د. عبدالرحمن عامر
د. عبدالرحمن عامر

@Abdul_rahman_

17 تغريدة 19 قراءة May 07, 2023
إنّ قضية الذاتية في البحث العلمي واعتراف البحث النوعي بها وإنكار البحث الكمّي لها، واحدة من القضايا الجدلية الكبيرة، لأنّها تعبّر ضمنيًا عن التخلّي عن الموضوعية التي تُعدّ إحدى القناعات الراسخة في الفلسفة الوضعية.
في هذه السلسلة سأحاول تبيين وجهة نظري في هذه القضية.
هناك إحساس بنقص المنهج العلمي لدى بعض الباحثين في العلوم الإنسانية، إذ يعتقدون أن تمسكهم بالموضوعية سيجعلهم في مستوى الباحثين في العلوم الطبيعية، ولذلك تجدهم دائمًا ما يُفتّشون عن الموضوعية في أبحاثهم ويُدققون ويشددون على عدم وجود ما يشير إلى ذاتية الباحث أثناء بحثه.
بل إنهم يطالبون الباحث أن يُظهر شخصيته في البحث ثم لا يلبثون أن يقمعوها بمطارق الموضوعية، وهم بهذا يخطئون ويقعون في وهم تفضيل العلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية وبالتالي توهّمهم بالقدرة على تحقيق الموضوعية في دراسة الظاهرة الإنسانية، وهذه قضية أخرى.
إن مسألة الذاتية والموضوعية إشكالية في العلوم الإنسانية، حيث تستدعي الكثير من التساؤلات حول كيفية تحقيق الموضوعية والتجرّد من الذاتية؟ وهل الأرقام كافية لذلك؟ وهل الذاتية مرفوضة في بحوث العلوم الإنسانية؟
المتأمّل في السياق التاريخي الذي أقرّ شرط الموضوعية في بحوث العلوم الإنسانية يلحظ اختلال هذا الشرط على نحو دائم لعدم القدرة على تحقيق الضبط التام للتجارب كما في العلوم الطبيعية، وللفروق الكثيرة بين الأفراد، ولوجود أكثر من عامل وعنصر يؤثّر في السياق التجريبي للظواهر الإنسانية!
لذا ينبغي أن يُميز الباحثون بين الموضوعية كفكرة نظرية في الأبحاث العلمية وبين كونها إجراء تطبيقي، وهنا أعتقد أنه من المستحيل أن نتحدث عن الموضوعية، وتأمّلوا هذا السؤال البسيط: هل كل بحثٍ كمي هو موضوعي وكل بحث نوعي هو ذاتي؟
يؤكّد رواد المنهج النوعي على أنّه من المتعذّر استبعاد العنصر الذاتي في البحوث الإنسانية، وعارضوا فكرة فصل الذات عن الموضوع، كما بلوروا نماذج جديدة لبناء المعرفة قائمة على أخذ بُعد الذاتية في الاعتبار، وعلى التفاعل المتبادل بين الباحث والمبحوث، وعلى النظر إلى البحث كعملية.
ومن خلال تتبعي وتأمّلي في عدد من تعريفات الموضوعية لاحظت ما يلي:
أولًا: هنالك صعوبة بالغة –إذا لم تكن مستحيلة- في تحقيق الاستقلال الكامل بين قائل الحقيقة والحقيقة ذاتها، هذا الاستقلال يعني التنازل عن كل ما يملكه الإنسان من عواطف ومشاعر وأحاسيس.
ثانيًا: معظم تعريفات الموضوعية تنفي أحد مكونات الإنسان وكأنه جماد لا يحس ولا يشعر ولا يتعاطف، في حين أن البحث في العلوم الإنسانية ينبغي أن يبدأ بالتعاطف فهو يتعامل مع الإنسان ويحاول التعرّف عليه وفهمه ودراسة الظاهرة من خلال تفاعله معها وليس بوصفها واقع مادي مجرد.
ثالثًا: الواقع يُعبّر عنه باللغة واللغة خاضعة للنظام الثقافي لها، والإقرار بوجود حقيقة خارجية مستقلة عن الذات هو إقرار بعدم تفاعل اللغة مع الواقع ولا تفاعل الثقافة مع الواقع، والحديث عن "حكم لا يشوبه نظرة ضيقة ولا تحيّز" تحوي الكثير من المبالغات والرهانات الخاسرة.
إذن لماذا يتمسك البعض بالموضوعية ويرى أن الذاتية إحدى سلبيات البحث النوعي؟ وكيف يُمكن لجامعات عريقة مثل السوربون وهارفارد وللوسط العلمي المُحترم أن يقبل بمنهجٍ بحثي إحدى خصائصه الذاتية؟
ينشأ سوء الفهم هذا من الخلط الكبير بين الذاتية والتحيّز، والبعض لديه بعض (العقائد) الكميّة من أن البحث لا يكون بحثًا علميًا إلا إذا تم نفي ذاتية الباحث وإحلال الموضوعية مكانها.
إن الذاتية تختلف عن التحيّز من حيث هي إيمان بالذات وأن الباحث هو قبل أن يكون باحثًا فهو ذات مُفكّرة وله الكثير من القناعات والآراء والمعتقدات، وبالتالي تبدو بعض دعاوى الموضوعية وكأنها دعاوى لإنكار الذات وهذه مسألة غير متحققة من الأساس بل هي دعوى وستظل كذلك.
ما من أحدٍ مهما ادّعى من الموضوعية قادر على نكران ذاته بل إنّه إذا قدر على ذلك فهو أدعى إلى أن يتحيّز ليبدو موضوعيًا، وهذا يطرح مسألة أخرى في الموضوعية، فهي قد تبدو طريقًا إلى المبالغة في رفض الذات ومقاومتها لدرجة تجعل من البحث مثاليًا للغاية وغير قابل للتطبيق!
إن الموضوعية في البحث الكمّي أتت من كون الأرقام هي التي توجّه البحث ونتائجه، لكن هذه الأرقام قد لا تكون وضعت بطريقة موضوعية أعني أنها قد لا تكون بيانات حقيقية مأخوذة من العينة بل بيانات موضوعة.
هنا لا يعود للأرقام احترامها كلغة علمية بل على العكس فقد أسهمت هنا في التضليل، وهذا ناشئٌ عن (ميكافيلية) ممارسات البحث الكمّي في تعامله مع الأرقام إذ يرى أن الغاية هي الرقم والأساليب الإحصائية بينما الغاية هي الحقيقة التي تقولها البيانات.
عودًا على بدء فإن التعارض الذي ورد بين الأستاذين في السؤال حول أن الذاتية ميزة وعيب نابع -في العمق- من موقفين فلسفيين متعارضين في الأساس وإن بدا في مستواه الحجاجي بسيطا وغير قادر على توضيح الحجج المنطقية لذكر الدعوى من كون الذاتية ميزة أم عيب نتيجة الجهل بالأسس الفلسفية لكل موقف.

جاري تحميل الاقتراحات...