نادى سين -الابنُ الأكبر لتشو- على كبير السقاة وكبير الخدم. جلب الخدم صحونًا مليئة بالعنب والخوخ والتوت. وأحضر السقاة الأباريق الفضية التي تفيض بالنبيذ. "متى سيكون لحم الثور جاهزًا؟" همس الملك لصبي من الخدم يدعى ماو.
ردَّ ماو بعد أن انحنى ليقترب من أذن الملك: " عند الغداء يا مولاي". " لنشرب مثلما شربنا قبل ثلاث سنين" صاح الملك. حرّك تشو كأس النبيذ حركة دائرية وتبدلت ملامحه الفرحة إلى شيء من الحزن وهو يحدق في حمرة النبيذ التي أشعلها ضوء الشمس القادم من النافذة.
. "كيف حال المملكة الوسطى -مملكة الرمل-؟" سأل تشو الملك فاروق. وضع الملك فاروق سبابته وإبهامه على عنق الكأس ثم قال: " تجّار المملكة الغربية يأتون كل صيف لمبادلة الملح والتوابل بالذهب،...
...، لكنَّ الخطابات والرسل التي نرسلها إلى ملكهم حيّان يبدو أنها لا تصل إليه. لقد حاولنا مخاطبته بكتابين أرسلناهما الشهر الفائت، لكنّ الرسل لم يعودوا". رفع تشو جبينه بدهشة وقال مازحًا: " ربّما... هه.. ربّما يكون الآن قد جهّز جيشًا من جنّ بلقيس وتنانين إليانور!".
قهقه الملك فاروق وشدّ بيده على عنق الكأس ثم قال: " سيكون عليه خسارة يديه إذن! " ضحك الملكان ضحكة مطوّلة، وضحك خلفهم الوزراء والمستشارون، وأطبق الجنود شفاههم ليمنعوا أنفسهم من الضحك.
"إنه القَسَم القديم" همس كبير الخدم الذي كان يقف قرب الباب وبجانبه الخادم الصغير ماو ليُفهمه ما يُقال. "كان ذلك قبل ثلاث سنوات" تابَع كبير الخدم، " أظن أنّ أمك أخبرتك بذلك، إنها ذات الحرب التي قتل فيها والدك يا ماو. لا ندري ما الذي أشعل الحرب.
. كان ملوك الشرق والغرب والأراضي الوسطى حكماء حين تركوا عروشهم لأبنائهم. لقد استعانوا بساحرة من بلاد الأساطير وغمسوا أيدي أبنائهم في تعويذة سكبتها الساحرة في قِدر القَسَم. لقد أقسم تشو وفاروق وحيان على ألّا يغزوا أي منهم الآخر ما داموا أحياء.
وإن قصد أحدهم غزو بلاد الآخر فإن الساحرة ستعاقبه بقطع يديه"
ذُهل الصبي ماو ذو الثماني سنوات مما سَمع، فقد كانت وقائع الحرب التي مات فيها والده تعاد على مسامعه في أناشيد الأطفال وحكايا جدته وبكاء أمه، لكنّه لم يسمع قط عن القسم القديم!
ذُهل الصبي ماو ذو الثماني سنوات مما سَمع، فقد كانت وقائع الحرب التي مات فيها والده تعاد على مسامعه في أناشيد الأطفال وحكايا جدته وبكاء أمه، لكنّه لم يسمع قط عن القسم القديم!
"إنّه سِر" همس كبير الخدم "فنحن لا نريد لأحد خارج القصور الثلاثة أن يعلم بحقيقة أن امرأة هي من أوقفت الحرب بين ثلاثة من الجبابرة".
بعد الغداء وفي قاعة الضيوف، كانت الخادمات يجمعن الصحون وما بقي من وليمة الثيران المهيبة، ويمسحن الطاولات الخشبية اللامعة بالمناديل. تجاذبت النسوة أطراف الحديث ثم قالت ليلى: "وعدتني يا موان بأن تخبريني قصة عرش فوبوس...من هو فوبوس هذا؟".
ابتسمت موان ثم قالت: " كان ذلك قبل ثلاث سنوات بعد انتهاء الحرب. أراد أبي أن يبني عرشًا مهيبًا على أنقاض عرش والده الذي حطّمه الغزاة. لقد أرسل أبي سفينتين إلى جزيرة النار لإحضار فريق من أمهر الحرفيين. لكن بعد أيام عادت السفينتان ومعهما بنّاء واحد فقط! كان ذلك هو فوبوس".
قالت ليلى وهي تحرر إصبعًا من يدها المقبوضة عند نطقها لكل كلمة: " جزيرة النار وإليانور والتنانين وفوبوس". ابتسمت موان قائلة: "نعم، إنها إحدى الجزر العجيبة بحق!"
صباح الغد اجتمع الوفد استعدادًا للعودة إلى بلاد الرمل. تزينت موان بالحرير الأبيض وفتلت شعرها الطويل وربطته بشريط لؤلؤي، ولبست عقدًا من خرزات العقيق القاني.
نُفخت الأبواق وقرعت الأجراس واجتمع الناس في ساحة القصر.
نُفخت الأبواق وقرعت الأجراس واجتمع الناس في ساحة القصر.
"أهدي اليوم ابنتي موان إلى صديقي الملك فاروق، فقد اعتاد منّا أن نهديه كل عام أثمن ما نملك. واليوم صارت ابنتي موان مستعدة لتكون خادمته وناصحته الأمينة"
في الشتاء التالي، وفي ليلة باردة هادئة صمتت فيها الحيوانات وسكنت فيها الرياح، سمعت جدران قلعة الرمل بكاء ابن موان للمرة الأولى.
في الشتاء التالي، وفي ليلة باردة هادئة صمتت فيها الحيوانات وسكنت فيها الرياح، سمعت جدران قلعة الرمل بكاء ابن موان للمرة الأولى.
جاري تحميل الاقتراحات...