شاهدت من يومين حلقتين من برنامج "المقابلة مع علي الظفيري" واللتين كانتا مع المؤرخ والأكاديمي الإسرائيلي آفي شلايم، وأعتقد أنهما حلقتان في غاية الأهمية.
آفي شلايم أستاذ متقاعد للدراسات الدولية بجامعة أوكسفورد وله العديد من الكتب والدراسات عن تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي، وتحديدا عن نكبة ١٩٤٨. في كتبه ودراساته فند شلايم الكثير من الأساطير المؤسسة الإسرائيلية خاصة عن حرب ٤٨،
ورد على الكثير من المسلمات الإسرائيلية، منها أن تلك الحرب كانت بمثابة انتصار طرف صغير ومستضعف على سبعة جيوش جبارة كانت قد عقدت العزم على إبادة اليهود وإلقائهم في البحر.
ومنها أن نزوح الفلسطينيين من ديارهم تم برضاهم وبإيعاز من قادتهم وبتشجيع من القادة العرب.
ومنها أن إسرائيل سعت جاهدة لإيجاد حل لمشكلة اللاجئين ولكن ما حال دون ذلك هو المواقف المتشددة التي اتخذتها الدول العربية وعدم قبول تلك الدول بتوطين الفلسطينيين في أراضيهم.
ومنها أن إسرائيل سعت جاهدة بعد انتهاء القتال على الوصول لتسوية سلمية مع جيرانها ولكن تعنت الأنظمة العربية هو ما حال دون الوصول للسلام، وهو الأمر الذي استمر حتى قام السادات بزيارته الشهيرة للقدس عام ٧٧.
طبعا نحن العرب فندنا هذه الأساطير كلها، والأكاديميون الفلسطينيون تحديدا لهم إسهامات رصينة وغزيرة تدحض هذه الافتراءات.
الشيء اللافت في عمل شلايم هو اعتماده على وثائق إسرائيلية، لا عربية أو فلسطينية، لتفنيد هذه الافتراءات. والشيء الآخر الملفت للنظر في عمل شلايم هو توجهه بعمله لجمهوره الأكاديمي بالطبع (فهو أستاذ في الجامعة ومؤرخ أكاديمي في المقام الأول)، ولكن أيضا للرأي العام الإسرائيلي.
ولذا فهو يعتبر مع إيلان بابيه وبني موريس وسمحا فلابان وتوم سيجيف (الذي ليس أكاديميا بل صحفيا) مما أطلق عليهم "المؤرخون الجدد" في إسرائيل بعد أن شرعوا في نشر أعمالهم في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي.
تنبع أهمية الحلقتين في رأيي من ثلاث نقاط. الأولى أن علي الظفيري أعطى لآفي شلايم مساحة واسعة لعرض أفكاره وتلخيص أعماله، وبذا يمكن للمشاهد العربي الوقوف على الكثير من تفاصيل سيرة علمية حافلة.
هذا إضافة لعرضه لقصته هو الشخصية، تلك القصة التي تكتسب أهميتها من كونه يهوديا عربيا هاجر من العراق لإسرائيل حيث تعرض لمضايقات وتمييزا عنصريا بسبب أصوله العربية.
ثانيا، الحلقة بها لحظة فارقة ومحورية وتحمل قدرا كبيرا من الشجاعة الأدبية.
ففي رده على سؤال من علي الظفيري عن السبب الذي يمنعه من اعتبار إسرائيل دولة استعمارية منذ تأسيسها وليس منذ حرب ٦٧، اعترف آفي شلايم بأنه غيّر قناعاته وأنه أصبح الآن مقتنعا بأن إسرائيل ولدت بخطيئة أصلية وأن تلك الخطيئة تعود لعام ٤٨ أي لتأسيسها وكينونتها، وليس لحرب ٦٧ كما كان يعتقد.
النقطة الثالثة التي تضيف لأهمية الحلقتين هي قدرة علي الظفيري على "ترجمة" لغة آفي شلايم الأكاديمية والتي عادة ما يخاطب بها جمهوره الإسرائيلي أو الغربي إلى لغة يستسيغها المشاهد العربي.
فبفضل تدخلات علي الظفيري وتوضيحاته التي تخللت حديث شلايم يستطيع المشاهد العربي أن يجد في كلام الأخير الكثير من الأفكار والرؤى التي تشتبك مع ما هو مطروح عربيا عن تلك الفترة من مأساة الفلسطينيين،
وتحديدا استطاع الظفيري أن يخرج من حديث شلايم أفكارا تفند المقولات العنصرية والرخيصة والمبتذلة التي يرددها المتصهينون العرب (مقولات مثل إن الفلسطينيين باعوا أرضهم، إلخ).
الحلقتان فيهما الكثير والكثير الذي يستحق المشاهدة. فأتمنى للجميع مشاهدة ممتعة ومفيدة.
الحلقتان فيهما الكثير والكثير الذي يستحق المشاهدة. فأتمنى للجميع مشاهدة ممتعة ومفيدة.
الحلقة الأولى: shorturl.at
الحلقة الثانية: shorturl.at
جاري تحميل الاقتراحات...