قبل عدّة أيام علمتُ بلقاءٍ في أحد المقاهي بيَنبُع، وعنوان هذا اللقاء (تجربتي في كتابة الرّواية) فاستحسنتُ كتابةَ شيءٍ يتعلّق بهذا الجانب.
فأود القول بانني لم أجرب كتابة رواية على الاطلاق ولست مؤهلاً بالقدر الكافي لإخراج ما يمكن قراءته كمؤلَّـف أو رواية إلا أن عنوان هذا اللقاء جذب من الاهتمام ما لا يقل عن المتعلّق بما كان من فنون بعض الكُتّاب المتنوعة.
كما أودّ اجتزاء نصّ العنوان وأخذ ما يشير إلى الممارسة منه وهي "كلمة: تجربتي" وعرض ما وراءها وترك ما دونها إلى أن يتيسر لي كتابةَ شيء مفيد يليق بالأخذ بما تركت.
فالتجربة إنّما هي مخاضٌ لميلاد التفنن والإبـداع في الكتابـةِ إن وُفّق المُجرّب في خوضه غمارها ابتداءً بتكوين الحصيلة اللّغويّة المتأتّيةِ بدوام القراءة وهذا أمرٌ بدَهيّ إلاّ أن اختيار ما يُقرأ لتكون إضافتهُ محمودةً قد لا يكون يسيراً على البعض
ويُرى ذلك جليّاً عند النظر في بعض الإنتاج المُعاصَرِ على وجه الخصوص، وربّما كان الأولى بمُمسكِ القلم إحكامُ غَلقهِ وإنعامُ النظرِ في بعضِ كُتُب التاريخِ والأدب التي أبدَع أصحابُها غاية الإبداع في تمهيدِ وعُورَة الفكرِ وحرثِ القريحة وملء فراغ العاطفةِ ~
~ ورفعِ أداء موازنة الكاتب بين ظروف زمانه وظروف مكانه. لتكون إضافتهُ فضلاً عن التعلّمِ اكتسابُ مفردةٍ يزيّن بها سطرهُ، ويصل بها النّاظرُ إلى معنىً تلتقطهُ مداركُهُ ليكونَ أثرها استحسانٌ وثناءٌ ناتجانِ عن فائدةٍ مُكتسبةٍ أيّاً كان نوعُها
وإن كانت مقتصرةً على ما يُبهج النّفس إعجاباً بدقّة الوصف وإيجازه وحُسنِ اختيارِه.
ولا يجدُ الانسانُ ما يفوق الوصفَ إعجازاً وجمالاً ودقّةً وحُسناً وبياناً وكمالاً في التفصيل والإجمالِ أعظمَ من آيات كتاب الله العزيز، فدوامُ قراءته وتدبُّرُ آياته الكريمة بتأمّل معانيها يُكسبُ الإنسان طلاقةً في اللّسان وسرعةً في استحضار الكلمة، وإيجازاً وبلاغةً
وتذوُّقـاً يَختصّ به وذوقاً يميّزُه عمّن لم يتعاهد القرآن الكريم على ما يجدُ من انشراحٍ للصدرِ وحلاوةً في القلب وسكينةٍ اختصّ بها كلام الله تبارك وتعالى وهذا من الحقّ المعلومِ الآكدِ البيّن، فضلاً عن زيادة إيمانهِ إن تدبّـرَ وصرَف قلبهُ لمعانيه وتعلّم ما لم يكن على علمٍ به
أخذاً عن العلماء والمفسّرينَ الذين أعدّوا العُدّة فانتُخبوا فكان انتخابهمُ تفضيلاً واصطفاءً من ربّـهم لاشتغالهم بخيرِ العلوم وأفضلها وأشرفها وأكرمها مع حيازتهم الأداةَ الداعمةَ المشتملةَ على إتقان اللّغة وعلوم الحديث النبويّ والسّيَرِ والتاريخ
وتعلّمِ الأدبِ وغيرها ممّا لا يحصُرُه من هو مثلي فاكتملت بذاك حيازَةُ الأداة وكان حاملها قد استفاد وأفادَ إن أخلصَ العمَلَ لوجه الله تعالى.
ومما يؤثر إيجاباً ويزيدُ في معالجة وَهنِ الفكرِ ومجانبة الصواب وفسادُ الرأيِ والعبارَة، أن تكون بيئةُ النّشأِ قد سلمَت من اعوِجاجِ التوجُهِ والميلُ عمّا تقبلهُ الفطرةُِ ولا يُسيغُه العقلُ وليس ذاك على الإطلاق الشاملِ لكلّ من كانت نشأتُهُ تحولُ دونَ تكوينِ فكرٍ يُطمئنُّ إليه
فالله جلّ وعلا يُخرجُ الحيّ من المَيّت، لكنّ دورَ التنشئةِ له من التأثيرِ ما يغلِبُ كثيراً ممن اجتهد في كتابهِ وأخرجَ من العملِ ما أصابَ متناولُهُ ما يصيبُ من تجرُّعِ الزُّعافِ !
فإلقاءُ نظرةٍ يُرى من خلالها الأسباب الدّافعة المرتبطةَ بما تقدّم تظهرُ ما خفيَ وتُبطلُ العجَبَ ولا مُبَـرّرَ لمَا يشينُ فليس ذا بمقصود.
ومما يجدُهُ بعض من يريدُ الكتابةَ عُسرُ فصلِ ما يجوز نشرُهُ وإظهارُهُ وما لايجوزُ سوى كتمُهُ وإسرارُه، فيتذوّقُ عند تجربته مرارةَ إعلانِ سرّه بنفسهِ من حيث لم يكنُ ملقياً للبالِ عند بوحِهِ وإشهاره لمكنونهٍ الذي ضاق به ذرعاً حتى قام بإظهارِه ..
فمنهم من كانت وقعةُ الكتابةِ شديدةً عليه حتى انصرفَ انصرافاً تامّاً عنها بمحضِ اختياره، ومنهم من ظلّ يكتُبُ بعدَ اتخاذها درساً قيّماً وكانت له بعدُ تقويماً لمسارِه، ومنهم من فقد الواعظ في قلبه والحِسّ في ضميرِهِ ولايزالُ "ناشراً لغسيلهِ" مُغـفِلاً لاعتبارِه ..
وغالبُ ما تقدّم إنّما هو مما يلاحظُ ويؤخذ تـارةً على فئةٍ قليلةٍ من النّاشئةِ مثلي.
للعاطفةِ ارتباطٌ بالكتابةِ لا ينفكّ مُملياً ما انتهَزتهُ صروفُ الدّهـرِ جاعلةً يدَ الكاتب آلةً تنسُجُ لِباسَ التجاربِ علّهُ مع إدراكه لِسوْقِهِ وانقيادهِ ينفضُ غبارَ اكتئابِهِ قاتلاً حُزنـهُ الضّمضَامُ بسهمِ كلمَةٍ من كنانَةِ ذاكِـرَتِهِ
نَاقـلاً مَشاعرَ وَجدِهِ لِمَن رأى كلِماتِهِ إن فاقَت جزَالةَ وَصفِهِ حَـدّ المَعهودِ من محيطِ أقرانِه جالباً مُقتَرَحَ تأليفِ روايَةٍ أو كتابٍ سَبقَهُ الظّنُّ بالتفرُّدِ والامتيازِ
وَلم يُدرَك أنّ الكاتِبَ قد سعى جاهداً في استحضارِ عزيمتِه لانتقاءِ ما حَسُنَت قراءتهُ حالَ تقليبِ أفكارِه وإمعانِ نظَرهِ ولم يجد ما يُوافقُ عزمَهُ من إرادَةٍ
وما ذاك إلاّ لِعلمه بغيرِه من كبارِ المجالِ ممّن لو أمسَك أحدُهم قَلَمَهُ لانهمَرَ المِـدادُ مليئاً بعجائبِ الأوصافِ حائكاً بها أبهى الحُلَل
ليكونَ نسيجُه حِذاءَ تلك الحُلَلِ خِرْقَةً ضاهَت في بِلاهَا هرئَ اللّباس على ما يغشاهُ من خوفِ التّجاوُزِ وظهورهِ على أنّهُ لغيرهِ مُبارزٌ.
وتوفَ .. 🙂
جاري تحميل الاقتراحات...