ومُشاركةُ الإخوانِ أدبٌ لا ينبغي التَّهاونُ فيه، والتَّراخي في أدائهِ، فبهِ يستَوثقُ حبلُ الوصلِ، ومتى ما خامرتِ النُّفوسَ زَكَّتها وما مرَّت على طِباعِ نبيلٍ إلاَّ هذَّبتها
ومن ذلكَ ما حكاهُ اليزيدي: رأيتُ الخليل بن أحمد فوجدته قاعدا على طِنْفِسَةٍ (حصيرٌ صغير) ، فأوسع لي فكرهتُ التضييق عليه؛ فقال: إنه لا يضيق سمّ الخياط على متحابّين ولا تسع الدنيا متباغضين.
كما رُويَ عن الحسنِ البصري أنه مشى مع صاحبهِ، فانقطعَ شِسعُ نعلهِ، فمشى حافياً، فإذا بالحسنِ يخلعُ إحدى نعليه - يُريدُ أن يُواسِيَ صاحبهُ
وهكذا كان الدينُ وسُنَّةُ النَّبي ﷺ تحمِلهم على مكارمِ الأخلاقِ وأحاسِنِها.. لما رُويَ عنه - في مُعاملةِ صحابتهِ إذ يُدعى لوليمةٍ طعامُ رجلٍ أو رجُلينِ وقد نالَ منه الجُوع ومن أصحابهِ حتى قال جابر في صفةِ ذلك : (وَلَبِثْنَا ثلاثة أَيَّامٍ لا نَذُوقُ ذَوَاقًا)..
فإذا بهِ يُنادي في المُهاجرينَ والأنصار أن قُوموا لبيتِ عبدالله بن جابر -رضِيَ الله عنه- .. فما أكرمهُ وأحلمه... تهديهِ صبيَّةٌ بِضعَ تُميراتٍ فيدعو الله أن يُباركَ في التمر حتى صَدَرَ أَهْلُ الْخَنْدَقِ عَنْهُ وَإِنّهُ لَيَسْقُطُ مِنْ أَطْرَافِ الثّوْبِ.
بل كانَ السَّلف - رحِمهُم الله- قد بلغُوا حسنِ المُشاركةِ الغاية حتَّى مع البهائم العجماء إذ روت حُميدةُ ابنةِ عُبَيدِ بنِ رِفاعةَ، عن كَبْشةَ بنتِ كَعبِ بنِ مالكٍ، -قال إسحاقُ في حديثِه: وكانتْ تحت ابنِ أبي قَتادةَ- أنَّ أبا قَتادةَ دَخَلَ عليها، فسَكَبَتْ له وَضوءَه،
فجاءتْ هِرَّةٌ تَشرَبُ منه، فأصغَى (أمالَ وأدنى) لها الإناءَ حتى شَرِبَتْ، قالتْ كَبْشةُ: فرَآني أنظُرُ إليه، فقال: أتَعجَبينَ يا ابنتَ أخي؟ فقالتْ: نعم، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: إنَّها ليستْ بنَجَسٍ؛ إنَّها مِن الطَّوَّافينَ عليكم والطَّوَّافاتِ.
جاري تحميل الاقتراحات...