليس هذا لأحد، وفيه تحويل القرآن حتى لا يدرى ما المنزل منه)
(وكان أبو عمرو يقرؤها (ليهب لك) بالياء، يذهب إلى أنّ جبريل عليه السلام أراد: (ليهب الله لك)... وهذا الذي ذهب إليه أبو عمرو وجه لا يخفى على أحد ولكنه مخالف لخط المصاحف كلها، وليس هذا لأحد، وفيه تحويل القرآن حتى لا يدرى ما المنزل منه)
هذا المثال عند العَجِل في النظر ينادي بأعلى نداء على أنّ الإمام الكبير أبا عبيد (ت224هـ) يقول باختراع أبي عمرو لهذه القراءة بمحض رأيه من غير سلف ولا أثر
ولكن هذا وهم فاسد
ولكن هذا وهم فاسد
ولكن قبل أن نعالج قول أبي عبيد، يجب أن نفرق بين أمرين:
1. قول العالم إن القارئ قرأ كذا بالرأي.
2. وكون القارئ قرأ فعلا برأيه.
البعض ينطلق مباشرة من أقوال بعض المفسرين، إلى الحكم بأن القراء فعلًا اخترعوا برأيهم
ويغفل عن أن قول المفسر لا يعدو كونه مجرد رأي له...
1. قول العالم إن القارئ قرأ كذا بالرأي.
2. وكون القارئ قرأ فعلا برأيه.
البعض ينطلق مباشرة من أقوال بعض المفسرين، إلى الحكم بأن القراء فعلًا اخترعوا برأيهم
ويغفل عن أن قول المفسر لا يعدو كونه مجرد رأي له...
وهذا الرأي ليس بالضرورة مستندًا إلى خبرٍ عن القارئ أنّه اخترع ذلك برأيه
وما دام القارئ لم يصرّح بذلك ولم يُنقل عنه، فالجزم بأنّه اخترع رأيه لا يعدو كونه مجرّد ظن ورأي لا ينبغي جعله حقيقة ثابتة
لا سيّما إذا وردت عن القارئ أخبار يحكي فيها عن نفسه أنه يتبع الآثار، كما سبق بيانه...
وما دام القارئ لم يصرّح بذلك ولم يُنقل عنه، فالجزم بأنّه اخترع رأيه لا يعدو كونه مجرّد ظن ورأي لا ينبغي جعله حقيقة ثابتة
لا سيّما إذا وردت عن القارئ أخبار يحكي فيها عن نفسه أنه يتبع الآثار، كما سبق بيانه...
فإذن، على وقت أبي عبيد كان معروفًا أنّ أبا عمرو مسبوق بهذه القراءة
بل ذكرها الفراء شيخ أبي عبيد في كتابه معاني القرآن، الذي كان أبو عبيد نفسه ينقل منه
فحينئذٍ كيف يصحّ أن يجعل أبو عبيد هذه القراءة اختراعًا من أبي عمرو بالرأي من غير سابق أثر؟!
بل ذكرها الفراء شيخ أبي عبيد في كتابه معاني القرآن، الذي كان أبو عبيد نفسه ينقل منه
فحينئذٍ كيف يصحّ أن يجعل أبو عبيد هذه القراءة اختراعًا من أبي عمرو بالرأي من غير سابق أثر؟!
ولهذا يجب تدقيق النظر في فهم كلام العلماء
ومعنى كلام أبي عبيد - والله أعلم-:
[أنّ أبا عمرو أقدم على مخالفة رسم المصحف المجمع عليه والمنقول بالتواتر، معتضدًا في ذلك بقوة المعنى، - وإن لم يخترع القراءة من الرأس بل أثرها عن أحد الصحابة-...
ومعنى كلام أبي عبيد - والله أعلم-:
[أنّ أبا عمرو أقدم على مخالفة رسم المصحف المجمع عليه والمنقول بالتواتر، معتضدًا في ذلك بقوة المعنى، - وإن لم يخترع القراءة من الرأس بل أثرها عن أحد الصحابة-...
ولكن ليس لأحد أن يخالف رسم المصحف المجمع عليه لمعنى يراه أقوى - وإن اعتضد بخبر آحاد عن السلف-، لأنّ ذلك يؤدي إلى اختلال العمل بالمصحف المجمع عليه - وخلط ما استفاض نقله وأُجمِعَ عليه، بما جاء بآثار آحاد لا تقوم بها الحجة، فلا يتميّزان بعد ذلك-]
وهذا المعنى الذي يقبله كلام أبي عبيد لا يقتضي أن أبا عمرو اخترع القراءة برأيه وأنشأها بنفسه من العدم من غير سابق أثر.
والله أعلم.
والله أعلم.
وممّا يؤكّد حَمْل كلام أبي عبيد على هذا المعنى
استعمال الطبري لنحو تعبير أبي عبيد في قراءة مخالفة للمصحف ذكر الطبري أنها وردت عن ابن عباس وعائشة وعدد من التابعين، وهي قراءة (وعلى الذي يُطَوَّقُونَه) بالواو في (يُطِيقُونه)
فقال الطبري بعد أن ذكر من قرأ بالواو من المتقدّمين: ((...
استعمال الطبري لنحو تعبير أبي عبيد في قراءة مخالفة للمصحف ذكر الطبري أنها وردت عن ابن عباس وعائشة وعدد من التابعين، وهي قراءة (وعلى الذي يُطَوَّقُونَه) بالواو في (يُطِيقُونه)
فقال الطبري بعد أن ذكر من قرأ بالواو من المتقدّمين: ((...
وأما قراءة من قرأ ذلك: (وعلى الذين يُطوَّقونه) فقراءةٌ لمصاحف أهل الإسلام خلافٌ
وغير جائز لأحد من أهل الإسلام الاعتراض بالرأي على ما نقله المسلمون وِرَاثةً عن نبيهم ﷺ نقلًا ظاهرًا قاطعًا للعذر. لأن ما جاءت به الحجة من الدين، هو الحق الذي لا شك فيه أنه من عند الله...
وغير جائز لأحد من أهل الإسلام الاعتراض بالرأي على ما نقله المسلمون وِرَاثةً عن نبيهم ﷺ نقلًا ظاهرًا قاطعًا للعذر. لأن ما جاءت به الحجة من الدين، هو الحق الذي لا شك فيه أنه من عند الله...
... ولا يُعترض على ما قد ثَبت وقامت به حُجة أنه من عند الله، بالآراء والظنون والأقوال الشاذة)).
فانظر كلام الطبري هنا في قراءة (يطوقونه)، وكلام أبي عبيد في قراءة أبي عمرو (ليهب)، تجد أنهما من مشكاة واحدة
وأن (الاعتراض بالرأي) ليس مرادًا به الاختراع بمجرّد الرأي، كما سبق بيانه
فانظر كلام الطبري هنا في قراءة (يطوقونه)، وكلام أبي عبيد في قراءة أبي عمرو (ليهب)، تجد أنهما من مشكاة واحدة
وأن (الاعتراض بالرأي) ليس مرادًا به الاختراع بمجرّد الرأي، كما سبق بيانه
ثم لو تنزّلنا عن كل ذلك، فالأمر (في "ليهب") لا يعدو كونه رأيًا لأبي عبيد رحمه الله
وقد ثبت - عمّن سبق أبا عبيد- أنّ هذه القراءة وردت عمّن سبق أبا عمرو من السلف
ولهذا قلنا، إذا افترضنا أنّ أقوال العلماء كأبي عبيد وغيره تقتضي أن القراء اخترعوا قراءات بمحض رأيهم واجتهادهم...
وقد ثبت - عمّن سبق أبا عبيد- أنّ هذه القراءة وردت عمّن سبق أبا عمرو من السلف
ولهذا قلنا، إذا افترضنا أنّ أقوال العلماء كأبي عبيد وغيره تقتضي أن القراء اخترعوا قراءات بمحض رأيهم واجتهادهم...
... فذلك لا يعدو كونه محض رأي وظنّ من أولئك العلماء لم يقفوا فيه على نقل عن ذلك القارئ أنّه اخترع برأيه
وحينئذٍ لا ينبغي أن نجعل أقوال أولئك العلماء سيفًا مسلّطًا على القراء نحكم به عليهم مباشرة وكأنهم وقعوا في ذلك بالفعل بلا ارتياب
وقد بيّن هذا المثال هذا الأمر بأوضح بيان
وحينئذٍ لا ينبغي أن نجعل أقوال أولئك العلماء سيفًا مسلّطًا على القراء نحكم به عليهم مباشرة وكأنهم وقعوا في ذلك بالفعل بلا ارتياب
وقد بيّن هذا المثال هذا الأمر بأوضح بيان
المثال الخامس: في كلام الإمام الطبري على قراءة الكسائي واختيار أبي عبيد(لا يعذَّب عذابه أحد ولا يوثَق وثاقه أحد)، بقراءة (يعذَّب) و(يوثَق) بالفتح بدلًا من الكسر
قال الطبري: ((وقد تأول ذلك بعض من قرأ ذلك كذلك بالفتح من المتأخرين: فيومئذ لا يعذَّب عذاب الكافر أحد ولا يوثَق...
قال الطبري: ((وقد تأول ذلك بعض من قرأ ذلك كذلك بالفتح من المتأخرين: فيومئذ لا يعذَّب عذاب الكافر أحد ولا يوثَق...
...وثاق الكافر أحد، وقال: (كيف يجوز الكسر، ولا معذب يومئذ سوى الله) وهذا من التأويل غلط. لأن أهل التأويل تأولوه بخلاف ذلك، مع إجماع الحجة من القراء على قراءته بالمعنى الذي جاء به تأويل أهل التأويل [أي بالكسر]
وما أحسبه دعاه إلى قراءة ذلك كذلك، إلا ذهابه عن وجه صحته في التأويل))
وما أحسبه دعاه إلى قراءة ذلك كذلك، إلا ذهابه عن وجه صحته في التأويل))
ومن لا يدرك ظروف وملابسات كلام الطبري قد يظنّ أنّ الطبري يرى أنّ الكسائي أو أبا عبيد إنما اخترعا هذه القراءة بالرأي، وسيتوهم أنّ قوله: (وما أحسبه دعاه إلى قراءة ذلك كذلك) صريح في ذلك
ولكن الأمر ليس كذلك يقينًا
ولكن الأمر ليس كذلك يقينًا
لأن الكسائي وأبا عبيد رويا قراءة الفتح عن قراءة النبي ﷺ
وكانت قراءة النبي ﷺ مما احتج به الكسائي كما ذكر الطبري، ومما احتج به أبو عبيد كما ذكره النحاس في إعرابه
وكانت قراءة النبي ﷺ مما احتج به الكسائي كما ذكر الطبري، ومما احتج به أبو عبيد كما ذكره النحاس في إعرابه
والطبري مع معرفته يقينًا بوقوف الكسائي وأبي عبيد على الأثر، ذكر تلك العبارة (وما أحسبه دعاه إلى قراءة ذلك إلّا ذهابه عن وجه صحته في التأويل)
التي يتوهم منها صاحب النظر السطحي العَجِل أنها تعني الاجتهاد في اختراع القراءة
التي يتوهم منها صاحب النظر السطحي العَجِل أنها تعني الاجتهاد في اختراع القراءة
وليس هذا مقصود الطبري قطعًا، بل مقصوده بيان سبب اختيارهما لتلك القراءة المأثورة التي تلقياها عن السابقين، على القراءة المأثورة الأخرى
فتلك شواهد قوية تبيّن أن عبارات (إنما قرأتُ كذا لكذا، ما قرأ فلان كذا إلا لكذا) إنما استعملها الأئمة في بيان سبب اختيار القراءة المأثورة وتقديمها
فتلك شواهد قوية تبيّن أن عبارات (إنما قرأتُ كذا لكذا، ما قرأ فلان كذا إلا لكذا) إنما استعملها الأئمة في بيان سبب اختيار القراءة المأثورة وتقديمها
جاري تحميل الاقتراحات...