عـبـدالـعـزيـز
عـبـدالـعـزيـز

@AbdulAziz_Mohd

25 تغريدة 15 قراءة Feb 02, 2023
١. في هذه السلسلة سأتكلّم عن المشارق و المغارب و سأنقل محصّلة أقوال أهل التفسير من السلف فيها، و سأشارككم ببعض آرائي فيما يخص المشارق و المغارب...
قال الله عزّ وجلّ: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْن) [الرحمن: ١٧]
٢. يستدلّ بهذه الآية بعض المعاصرين في إثبات أنّ الأرض كروية، فيقولون: لو أنّ الأرض مسطّحة لوجب أن يكون هناك مشرق و مغرب واحد فقط، ويستحيل أن يكون هناك مشرقان أو مغربان أو حتى مشارق أو مغارب، وأنا أقول: هذا الاستدلال ضعيف و يدل على تفشّي الجهل و التقليد و الله المستعان...
٣. أولا سبب تفوّههم بمثل هذ الكلام تخيلهم أنّ الشمس عظيمة جدًّا بحيث إنّها أعظم من حجم الأرض بمئات المرات، وإنها أبعد منا بملايين الأميال و ما يقوله العلم الحديث عنها. من قال إنّ هذا مُسَلَّمٌ وصحيح عند الجميع؟ إن كنت مؤمنا بما يقوله العلم الحديث فهذا شأنك لا تلزم إيمانك غيرك...
٤. لو أنّ عقلك -يا قارئ هذه الكلمات- استطاع استيعاب أنّ الشمس يمكن أن تكون أصغر بكثير من حجم الأرض، وأنها هي التي تتحرك لسهل عليك فهم الآية. فإنّ الشمس إن كانت مضيئة وصغيرة الحجم لا يلزم من طلوعها أن تشرق الأرض جميعا فور طلوعها!
٥. خذ سطحا كبيرا جدًّا، واختر مكانا مظلما ثمّ استخدم المصباح اليدوي عبر هاتفك المتنقل، وقرّب هاتفك من السطح الكبير الذي تحته ثمّ حركه حركة دائرية، ما الذي تراه؟ ستكتشف أنّ جزءًا من الجسم المسطّح يضيء فقط، أما البعيد فإنه مظلم.
٦. صار عندنا على السطح العظيم جزء مضيء وجزء آخر مظلم، ولاحظ أنّك لم تكن مضطرا لتحريك الجسم المسطّح، ليكون لك مكان مظلم على الجسم، ومكان آخر مشرق كل ما في الأمر أنّك تحرّك يدك الممسكة بالهاتف النقّال و حرّكتها فوق السطح.
٧. حتى المفسرون الأوائل لم يُشكل عليهم فهم الآية، فهموا منها عدة أشياء لا تلزم منها أن تكون الأرض كروية، مثلا قالوا: إنّ المشرقين المقصود بهما مشرق الشمس في الصيف ومشرقها في الشتاء...
٨. وقال آخرون مشرق الشمس ومشرق القمر، ومغرب الشمس ومغرب القمر، وقال آخرون شروق الشمس وغروبها والفجر والغسق. فكلّ هذه الأقوال تتفق تماما مع النموذج المسطح للأرض من غير الحاجة إلى تبني النموذج الكروي للأرض و بالتالي الاضطرار إلى تغيير الكلم عن مواضعه....
٩. من لطائف و دقائق فهم القرآن أنك تجد الله سبحانه وتعالى قال: (رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) ولأن الكلام عن الوحدانية فكأنه سبحانه أفرد المشرق والمغرب، والخطاب مُوجّه لفرد وهو الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
١٠. و قال في سورة الرحمن: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْن) والمخاطب في آيات سورة الرحمن اثنان، جنسان سواء كان المقصود الإنس والجنّ، أو الذكر والأنثى، وستجد معظم آيات السورة فيها ذكر زوجين مثل (الشمس والقمر بحسبان) و (مرج البحرين لا يبغيان)
١١. و (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) و (لم يطمثهن إنس ولا جان) وهكذا. والأجمل من ذلك بداية السورة باسم "الرحمن" والأعجب كون الاسم آية بحدّ ذاتها، وفي هذا أسرار عظيمة يصعب عليّ شرحها في صفحات و قد أفردت كتابا مستقلا مستلهما من هذا الإسم...
١٢. ولما كان الحديث عن الجماعة مثل قوله عز و جل: (أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا ۖ إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ)
١٣. قال بعدها: (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ) (عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) جمع المشارق و المغارب.
إضافة إلى الأقوال التي ذهب إليها المفسّرون عن تفسير المشرقين أو المشارق.
١٤. في واقع الأمر لديَّ منظور آخر وقول محتمل غير الذي ذهب إليه المفسّرون من المتقدمين والمتأخرين. وهو أنه ماذا لو أنّ هناك مشارق حقيقية مادية للشمس؟ أبواب أو كما يقال "باللغة" الإنجليزية Portals؟
١٥. وفي كلّ يوم تطلع الشمس من بوابة محددة أو نافذة أو مكان محدد ، وتغرب في بوابة أو مكان محدد.
و كلامي يدل على أن المسألة غير مقتصرة على المنظور، لكن أبواب و نوافذ حقيقية غير مرئية لنا.
١٦. بهذا الفهم الذي ذكرته، أقول قد يكون المشرق والمغرب من باب جنس الشروق والغروب، والمشرقين و المغربين، البابين الرئيسيين سواء اعتبرتها بوابتي الصيف والشتاء، أو الجانبين أو غيرها، والمشارق والمغارب الأبواب المختلفة. وهذا الذي يطمئن له قلبي أنّ هناك مشارق ومغارب حقيقية،
١٧. وليست المسألة مجرد أمر نسبي أو فقط خاص بالمنظور.
خاصّة أنّ الله سبحانه وتعالى يسبق كلامه عن المشرق والمغرب، أو المشرقين، أو المشارق بقوله: (رب) وإن أنت تأملت كلّ مربوب لوجدته أمرا حقيقيًّا، أي جوهر لا عرض.
١٨. مثلا: (ربّ العالمين) العوالم أو جميع الموجودات و(ربّ السماوات والأرض) السماوات والأرض لها وجود حقيقي فيزيائي وقوله (ربّ العرش) والعرش معروف عند أكثر المسلمين، وقوله (ربّ هذا البيت) والبيت كذلك شيء له وجود فيزيائي وهكذا.
١٩. إذن، بعدما استقرأت القرآن و تدبّرته وجدت عندما يقول الله سبحانه وتعالى: (ربّ المشرقين ورب المغربين) و(ربّ المشارق والمغارب) فلابدّ أنّ المربوبات هذه مخلوقة و بلسان أهل الكلام (جواهر، وليست بأعراض) أي أشياء لها وجود فيزيائي و ليست معنوية،
٢٠. وهذا التتبع لآيات القرآن السبب في استلهامي أنّ هذه المشارق والمغارب قد تكون أشياء موجودة لها وجود فيزيائي مثل الأبواب و النوافذ أو شيء من هذا القبيل.
هذا الكلام الذي ذكرته كلام قديم لي نشرته مرات عدة في أكثر من منصة و مقال و كتاب...
٢١. بعد أن كتبت ما سبق، وأنا أُقلّب صفحات الكتب، وجدت رواية منسوبة إلى ابن عباس تدعم كثيرا ما ذكرته، ففرحت به كثيرًا، وفي الحقيقة كلما تأملت القرآن وتدبّرته بشكل مستقلّ، ووصلت إلى نتيجة أجد أن ابن عباس الصحابي المعروف قد سبقني إليها، فأقول: سبحان الله!
٢٢. لعلّه لهذا السبب لُقِّب بترجمان القرآن، لأنني بعد أن بلغت جهدي في تدبّر الآيات وربطها ببعضها في هذا الموضوع أجد له مقولة تشبه مقولتي أو ما شابهها و الحمدلله.
٢٣. أخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال: "إنّ للشمس ثلاثمائة وستين كوة تطلع كل يوم في كوة، فلا ترجع إلى تلك الكوة إلى ذلك اليوم من العام المقبل، ولا تطلع إلا وهي كارهة، تقول: رب لا تطلعني على عبادك، فإني أراهم يعصونك".
٢٤. وشبيه بالذي سبق قول ابن أبزى عندما تكلّم عن الآية: (ربّ المشرقين ورب المغربين) قال: "للشمس ثلاثمائة وستون برجا في المشرق، وثلاثمائة وستون برجا في المغرب، لا تطلع يومين في برج واحد، ولا تغيب يومين في برج واحد"...
٢٥. وهناك رواية أخرجها أبو الشيخ عن ابن آدم: "الشمس تمكث في كل برج شهرا، والبرج ثلاثون مطلعا، بين كلّ مطلعين شعيرة، تنقص حتى تستكمل الساعة في ثلاثين يوما، ثمّ تتحول من ذلك البرج إلى البرج الآخر".

جاري تحميل الاقتراحات...