أبوخالد الحنيني ✪ ملخِّص 𓂆
أبوخالد الحنيني ✪ ملخِّص 𓂆

@summaryer

28 تغريدة 3 قراءة Apr 26, 2023
جولة أولية مع الإمام الطبري في "جامع البيان".
الحمد لله، وبعد:
- فرغت بالأمس من قراءة الجزء الأول من السِفر العظيم "جامع البيان" للإمام أبي جعفر الطبري -رحمه الله- وكانت البداية في 10/6/1444هـ،
ولعلك تعجب من طول المدة في قراءة جزء واحد، ومن علم ما ألمّ بي مؤخراً زاله عجبه، فوفاة والدي -رحمه الله- كانت بعد يوم واحد فقط من البداية، فارتبط هذا الكتاب بهذه الذكرى المؤلمة التي ما زلت أحاول استعادة توازني بعدها!
- الكتاب على اسمه! "جامع البيان" فهو قد جمع بين دفتيه فنوناً عديدة من علوم الشريعة، فتجد فيه التفسير، والعقيدة، والفقه، واللغة من نحو وصرف وأساليب العرب، كما انه مادة دسمة لقواعد التفسير وقرائن الترجيح،
فمن حاز شيئاً من أصول الفقه وقرأ قليلاً في قواعد التفسير -مع تركيز بسيط- سيعرف لما رجّح الطبري هذا القول، وكيف يعمل هو (= القارئ) ليُحسن الترجيح.
- مقدمة الطبري من المقدمات المركزية في علم التفسير، وتتابع الكثير من المتخصصين في التفسير على شرحها، وبيان قضاياها العلمية، وللشيخ مساعد الطيار @mattyyar شرح مطبوع، ولغيره شروح مسموعة، وقد تضمنت المقدمة عدة قضايا، منها:
1- قرّر أن "الأحرف السبعة" التي نزل بها القرآن هي لغات العرب، لا سبعة أوجه من المعاني، وأطال في ذلك.
2- قرّر أن القرآن نزل بلسان عربي خالص، وأن ما كان في اللغات الأخرى هو مما تشترك فيه اللغات، وأنه لا دليل لمن زعم أن إحدى اللغتين أخذت من الأخرى.
3- قرّر أن ما لا بدّ للعباد من علم تأويله فقد بينه لهم النبي ﷺ ببيان الله ذلك له يوحيه مع جبريل، وهو الذي أمره الله ببيانه لهم (لتبيّن لهم ما نُزِّل إليهم)،
وأنه ﷺ لم يكن كما زعم البعض لا يفسّر إلا القليل، فإن حديث ابن مسعود "كان الرجل إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعلم معانيهن والعمل بهن" يردّ هذا الكلام.
(يحسن هنا مراجعة كلام ابن تيمية في "مقدمة التفسير" للاطلاع على مواطن الاتفاق والاختلاف بين كلام الإمامين، فإن ابن تيمية قرر في المقدمة أن النبي ﷺ فسّر كل القرآن للصحابة،
أما كلام الطبري فإن ظاهره أنه فسّر "كثيراً" من القرآن، لكن يشكل عليه ما أورده الطبري في آخر كلامه، حينما أورد قول ابن مسعود، فإن ظاهره أنهم لا يتجاوزون شيئاً من القرآن حتى يعلموا معانيها، والصحابة تأخذ علم ذلك من النبي ﷺ ، وهذا فهم العبد الضعيف غير المتخصص!).
4- ذكر الطبري في بيان أحق المفسرين بإصابة الحق الأدوات اللازمة للمفسّر في التفسير:
- ما كان تفسيره إلى رسول الله ﷺ دون سائر أمته نقلاً مستفيضاً، أو نقله العدول الأثبات.
- الدلائل المنصوبة لصحة التفسير من جهة اللسان العربي، من شواهد الأشعار أو أساليب منطقهم المستفيضة المعروفة.
وكل ذلك شرطه ألا يكون خارجاً في تأويله عن أقوال السلف من الصحابة ومن بعدهم.
وقضية إجماع المفسرين من السلف؛ قضية استخدمها الطبري بقوة في رد الكثير من الأقوال الواردة في التفسير فيما قرأته من الجزء الأول.
هذا بعض ما ورد في المقدمة.
أما ما ظهر لي من طريقة المؤلف فيما قرأته، فما يلي:
1- للإمام الطبري أسلوب في الكتابة مغاير لما اعتدنا عليه، فأسلوبه موصوف بالصعوبة بعض الشيء، وأحياناً أضطر لإعادة قراءة القطعة من كلامه لأستبين مراد الطبري!
2- قوة الجدل والحجاج لدى الإمام الطبري، سواء في العقيدة، أو التفسير، أو اللغة وغيرها، فتحده كثيراً ما يقول (فإن قيل...) ثم يرجع على القول بالرد والإبطال بظواهر القرآن، أو نصوص السنة،أو حتى لغات العرب وأساليبها، وأحياناً تجده يقول إن للقول وجه وقوة لولا مخالفته لإجماع أهل التفسير.
3- يتضح بجلاء أن للإمام الطبري اختيار خاص في القراءات، وترجيح يصل إلى المنع من بعض القراءات المشهورة المنسوبة للسبعة، وأحياناً يستدل في ذلك بأساليب كلام العرب ومنطقهم،
حتى أني أجد في طريقة الطبري سلفاً للأستاذ محمود شاكر فيما أسماه هو "منهج التذوق" الذي اُشتهر به وكان سبباً لطعن كبير موجّه للأستاذ ومنهجه (ولست هنا في مقام تصحيح منهج الأستاذ محمود شاكر أو رده!).
وللشيخ مساعد الطيار @mattyyar دارسة مهمة بعنوان "هل أنكر ابن جرير قراءة متواترة أو ردّها؟" فلتُراجع.
attyyar.com
4- إذا تقدم للطبري كلام في معنى الآية، فإنه لا يعيد ذلك إذا تكرر، وإنما يحيل إلى الموضع الأول، وربما -بقلّة- تكلم باختصار شديد أو إشارة.
5- يسوق الأحاديث والآثار بأسانيده، لكنه مقلّ جداً -فيما قرأته- من الكلام على أسانيد الآثار صحة وضعفاً.
6- أظهر الإمام الطبري بجلاء سعة علمه باللغة والنحو وأساليب العرب في الكلام، وهي من أسس الترجيح في التفسير الواضحة لديه، فتجده يتكلم عن أصول الكلمات، واشتقاقاتها وأساليب العرب في كلامهم، والأصل في الكلمة عندهم.
7- أكثرَ جداً من بيان أساليب العرب في كلامهم أثناء حديثه عن معاني الآيات، خاصة إذا كانت جواباً لاعتراض حقيقي أو مقدّر من الطبري، وأيضاً: في سياق رد بعض الأقوال في التفسير، وفي ذلك درر ونفائس تسرّ لها القلوب، عنيت بجمعها في تغريدة مستقلة.
كما أنه أكثر من سياق الاختلاف بين البصريين والكوفيين والحكم بينهم، ولما سألت أحد المتخصصين بيّن لي أن البعض يعدّ الطبري من متأخري الكوفيين؛ لأنه ضمّن تفسيره كثيراً من آرائهم، وينقل عنهم نقولاً كثيرة جداً، ينقل عن الفراء وثعلب،
وثمّ رسائل علمية في ذلك، منها رسالتان في جامعة الإمام (الخلافات النحوية في تفسير الطبري وأثرها في المعنى)، و(موقف الطبري النحوي من الأخفش في معانيه)، ولابدّ أنها بحثت منهجه النحوي وميوله المذهبية.
8-يورد الإمام الطبري الأقوال في الآية، ويعقّب كل قول بمن قاله من السلف علماء التفسير، ويورد ذلك كله بأسانيده، ثم يبيّن بعد ذلك كله الراجح منهاً مستدلاً بظواهر القرآن أو طرائقه المعتادة، أو بالسنة، أو بلغة العرب...
وأحياناً قليلة لا يرجح بين الأقوال، كما أنه لا يلتزم بطريقة محددة في عرض الأقوال والترجيح بينها، فتجده يرجّح أحياناً ما أورده أولاً، ويرجح في أخرى ما يورده بعد ثانياً أو ثالثاً، وفي أحيان قليلة لا يرجح بين الأقوال، فهل ذلك لقوة الأقوال عنده، أو لكونها بمعنى متقارب؟ لا أعلم!
وقد ذكر الطبري في 1/482 طريقته في عرض الخلاف فقال "ونحن ذاكرون أقوالهم في ذلك ثم مخبرون بأصحها برهاناً وأوضحها حجة" وهو كلام سِيق في مسألة محددة، لكنها جادة مسلوكة عنده.
9- قرر ما يمكن أن يعدّ معياراً للقراءة الشاذة عنده، حيث قال "وأن ما شذّ من القراءات عما جاءت بالأمة نقلاً ظاهراً مستفيضاً فرأي للحق مخالف" 1/182.
أخيراً، هذا "شيء" مما لحظته من قراء "شيء" من تفسير الطبري، فليست أحكاماً مطلقاً، ولا من متتبع لطريقة الإمام، بل ولا حتى من متخصص، لكنها نظرات تصيب وتخطئ، أسأل الله عزّ وجل أن يعينني على قراءة هذا السفر العظيم وإتمامه، اللهم آمين.

جاري تحميل الاقتراحات...